الافتتاحية: استحقاقات جديدة للسلام في الشرق الأوسط

يُنظر إلى توقيع دولة الإمارات العربية المتحدة معاهدة سلام تاريخية مع دولة إسرائيل، وإعلان تأييد السلام الذي وقعته مملكة البحرين مع إسرائيل، يوم أمس الثلاثاء، بكثير من الأهمية والتأثير والفاعلية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية؛ إذ ينقلنا هذا الحدث الكبير إلى مرحلة مقبلة تحمل في طياتها ملامح جديدة للعلاقات بين الدول والشعوب، وتكرّس مفاهيم وثقافات رائدة تقوم على أسس التعايش والتسامح وقبول الآخر، والعيش بسلام وطمأنينة وتعاون بين الأطراف كافة.

الاستحقاق الأول للحدث المفصلي في تاريخ المنطقة والعالم، يبدأ بتسيّد قيمة السلام وثقافته بدلاً من توجهات العداء التقليدية، التي تسببت بكثير من الفوضى والخراب، وأفسحت المجال للتطرف والكراهية على يدِ مجموعات ظلامية ودول كارهة، لم يكن هدفها سوى تأخير الدول العربية ووضعها في مراتب متأخرة على سلّم مؤشرات التنمية المستدامة؛ فإرساء ثقافة السلام والتنمية المستدامة يندرج تحته مجموعة من القواعد والمعايير والأولويات التي تكرّس في نفوس الشعوب والدول قيماً إنسانية أصيلة، قوامها تعزيز روح التضامن والأخوّة والتعاون.

ولأن قيادة دولة الإمارات الحكيمة اتخذت هذه الخطوة التاريخية والجريئة، التي قلبت فيها الموروث العدائي الذي جاب المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، وطغى على فكر وممارسات أعداء السلام؛ فإنها تأمل في هذه المرحلة إعادة صياغة خطاب إنساني جديد، يقوم على تعزيز العلاقات بين الدول الشقيقة والصديقة، الجارة والبعيدة، على أسس من الالتزام بمعايير أخلاقية وحضارية، تأخذ بالشعوب إلى حالة من التنوير والمَدَنية، يتم من خلالها تجاوز الخطابات المعادية، التي تتفوه فيها وتمارسها مجموعات وتيارات بعينها، أخّرت كل التقدم الذي حققته حضارتنا العربية والإسلامية على مدى قرون خلت.
هذا الخطاب الجديد؛ القائم على إعلاء شأن التسامح والسلام ونبذ الكراهية والعداء، يتطلب اليوم تغيير البنى الفكرية والقانونية والتشريعية والثقافية والاجتماعية وتطويرها، وتجاوز التاريخ الذي ملأ قلوب البشر بالتعصب والكراهية، وجعَل فئة ضالة منهم تفضِّل تبنّي ثقافة التطرف والإرهاب على ثقافة التعايش والتسامح لتحقيق مآربها الضيقة، وهو ما يستدعي أن تصبح قلوب الشعوب مفتوحة على كل الثقافات والأجناس والأديان، ومدّ جسور المودة والاحترام بينها، وفتح الحدود على بعضها بعضاً، واستغلال المرحلة بمزيد من علاقات السفر والسياحة والتجارة والاستثمارات، بما يسهم في خلق جيل جديد يؤمن بثقافة السلام، وينبذ الكراهية والتمييز والتصنيف بين البشر، ويطمح أن يعيش حاضراً ومستقبلاً يسودهما الأمن والرفاه.

ولأجل ذلك كله، تتطلع دولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، إلى أن يتم الالتفات إلى مجموعة من الأولويات، أهمها: ترسيخ القناعات القوية بالمبادئ الإنسانية النبيلة، ونبذ الكراهية والتصنيفات التي تميّز بين الأمم والشعوب والحضارات على أسس ضيقة، وهو ما يستدعي التوقّف عند تشكيل خطاب ديني وإعلامي وثقافي واعتماد مناهج تعليمية تؤصل لإقامة علاقات إنسانية سليمة بين البشر، وتمكّنهم من نيل حقوقهم في حياة كريمة تضمن لهم التقدّم الاقتصادي والاجتماعي الذي يشكل أساساً للسلام والتنمية المستدامة، وتضمن احترام حقوق الجميع بعيداً عن مخاطر العنصرية والكراهية والتعصّب، وتعزيز أسس التسامح والحدّ من العنف والتمييز.

إن ترسيخ ثقافة السلام يعني أن تتوجه دول المنطقة إلى بناء مشروع تربوي وثقافي واجتماعي ملائم للعصر، ينطلق من تعاليم ديننا السمحة القائمة على الاعتدال والوسطية، وتراثنا وهويتنا الإنسانية التي تعلي من قيم الوئام والتسامح واحترام التنوع والاختلاف، وتصحيح الصورة النمطية التي حصرت التفكير والممارسات تجاه الآخر المختلف في نطاق عدائي، فالأولوية الآن تكمن في نشر ثقافة السلام لدى النشء والشباب، وبلورة خطاب جديد يناسب العصر وتغيراته، ويجعل الجميع شريكاً في رسم مستقبل مزدهر للبشرية، يجنبها الانزلاق نحو مسارات التطرف والعنف والصدام والنزاع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات