الافتتاحية.. إضعاف دور الدولة الوطنية سبب أزمات المنطقة

  • 7 ديسمبر 2019

تشكّل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تعصف بأكثر من دولة عربية، التحدي الأكبر الذي يواجه استقرار المنطقة ويستنزف الكثير من مقدراتها ويعيق جهودها لتحقيق التنمية ومساعيها للحاق بركب الحداثة والتطور، ويقوض أحلام أبناء شعوبها وطموحاتهم بمستقبل مزدهر وحياة مستقرة، وخصوصاً أن هذه الأزمات باتت صفة تلازم هذه المنطقة أكثر من غيرها من المناطق في العالم.
ولا يحتاج البحث عن الأسباب الرئيسية وراء هذه الحالة إلى كبير عناء، فمجرد دراسة بسيطة لمسيرة العديد من الدول العربية منذ استقلالها عن الاستعمار، ونظرة سريعة إلى واقعها ومقارنته بما تمتلكه من إمكانات مادية وبشرية، لا بدّ أن تكشفا عن حجم الفجوة بين السياسات الحكومية فيها وبين مصالح شعوبها واحتياجاتها وطموحاتها في حاضرها ومستقبلها، وهي فجوة ناجمة في معظم الأحيان عن سوء إدارة الدولة والخلل الذي يشوب عملية تشريع القوانين وتنفيذها فيها، وهو ما أضعف بالنتيجة دور الدولة الوطنية وأدى إلى تراجع الثقة بها وبقدرتها على أن تكون مظلة جامعة لأبناء الشعب بمختلف مشاربهم وأطيافهم ومعتقداتهم.
ومن الواضح أن ما عانته وتعانيه العديد من الدول العربية، إزاء علل الإقصاء والتهميش، واحتكار وهدر للثروات، واستقواء طبقة أو طيف معين من المجتمع على الطبقات والأطياف الأخرى، واستحواذ فئة محدودة ذات حظوة على معظم خيرات البلاد، فضلاً عن هشاشة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، كلها مكامن خلل أدت إلى إضعاف الشعور الوطني وزعزعة الانتماء في النفوس، وبالتالي إما العزوف عن المشاركة في الحياة العامة أو الذهاب بعيداً نحو طريق التطرف والانجرار وراء الشعارات التي تدس السم في العسل، ومن ثم تراجع دور الدولة لصالح كيانات أخرى تُظهر للناس عكس ما تخفيه عنهم، وتطعن الأوطان في الخاصرة وتشكّل معول الهدم الأكثر خطراً على بنية المجتمع وكينونته وتنسف أسس المواطنة وتدمر العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الدولة والحاكم والمحكوم. وفي هذا السياق يأتي حديث معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، الذي علق الجرس عبر تغريدات عدة في حسابه على «تويتر» فأكد أن الأزمات الحادة في أكثر من دولة عربية تتطلب حلولاً جذرية، في مقدمتها مكافحة الفساد والقضاء عليه لأنه بمنزلة السوسة التي تنخر جسد الدولة وتفتّ في عضدها وتضعف بنيتها وهياكلها، لافتاً النظر إلى أن الفساد لا يستقيم مع مطالب الدولة القوية ومؤسساتها، وأن التعامل الجدي مع مطالب الناس وإعادة هيكلة المنظومة السياسية والإدارية هما الخياران الأكثر ضرورة برغم صعوبتهما، وداعياً إلى الاستفادة من تجارب دول الخليج العربي التي تعاملت مع احتياجات ومطالب المواطن على أنها بوصلة المسار الحكومي، مؤكداً أن ما تشهده أكثر من دولة عربية هو أزمات هيكلية ومعيشية حادة تتطلب حلولاً جذرية تعالج مطالب المواطن المشروعة، فهي ليست بالرياح العاتية التي سترحل كما يتمنى بعض أصحاب القرار، بل حالة متأزمة لا بد من التعامل معها بموضوعية وقناعة وتواضع.
لقد كانت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها على يد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وإخوانه الآباء المؤسسين، سباقة في إرساء مبادئ الحكم الرشيد، وتفعيل دور الدولة وسيادة القانون وتقديمه على ما سواه وإلغاء أي دور ينافسه، مع عدم الإخلال بخصوصية العلاقة التي تربط القيادة بشعبها، والتي تتميز بالإخلاص والولاء والمحبة المتبادلة، وهو ما جعل منها أيقونة ومثالاً يحتذى به في مجال بناء الدولة الوطنية وبناء أجهزتها الفاعلة المؤثرة وممارستها لدورها في إدارة شؤون الحكم وتنظيم حياة الشعب وتسخير الثروات لتوفير أفضل مستويات الحياة له ولأجياله المقبلة، وهو ما جعل تجربتها واحدة من أفضل التجارب على المستويين الإقليمي والعالمي.
خلاصة القول، حبذا لو تخلصت الدول العربية التي تعاني أزمات، من عقدة المكابرة وسعت للاستفادة من تجارب شقيقاتها الناجحة كدول الخليج العربي، وعملت على تحقيق سيادة القانون وتفعيل المساءلة وتعزيز المشاركة وانتهاج الشفافية وامتلاك الرؤية الاستراتيجية حتى تعيد للدولة دورها وهيبتها وتجمع أبناءها في كنفها وتضمن مستقبلاً مشرقاً لأجيالها المقبلة.

Share