الافتتاحية: إيران تعرقل حل الأزمة في العراق

  • 24 ديسمبر 2019

لا يبدو أن الأزمة التي يشهدها العراق في طريقها إلى الحل؛ بل تتفاقم ويتعقد المشهد يوماً بعد يوم؛ فقد انتهت يوم الأحد المدة القانونية التي حددها الدستور العراقي لرئيس الجمهورية لاختيار رئيس وزراء جديد خلفاً للسيد عادل عبد المهدي الذي قدم استقالته قبل أقل من شهر بقليل، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة ضد الفساد والطبقة الحاكمة التي أورثت البلاد الخراب والاستبداد. ويعود الفشل في التوصل إلى مرشح توافقي مقبول من الحراك والقوى السياسية إلى عوامل مختلفة؛ فشكلياً تبدو الصورة مرتبطة بمسألة الكتلة الأكبر في البرلمان، حيث طلب الرئيس برهم صالح من المحكمة لاتحادية العليا تحديد الكتلة الأكبر الوارد ذكرها في المادة (76) من الدستور؛ ولكن المحكمة، لم تفعل ذلك، وبدل أن تسمي هذه الكتلة أعادت التأكيد أن الكتلة الأكبر هي التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، أو الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية داخل البرلمان؛ ما يؤدي إلى تعقيد الأزمة السياسية المتفاقمة في العراق، إذ كان ينتظر من المحكمة، وهي أعلى سلطة قضائية، أن تحسم الأمر. كما لم يستجب البرلمان لطلب الرئيس المماثل وفشل مجدداً في إقرار قانون انتخاب جديد؛ بينما سارعت كتلة البناء (المؤلفة من تحالف هادي العامري ونوري المالكي) بالادعاء أنها تشكل الكتلة الأكبر في البرلمان، وقامت بتقديم مرشحها قصي السهيل رسمياً؛ وهو ما رفضه الحراك، والقوى السياسة الأخرى، وعلى رأسها كتلة (سائرون) بزعامة مقتدى الصدر الذي اعتبر هذا الترشيح صباً للزيت على النار.
أما جوهرياً فالصورة مختلفة تماماً؛ فما يجري في العراق – وإن كان بالفعل صراعاً بين القوى السياسية- فهو في الحقيقة يعكس تدخلاً إيرانياً سافراً؛ فالمتتبع لمجرى الأحداث يجد أن المحرك لكل هذه الفوضى السياسية العارمة في البلاد هو إيران؛ إيران التي تستبيح العراق منذ غزوه عام 2003، ولم تتوقف يوماً عن التدخل في شؤونه الداخلية؛ بل تعتبره -ولم يخف زعماؤها غرورهم بذلك – امتداداً لها ولمطامعها الإمبراطورية؛ ولذلك فهي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة؛ فقصي السهيل هذا هو مرشح القوى الموالية لإيران، العامري والمالكي؛ وقد أكدت مصادر مختلفة أن قاسم سليماني – هذا الرجل الذي يعيث فساداً في العديد من الدول العربية – اجتمع مع القوى الموالية لإيران داخل المنطقة الخضراء في بغداد، حيث تم الاتفاق على ترشيح السهيل ووضع رئيس الجمهورية أمام الأمر الواقع، وخاصة أن تقديم الترشيح جاء قبل يوم واحد من انتهاء المدة القانونية المحددة للرئيس لتسمية رئيس وزراء جديد؛ ولذلك فقد لوح الرئيس بالاستقالة إذا استمر الضغط لتكليف مرشح لا يوافق عليه العراقيون. والحقيقة أن العراقيين لو تُركوا وحدهم دون تدخل من إيران، لتمكنوا من التوافق؛ فهناك مصلحة للجميع بضرورة إيجاد مخرج للأزمة؛ وإلا فإن الأمور قد تخرج عن السيطرة وينزلق البلد، لا سمح الله، إلى حرب أهلية مجدداً، فوق كل هذه المشاكل التي يعانيها منذ بداية إطاحة نظام صدام حسين؛ ولكن في ظل استمرار الهيمنة الإيرانية وتبعية بعض القوى الشيعية لنظام الولي الفقيه، فلن يتمكنوا من تحقيق التوافق؛ فإيران لا يمكن أن تقبل بمرشح لا يتوافق معها، بل ويكون تابعاً لها؛ وكل رؤساء الوزراء الذين حكموا العراق منذ عام 2003 كانوا موالين لها. ولن تستقر الأوضاع في العراق، ولن يتمكن العراقيون من الخروج من هذه الأزمة ما دامت إيران تواصل تدخلها عبر وكلائها الذين لا يهمهم سوى مصالحهم وضمان نفوذهم. لذا على العراقيين، أن يقرروا: هل يريدون فعلاً الخروج من هذا المأزق؟ إذا كانوا بالفعل يريدون فالطريق الآن واضح: لا بد من وضع حد للتدخل الإيراني؛ وقد عبر الحراك عن ذلك بوضوح، وهو ينشد: «إيران برّا برّا»؛ وتدعمه في هذا الأمر المرجعية التي أكدت ضرورة عدم التدخل في شؤون العراق الداخلية؛ فإما أن تستجيب القوى السياسية وتغلّب مصلحة البلاد أو قد تنزلق الأوضاع إلى ما لا تحمد عقباه وعندها لن تُفيدهم لا إيران ولا وليها الفقيه!

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات