الافتتاحية: الإمبريالية الإقليمية المقيتة

  • 28 يوليو 2020

يواجه العالم العربي، خلال المرحلة الحالية، حزمة من التحديات الإقليمية في ظل سعي دول الجوار ومحاولاتها التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول العربية، والإضرار بمصالحها الحيوية؛ ولا شك أن هذا السلوك الذي تمارسه هذه الدول، وينطوي على انتهاكات خطِرة للأمن القومي العربي، مرفوض جملة وتفصيلاً، وينبغي أن يواجَه بموقف عربي حاسم من خلال جامعة الدول العربية، التي تمثل المظلة الجامعة للأمة، ويجب أن تنتبه لما تمرُّ به المنطقة العربية من تحديات غير مسبوقة، وتكرّس كل جهودها، وبدعم كامل من الدول الأعضاء؛ لمواجهة هذه التحديات، وبلورة استراتيجية متكاملة للتعامل معها والتغلب عليها.
وتتعدَّد صور هذه التحديات التي تمثل بالفعل نوعاً من الإمبريالية الإقليمية لتشمل، أولاً، تدخلاً تركياً فجاً في الشؤون الداخلية الليبية، تحت ستار اتفاقيتي تعاون تم توقيعهما بين أنقرة وحكومة الوفاق الوطني، على الرغم من أن هاتين الاتفاقيتين باطلتان من الناحية القانونية. وفي جميع الأحوال؛ فإن هذا الستار لا يمكن أن يخفي المطامع التركية في ثروات ليبيا، ومحاولة أنقرة خلق مناطق نفوذ لها بمنطقة شمال إفريقيا وشرق البحر المتوسط الزاخر بالثروات الطبيعية من نفط وغاز. وهناك كذلك التدخل التركي الفج هو الآخر في سوريا، وتسعى من خلاله أنقرة إلى بسط سيادتها على شمال سوريا. وثانياً، التدخل الإيراني في كل من لبنان وسوريا والعراق، وأخيراً اليمن، وقد نجحت طهران، للأسف، من خلال هذا التدخل في تأسيس ميليشيات وأذرع سياسية وعسكرية لها في هذه الدول، يمثل بعضها دولة داخل الدولة، وينطوي على انتهاك خطِر لسيادة تلك الدول. وثالثاً، سعي إسرائيل إلى قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ من خلال محاولة تل أبيب ضم أجزاء من الضفة الغربية، وهو الأمر الذي يجعل حل الدولتين شبه مستحيل. ورابعاً، تعنُّت إثيوبيا في الملف الخاص بمفاوضات سد النهضة، وما يحمله هذا التعنُّت من إضرار جسيم بمصالح كل من مصر والسودان، على الرغم من مرونة موقفي القاهرة والخرطوم في هذه المفاوضات.
وتلعب دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً إقليمياً فاعلاً، هدفه الدفاع عن المصالح العربية المشتركة، ودعم الأشقاء العرب في مواجهة هذه التحديات والمخاطر التي فرضتها عليها دول الجوار العربي، وتقف في مقدمة الدول العربية الساعية إلى بلورة موقف جماعي قادر على التصدي لهذه التحديات والمخاطر وما تنطوي عليه من تهديدات جسيمة، والرافضة لما يحمله موقف دول الجوار العربي من تحديات للمصالح العربية الجماعية، ولمصالح عدد من الدول الشقيقة بشكل خاص.
وضمن هذا الموقف الإماراتي الثابت جاء تأكيد معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، أن الإمبريالية الإقليمية هي الخطر الأكبر على المنطقة وسيادتها؛ حيث قال معاليه عبر «توتير»: «لعلَّ الخطر الأكبر على منطقتنا وسيادتنا أن يكون عنوان المرحلة هو مصطلح الإمبريالية الإقليمية وهيمنتها. وحتى لا يكون هذا قَدَر المنطقة؛ فالتضامن والتكاتف ضرورة وأولوية عربية، ولنكن بحجم التحدي».
والحاصل أن هذه المخاطر، التي تنطوي عليها محاولات الإمبريالية الإقليمية، تحتّم بالفعل، وكما قال معالي الدكتور أنور قرقاش، ضرورة التضامن والتكاتف العربي، وهذا يعني بالضرورة أن نكون بحجم التحدي الذي تفرضه تلك المخاطر، ولكي يتحقق ذلك يجب أن تدرك الدول العربية كافة أن هذه المحاولات تمثل خطراً عليها جميعاً، وليس على دول معينة فقط.
لقد حان الوقت، الذي يجب فيه على الدول العربية أن تبلور استراتيجية شاملة ومتكاملة للتصدي للتهديدات المفروضة عليها من دول الجوار، وأن يدرك العرب كلهم أنهم في مركب واحد، وأن مصيرهم مشترك بالفعل، وأن ما تعانيه دولة أو دول بعينها خلال المرحلة الحالية هو نقص من رصيد القوة الشاملة للعالم العربي، الذي يجب أن يعظّم ما يملكه من مصادر قوة؛ حتى يمكنه الصمود أمام ما يواجهه من تحديات حالية قد تتفاقم وتصبح أكثر خطورة في المستقبل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات