الافتتاحية: الأمة تفقد قائدًا كبيرًا وزعيمًا فذّا

  • 30 سبتمبر 2020

برحيل المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، تفقد دولة الكويت ومجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمتان العربية والإسلامية والعالم أجمع واحدًا من القادة الكبار والزعماء الأفذاذ، الذين كانت لهم بصمات خالدة ومآثر كثيرة ستظلُّ راسخة على مرّ الأيام في ذاكرة الأجيال، وماثلة في وجدان أبناء شعبه وفي ضمائر كل مُحبي الكويت، ترسم لهم معالم الطريق وتحفّزهم على مواصلة مسيرة الخير التي اختطّها لتكون دانةُ الخليج كما عهدناها، ومثالًا في النهوض والتطور.

ترك الفقيد الكبير إرثًا غنيًّا بالعطاء يَشهد له القاصي والداني، وعرفه الجميع بالحكمة والاعتدال والتسامح والدعوة إلى إفشاء السلام ونشر المحبّة بين بني البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وهي مناقب وصفات تؤكّد نبل طباعه وكريم أخلاقه ليستحقّ عن جدارة لقب أمير الإنسانية، وليُحقق لوطنه الكويت المكانة التي تليق به بين أشقائه وأصدقائه، وهي مكانة تحقّقت بفضل نهج قيادي استثنائي كانت ركيزته بناء الكويت النموذج، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

في الشأن الكويتي قدّم الشيخ صباح – رحمه الله – الكثير، وعمل بلا كلل ولا ملل على الارتقاء بجوانب الحياة كافةً، السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فقد قاد سفينة بلاده بحكمة واقتدار، ونجح أيّما نجاح في ترسيخ التجربة الديمقراطية وتعزيز مشاركة أبناء الكويت بمختلف أطيافهم في صناعة القرار وصياغة المستقبل الذي يتطلّعون إليه، وتحقّقت في عهده نهضة اقتصادية شاملة تضمّنت إطلاق مشروعات تنموية ضخمة في المجالات كافّة، مكّنت الكويت من حجز موقع متميّز على خريطة الاقتصاد الإقليمي والعالمي؛ كما حافظ على التوازن بين خصوصية المجتمع الكويتي وقِيَمه، ومتطلبات الحداثة والانفتاح على العالم.

وعلى الصعيد الخارجي شهدت علاقات الكويت في ظلّ قيادة الراحل الكبير تطورًا على جميع المستويات؛ فقد كان – رحمه الله – واحدًا من القادة الذين حرصوا على تدعيم أواصر اللحمة داخل البيت الخليجي، وعمل مع إخوانه قادة دول مجلس التعاون على تطوير مسيرة العمل الخليجي المشترك والارتقاء به إلى أفضل مستويات التكامل، وكان متمسّكًا على الدوام بوحدة الصف واجتماع الكلمة، ومُسهِمًا فاعلًا في التقريب بين وجهات النظر، وهو النهج ذاته الذي تميّزت به مواقفه في الشأن العربي؛ إذ كان داعيًا على الدوام إلى نبذ الفرقة والخلاف، وطامحًا نحو واقع عربي أفضل، وساعيًا بكل جدّ وإخلاص في خدمة القضايا العربية والذود عنها، وتوظيف ما تتمتّع به الكويت من احترام وتقدير كبيرين على المستوى العالمي، وما يربطها من علاقات وثيقة مع دول العالم ومنظماته وشعوبه في الدفاع عن الحقوق العربية.

واليوم، ترجّل فارس نَذَر حياته لبناء وطنه وخدمة شعبه، وغاب قائد كان يحمل حبّ وطنه زادًا في حلّه وترحاله، ويتخّذ من تحقيق رفاهية شعبه وسعادته هدفًا وغاية لا تسبقهما أولوية، ومن طموحات أمته وآمالها وتطلّعاتها رسالة لا يملّ الدعوة إليها، ومن مبادئ التعايش السلمي بين الشعوب وحُسن الجوار قواعد راسخة في التواصل مع الآخر، فنال محبة شعبه وولاءَه والتفافه بإخلاص حول قيادته، وثقة شعوب أمته وتقديرها، واحترام العالم كلّه الذي نعاهُ من المشرق والمغرب، وأجمع على أن رحيله خسارة للإنسانية كلها.
لا شكّ في أن الخسارة كبيرة والمصاب جلل؛ لأن غياب الرجال المخلصين المؤمنين بأوطانهم وأمتهم يترك فراغًا كبيرًا من الصعب تعويضه، غير أن عزاءَنا في هذا المصاب هو أنّ المسيرة التي بدأها – رحمه الله – مستمرة في ظلّ القيادة الكويتية الجديدة ممثلة بصاحب السمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح الذي رافق الفقيد الكبير، وكان رديفًا أمينًا لجهوده في بناء الكويت الحديثة، وقدّم الكثير لبلاده، وأسهم بشكل فاعل في مسيرتها التنموية، والذي نثق بأنه سيكون خير خلف لخير سلف.

رحم الله الراحل الكبير وأسكنه فسيح جنّاته، ووفّق خليفته لاستكمال مسيرة نهضة الكويت وتحقيق ما يصبو إليه شعبها من ازدهار وتقدّم ورفاهية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات