الافتتاحية: إعلان القاهرة ركيزة أساسية لتسوية الأزمة في ليبيا

  • 7 يونيو 2020

تبذل جهات عدة جهوداً متواصلة لحل الأزمة القائمة في ليبيا، بعيداً عن الاحتكام لقوة السلاح، الذي لا يمكن أن يكون أداة لتحقيق تسوية مستقرة لا في ليبيا ولا في غيرها، وهو ما أثبتته كل تجارب الصراع، فقد يتم توظيف القوة في مرحلة ما من قبل أطراف الصراع لتحقيق أهداف بعينها، ولكن التوصل إلى حل نهائي لهذا الصراع لا يكون إلا من خلال بوابة التفاوض بين الأطراف المتصارعة، ومن المؤسف حقاً أن الصراع في ليبيا قد امتد لسنوات طويلة، ولم تفطن القوى المتصارعة، المتمثلة بشكل رئيسي في حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، والجيش الوطني بزعامة المشير خليفة حفتر، إلى هذه الحقيقة المبدئية، فواصل كل طرف صراعه الصفري مع الطرف الآخر، وكانت النتيجة مزيداً من معاناة الشعب الليبي في شرق البلاد وغربها.
وضمن المساعي السلمية المبذولة لتسوية الأزمة القائمة في ليبيا، جاءت مبادرة إعلان القاهرة، ويستمد هذا الإعلان أهميته من اعتبارات أساسية عدة: أولها، التوقيت الذي جاء فيه هذا الإعلان، حيث تشهد ليبيا تفاقم الصراع بين الطرفين المتصارعين؛ ممثلين في حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني، بشكل ينذر بانزلاق ليبيا إلى مستنقع أكثر خطورة، وبخاصة في ظل التدخل الخارجي لدعم هذا الطرف أو ذاك، وأبرز صوره التدخل التركي لصالح حكومة الوفاق الوطني، وهو تدخل يتستر بأسباب وهمية لتحقيق أطماع لأنقرة في ليبيا ومنطقة شرق البحر المتوسط. وثانيها، مضمون الإعلان، الذي جاء شاملاً وكاملاً، ويؤسس لتسوية عادلة، حيث يدعو إلى وقف إطلاق النار، اعتباراً من يوم غد الاثنين، ويهدف إلى إلزام الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، بجانب استكمال مسار اللجنة العسكرية 5+5 في جنيف، كما تهدف المبادرة إلى ضمان تمثيل عادل لأقاليم ليبيا الثلاثة، في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة. وثالثها، التأييد الواسع الذي حظي به الإعلان من قبل دول عربية لا تريد سوى الخير والاستقرار والرخاء لليبيا، وأطراف إقليمية ودولية لها وزنها وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط ومجريات الأمور في الساحة الليبية. وفي هذا السياق أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة تأييدها لمبادرة إعلان القاهرة، وثمّن سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي في اتصال هاتفي مع نظيره المصري سامح شكري، الجهود التي تبذلها مصر لتسوية الأزمة الليبية، مؤكداً أن دولة الإمارات حريصة على إنهاء الاقتتال في ليبيا الشقيقة فوراً، وترى أن المبادرة المصرية تمثل بارقة أمل لتحقيق هذا الهدف.
من هنا، فإن إعلان القاهرة يمثل ركيزة أساسية للتسوية السياسية المأمولة في ليبيا، والمهم هو العمل على ترجمة ما جاء في الإعلان على أرض الواقع، وإذا كان الطرف الممثل في الجيش الوطني الليبي بزعامة المشير خليفة حفتر وداعميه من قوى سياسية وقبائل مختلفة قد أعلن تأييده الكامل لهذا المبادرة، بل وسبقها في الإعلان عن هدنة من طرف واحد، فإن الدور على الطرف الآخر المتمثل في حكومة الوفاق الوطني بزعامة فايز السراج لكي يتخذ خطوة مماثلة لتأييد الإعلان واعتباره مرجعية لتسوية الأزمة السياسية القائمة في البلاد.
إن الشعب الليبي يعاني منذ نحو 10 سنوات ما يشبه الحرب الأهلية وقد آن الأوان لتجاوز الصراع القائم بين حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي، الذي يهدد ليس فقط باستمرار هذه المعاناة، بل بتقسيم البلاد وتحويلها إلى مناطق نفوذ لقوى دولية وإقليمية، وفي مقدمتها تركيا التي لها أهداف لا تخفى على أحد، دفعتها للتدخل في الشأن الليبي. ومن هنا، فإن القوى المتصارعة في الساحة الليبية عليها أن تتلقف إعلان القاهرة للشروع في تسوية شاملة لهذا الصراع، بحيث يكون ذلك بداية لبناء ليبيا جديدة تكون وطناً لكل الليبيين.

Share