الافتتاحية: إيران تبتز العالم.. فهل يقاومها؟

  • 9 يوليو 2019

تَدخل الأزمة الإيرانية، وخاصة ما يتعلق بالشق النووي منها، مرحلة جديدة بالفعل، بعد قرار السلطات الإيرانية رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى خمسة بالمئة، منتهكة بذلك التزاماتها الدولية بموجب الاتفاق النووي الذي وقعته مع مجموعة (5+1) عام 2015؛ ولا يخفى على أحد أن إيران تريد من هذه الخطوة التصعيدية ابتزاز العالم، وخاصة بعد تزايد تأثير العقوبات التي فرضتها عليها واشنطن على خلفية برنامجها النووي وسلوكها العدواني والتوسعي في المنطقة ودعمها للإرهاب؛ ولا يخفى على أحد أيضاً أنها تقصد بشكل رئيسي الدول الأوروبية التي تدعم الاتفاق، وأكدت، حتى بعد إعلان إيران قرارها الأخير، التزامها به ما دامت طهران ملتزمةً به. وتَعتقد إيران أنها، وفي ظل رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في التهدئة، وحرص المجتمع الدولي، بما فيه الأوروبيون، على تخفيض حدة التوتر في المنطقة، وخاصة بعد الاعتداءات السافرة على السفن التجارية في الخليج العربي، تستطيع استغلال هذا الواقع، والحصول على مكاسب كانت قد فقدتها بعد اتخاذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً حازماً من الاتفاق النووي وانسحاب بلاده منه.
وموقف إيران هذا، كما يبدو، ليس من أجل دفع واشنطن إلى رفع العقوبات؛ فهي تدرك استحالة ذلك ما دام ترامب في البيت الأبيض، وما دامت إيران غير مستجيبة لمطالب واشنطن الخاصة منها بالملف النووي؛ ولكن الهدف إجبار الأطراف الأخرى في الاتفاق على عدم التجاوب أو الانصياع للعقوبات الأمريكية عليها؛ وفي الوقت نفسه، ضمان مصالحها، كما يكرر مسؤولوها ليل نهار.
ولكن موقف المجتمع الدولي، بما فيه الاتحاد الأوروبي والدول الرئيسية فيه، والذي عبّر بوضوح عن رفضه خرق إيران للاتفاق، لا يبدو أنه يمكن أن يَتقبل هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنه يدرك أن ما تقوم به إيران هو عملية ابتزاز واضحة؛ تماماً كما يدرك أن مضيّ إيران قُدماً في هذا السلوك التصعيدي لا يمكن أن يمر مرور الكرام؛ فخطورة الوضع تتطلب تغييراً كلياً في الموقف الدولي عموماً والأوروبي خصوصاً؛ فالاستمرار في سياسة اللين والحرص على استمرار التواصل مع إيران لا تُجدي نفعاً؛ والحقيقة أن صناع القرار في طهران يتصرفون من دون أيّ اعتبار لمصالح الآخرين؛ بل إن سبب أزمة إيران هو أنها لا تراعي مصالح جيرانها ولا تلقي بالاً لمخاوفهم أو مخاوف ومباعث قلق المجتمع الدولي؛ فكل ما يهمها هو ما يلبي طموحاتها في السيطرة ومدّ النفوذ؛ وإلا لكانت اختارت مساراً آخر أكثر برجماتية، ومن ثم واقعية؛ من أجل رفع العقوبات؛ بل وحتى إعادة دمجها في محيطها الإقليمي والدولي، كما قال ذلك الرئيسي الأمريكي نفسه، وكما تؤكد باستمرار دول المنطقة.
ولكن حكام طهران اختاروا للأسف طريق المواجهة؛ وبالرغم من كلّ التطورات التي حدثت خاصة خلال الأسابيع القليلة الماضية والتي سببها تهديدها الخطير لسلامة الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالمي، فإن إيران تواصل التصعيد وكأنها تريد الحرب، بل وحتى تسعى إليها، لا إلى الاستقرار والسلام. وهذا أمر يكاد لا يفهمه العاقل، سواء كان سياسياً أو حتى إنساناً عادياً؛ فالإصرار على خط المواجهة بحجج جافة وغير واقعية، بينما تزداد معاناة الشعب الإيراني، مع تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً، حيث انهارت العملة بالكامل تقريباً، وارتفع التضخم بمعدلات غير مسبوقة، وزادت، بل تفشت البطالة وانتشر الفقر واستشرى الفساد في مختلف مؤسسات الحكم وبين كبار المسؤولين، كل ذلك يؤكد أن هذا النظام الذي يحكم بعقلية مغلقة لا يبدو أنه يدرك أبعاد ما يقوم به ولا مآلات ما يتخذه من قرارات لا تخدم مصالح شعبه ولا مصالح شعوب المنطقة بالطبع؛ بل لا تزيد إيران سوى عزلة وضعف؛ والمصيبة الأكبر أنهم يهددون بمزيد من الانتهاكات والتهرّب من الالتزامات؛ حيث يكرر كبار المسؤولين الإيرانيين التهديد بمواصلة تقليص بلادهم التزاماتها في الاتفاق النووي كلّ 60 يوماً، وذلك على أمل أن يؤدي هذا إلى إجبار الأوروبيين، وخاصة الدول الموقعة على الاتفاق، على التحرك لحماية مصالحهم من العقوبات الأمريكية؛ وهذا يعني بكل بساطة أن إيران لا تأبه بالاتفاقيات الدولية ولا بالمجتمع الدولي؛ ما يتطلب موقفاً حازماً يبدأ بالإسراع في إعادة العقوبات الأممية عليها فوراً؛ وإذا لم تستجِب، فبتضييق الخناق عليها بوسائل قسرية؛ وإلا فإن العالم ربما سيصحو بعد أشهر على واقع نووي جديد في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات