الافتتاحية: الأمة تفقد قائداً فذّا برحيل السلطان قابوس

  • 11 يناير 2020

برحيل المغفور له السلطان قابوس بن سعيد، يفقد العالم والوطن العربي ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية واحداً من القادة الأفذاذ والزعماء الذين تميزوا بالحكمة، ورائداً من رواد النهضة الذين تركوا بصمات خالدة في التاريخ وتركوا لشعوبهم إرثاً غنياً بالازدهار والتطور والحكمة والاعتدال والتضحيات الكبيرة من أجل إعلاء صروح الأوطان وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين.
بعد نحو 50 عاماً من العطاء ترك فقيد عُمان والأمتين العربية والإسلامية أثراً طيباً وذكرى خالدة في قلوب أبناء عمان وأشقائهم في الدول العربية كافة، فهو باني نهضة عُمان الحديثة التي تتمسك بقيمها وتعتز بماضيها التليد وتتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً، وهو واحد من الزعماء الذين أسسوا مجلس التعاون الخليجي وحرصوا على تعزيز مسيرته وتدعيم أواصر اللحمة بين دوله وتحقيق تطلعات أبنائها في مزيد من التقدم والوحدة والرخاء، وهو قائد عربي ساهم بشكل فاعل في توثيق عرى التضامن العربي في مواجهة التحديات، وحرص على وحدة الصف واجتماع الكلمة، وناصر قضايا الأمة في مختلف المجالات وعلى الصعد كافة.
حزنت دولة الإمارات لحزن الشقيقة عمان على فقدان السلطان قابوس، وسارعت قيادتها إلى نعي الفقيد الكبير والتعبير عن أحر مشاعر التعزية والمواساة لعائلته الكريمة وللشعب العماني الشقيق، حيث نعاه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ببالغ الحزن والأسى: «زعيماً من أبرز وأخلص أبناء الأمتين العربية والإسلامية أعطى الكثير لشعبه وأمته ووهب حياته دفاعاً عن قضاياها بصدق وإخلاص وتجرد». كما عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن هذه المشاعر بقوله: «رحل سلطان الوفاء والمحبة والحكمة تعازينا لإخوتنا في عُمان». وكذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، بقوله: «فقدت عُمان الشقيقة والأمتان العربية والإسلامية قائداً حكيماً، وقامة تاريخية كبيرة، رحم الله السلطان قابوس، رحل عنا أخاً عزيزاً ورفيق درب الشيخ زايد، تقاسما بحكمتهما وإخلاصهما النهوض بشعبيهما وخدمة وطنيهما، نعزي أسرته الكريمة وشعبه، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته».
هذا الموقف وهذه المشاعر الصادقة النابعة من القلوب تؤكد خصوصية العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، ورسوخ أسسها ومتانة بنيانها؛ لأنها تستند إلى وشائج القربى والدم، والإيمان المطلق لدى القيادتين والشعبين بوحدة الهدف والمصير المشترك، وتطابق الرؤى والتطلعات نحو مستقبل أكثر ازدهاراً وإشراقاً، والحرص على أن تظل هذه العلاقة على مدى التاريخ مثالاً يحتذى به بين الأشقاء.
لقد كان السلطان قابوس، رحمه الله، رجل دولة من طراز رفيع وقائداً محباً لشعبه، مخلصاً لوطنه، حريصاً على مصالح أمته، فقد حقق لعمان على الصعيد الداخلي نقلة نوعية في المجالات كافة فنهض بالتعليم والثقافة وطوّر الاقتصاد ونوّع مصادر الدخل وارتقى بالخدمات والبنية التحتية، ونسج لها على الصعيد الخارجي علاقات واسعة مع مختلف دول العالم أساسها المودة والاحترام والتعاون، كل ذلك بفضل سياسة خارجية جنحت دائماً إلى الصداقة والمودة والأخوّة في الإنسانية، واعتمدت حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، ونبذت العنف والتطرف والتعصب.
أحب السلطان قابوس، رحمه الله، وطنه وشعبه ونذر نفسه لنهضة عُمان وتحقيق رفاهية وسعادة أهلها، وعمل طوال فترة حكمه على تعزيز حقوق العمانيين وتطوير مشاركتهم في الحياة السياسية، فأحبه العمانيون وأخلصوا له الولاء، وحافظ على مبادئ التعايش السلمي بين الشعوب وحسن الجوار ومد الجسور مع الآخرين، فحظي بثقة القريب والبعيد وبتقدير واحترام العالم أجمع.
رحم الله الراحل الكبير وأسكنه فسيح جناته، ووفق خليفته جلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد لاستكمال مسيرة نهضة عُمان وتحقيق السعادة والرفاه لأبناء الشعب العماني.

Share