الافتتاحية: احترام الأديان سبيل للأخوة والتعاون الإنساني

  • 4 ديسمبر 2020

منذ بدء الخليقة وعبر التاريخ الإنساني الممتد على مدى آلاف السنين، كان الدين ولا يزال طريقًا لإفشاء السلام والمحبّة والإخاء بين الناس، ودعوة إلى نبذ الكراهية والنزاعات التي تفرّق بين بني البشر، فهو بالأساس دعوة تقوم على الرحمة والتآخي والتعاون فيما ينفع الإنسان ويعينه على أداء الدور المنوط به، وهو أن يكون خليفة الله تعالى في الأرض ويعمل على إعمارها وإصلاحها وتهيئة الأسباب التي تيسر له سبل الحياة الطيبة والعيش الكريم.

والناظر في الرسالات السماوية على تنوع شرائعها وتباين طقوسها يجد أنها أجمعت على مبدأ صون النفس البشرية وتقديس حقّها في الحياة، ورفضها أي شكل من أشكال العدوان عليها، وحرصت على التقريب بين الناس وإزالة الفوارق والحواجز التي تباعد بينهم أو تسبب الخلاف والتنافر والعداء، من خلال التقليل من شأن فوارق اللغة والعرق واللون وتشجيع قيم التعارف والتآخي والعيش المشترك، وتأكيد أن الجميع شركاء على هذا الكوكب ومتساوون في الحقوق والواجبات.

وفي إطار هذا المفهوم وانطلاقًا من القناعة التامة بهذه المبادئ تدعو دولة الإمارات باستمرار إلى حماية الأديان من محاولات التشويه التي تسعى إلى المساس بها، وإلى المحافظة على قدسيتها ونقائها، وترفض كلّ محاولة مهما كان مصدرها وأيًّا كان من يقف وراءها لربط الدين بالسلوكيات السلبية وعلى رأسها الإرهاب، فهذه الآفة بلا شك عدو للبشرية جمعاء، وهي لا ترتبط بدين ولا بمعتقد، بل هي سلوك شاذ وناشز يرتبط بشكل وثيق بتشوهات كبيرة وخطيرة في معتقدات وفكر ونفسية من يعتقنها؛ بحيث تجدهم لا يفرقون عندما يرتكبون جرائمهم بين دين وآخر، لأن هدفهم الأساسي هو سفك الدماء وتدمير الحياة ونشر الفوضى وتأليب الأمم والشعوب ضدّ بعضها بعضًا، وتخريب المجتمعات واستبدال الكراهية والقسوة فيها بدلًا من المودة والرحمة.

مبادرات الإمارات في هذا المجال كثيرة ومساعيها دائمة ومستمرة لا تعرف الكلل، فمن أبوظبي عاصمة السلام انطلقت العام الماضي وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها اثنان من أهم الرموز الدينية على مستوى العالم أجمع، وهما الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، والبابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، لتكون مرجعًا وإطارًا لنوع جديد من العلاقات بين الأديان يقوم على تفعيل الحوار والسعي نحو تعزيز قيم التعايش والتآخي بين البشر، والتصدي للتطرف الفكري وسلبياته وتعزيز العلاقات الإنسانية وإرساء قواعد جديدة لها بين أهل العقائد المتعددة، تقوم على احترام الاختلاف والاستفادة منه كعامل إثراء للمسيرة الإنسانية وتراثها الديني بدلًا من أن يكون عامل تنافر وتباعد بين الناس.

في كل مناسبة وعند أي فرصة متاحة تحرص الإمارات على تجديد دعوتها والتعريف بنهجها القائم على تعزيز التعاون ونشر السلام بين دول العالم وأممه وشعوبه، وتأكيد منهج الوسطية والاعتدال الذي يشكّل أساسًا لعلاقات سويّة وقاعدة للفهم الصحيح والتقارب القائم على الانسجام الفكري والوجداني، وكذلك رفضها أي محاولة لتوظيف الأديان واستخدامها وسيلة للتحريض، الأمر الذي أكدته في خطابها في الدورة الـ 47 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، الذي ألقته معالي ريم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي، وطالبت فيه بتفعيل قرار الأمم المتحدة رقم (224) المتعلق بمناهضة ازدراء الأديان، والعمل على بدء حوار مع الأطراف المعنية والمجتمع الدولي بهدف المحافظة على قيم ومبادئ التسامح والتعايش، ودمج الأقليات في المجتمعات.

موقف دولة الإمارات هو موقف معظم دول العالم الإسلامي ذاته إن لم يكن كلها؛ لأنها أكثر من عانى محاولات تشويه الإسلام وربطه بالإرهاب، والممارسات التي تدعو إلى العنف والتطرّف، ولذلك فقد وقفت بحزم في وجه الحركات كافة التي تتبنى أو تدعم أو تروّج بأي شكل من الأشكال للتطرّف، وهي تتطلّع إلى موقف عالمي موحّد يجرّم المساس بالرموز الدينية ويوقف الخطاب المعادي للإسلام ويحدّ من ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تتعارض والقرارات الدولية لحقوق الإنسان، باعتبار ذلك الطريق الأمثل نحو عالم أكثر تفاهمًا وتعاونًا وسلامًا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات