الافتتاحية: احتمالات الحل السلمي للأزمة الليبية ما تزال قائمة

  • 23 يوليو 2020

تمر الأزمة الليبية بأكثر مراحلها خطورة، حيث أدى التدخل التركي إلى تعقيدها بشكل غير مسبوق ورجح الخيار العسكري على حساب جهود كبيرة بذلت لإيجاد تسوية سياسية مقبولة من الأطراف المختلفة. وتشهد ليبيا خلال الفترة الحالية تحشيداً عسكرياً متبادلاً بين طرفي الصراع ممثلين في حكومة الوفاق الوطني المدعومة بكل قوة من قبل أنقرة وعدد من الميليشيات العسكرية والتنظيمات الإرهابية من جهة، والجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر من جهة أخرى.
وتؤكد الأنباء الواردة من أرض المعركة في ليبيا، أن قوات حكومة الوفاق تعد العدة لما تسميها معركة تحرير سرت، على الرغم من أن مصر قد هددت وحذرت بشكل صريح من أن تجاوز خط سرت-الجفرة، يعني أن تتدخل القاهرة عسكرياً لدعم قوات الجيش الوطني، لأن هذا التجاوز يحمل تهديداً كبيراً للأمن القومي المصري، فضلاً عما قد يتمخض عنه من تعميق الأزمة وإحداث تهديد جدي لوحدة ليبيا، التي يجب أن تكون أولوية قصوى لدى القوى السياسية والمجتمعية الليبية، ولدى العرب جميعاً.
وعلى الرغم من هذا الوضع المتفجر في ليبيا، فإن احتمالات الحل السلمي للأزمة ما تزال قائمة، وثمة مؤشرات ومبشرات مهمة في هذا السياق تتمحور حول وجود مساعٍ جدية لاستئناف عملية التسوية نشطت خلال الأيام القليلة الماضية. ويتمثل أول هذه المساعي في تجديد بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا مساعيها الدبلوماسية لاستئناف الحوار السياسي المتوقف في البلاد، وقالت ستيفاني ويليامز، الرئيسة المؤقتة للبعثة الأممية، إنها بحثت في لقاء افتراضي مع رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ونائبيه، ومقرر المجلس، ورئيس لجنة حواره، سبل استئناف الحوار السياسي، طبقاً لمخرجات مؤتمر برلين، مشيرة في بيان لها، يوم الاثنين الماضي، إلى أنها عرضت نتائج المحادثات التي أجرتها مؤخراً مع الأطراف الليبية والخارجية، أما ثاني هذه المساعي، فيتمثل في مباشرة الولايات المتحدة تحركات مهمة لنزع فتيل الأزمة، وقد أعربت مصادر عدة في الإدارة الأمريكية عن قلقها من التصعيد العسكري، وتدهور الوضع في ليبيا، وأوضحت أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تحاول دفع مسار المفاوضات السياسية والاقتصادية، وتقليل التدخلات العسكرية، ونقل المرتزقة، وتهريب السلاح من دول عدة إلى ليبيا. وأوضح جود دير، المتحدث باسم البيت الأبيض، أن الرئيس ترامب ناقش مع نظيره المصري عبدالفتاح السيسي ضرورة وقف التصعيد الفوري في ليبيا، والمضي قدماً في مفاوضات اقتصادية وسياسية. مبرزاً أن ترامب ناقش أيضاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سبل تخفيف حدة الوضع في ليبيا. وقد جاء الاتصال بين ترامب والسيسي بعد اتصال ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي ركز أيضاً على الوضع في ليبيا. أما ثالث هذه المساعي، فيتمثل في دخول الاتحاد الأوروبي على خط محاولات تسوية الأزمة بشكل سلمي، حيث دعا، يوم الثلاثاء الماضي، إلى وقف التصعيد الجاري في ليبيا وإيجاد حل سياسي للأزمة، وأكد الاتحاد في بيان له أنه: «يجب أن تتوقف دعوات الجهات الإقليمية الفاعلة في الصراع الليبي من أجل التحرك.. إن التهديدات باللجوء إلى التدخل العسكري خطيرة ولا بد من إيجاد حل سياسي».
وهكذا، فإنه وعلى الرغم من تزايد حدة الأزمة في ليبيا، فإن احتمالات حلها وتسويتها بشكل سلمي ما زالت قائمة، ولكن المهم أن تدرك أطراف المعادلة السياسية والعسكرية في ليبيا أن اللجوء إلى خيار الحسم العسكري سيزيد الوضع سوءاً، ولن يحقق الأهداف المبتغاة، وهذا يعني ويتطلب أن ترتقي هذه الأطراف إلى مستوى التحدي، وأن تبدأ الانخراط في تسوية شاملة تنتج حلاً توافقياً ومقبولاً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات