الافتتاحية: أولويات التصدي للجرائم الإلكترونية في العالم العربي

  • 3 مارس 2020

في الوقت الذي يشهد فيه العالم تصاعداً كبيراً في الأخطار المترتبة على الأعمال الإرهابية، فإنه يشهد تصاعداً موازياً في الأخطار النابعة من الجرائم الإلكترونية، بفعل الاستخدام المسيء لما وفرته الثورة الصناعية الرابعة من تقنيات متقدمة، ويشمل هذا النوع من الجرائم التي ترتكب عبر الفضاء الإلكتروني والحواسيب والشبكات العديد من الأشكال، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الابتزاز الإلكتروني، والاختراقات التقنية، والاحتيالات المالية، وغيرها من الجرائم التي ترتكب عبر شبكة الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من المجرمين الإلكترونيين تمتلك قدرات تقنية متواضعة، فإن الهجمات السيبرانية تشهد تزايداً لافتاً للنظر في استخدام الأدوات المتطورة المتاحة في السوق الافتراضي على الإنترنت، ومع تطوير بعض الجماعات الإجرامية لأنشطتها، فإن الجرائم الإلكترونية تتطور وتنمو بسرعة.
وفي ظل هذا التصاعد الحاصل في الجرائم الإلكترونية، سواء فيما يخص عددها أو مخاطرها، مع تصاعد خطر الأعمال الإرهابية، فقد حذر المشاركون في الدورة الـ 37 لمجلس وزراء الداخلية العرب، أول من أمس الأحد، من تنامي مخاطر الأعمال الإرهابية والجریمة الإلكترونية في المنطقة العربیة، داعین إلى تعزیز التعاون والتنسیق بین الأجھزة الأمنیة العربیة، وتحدیث (القائمة العربیة السوداء لمنفذي ومدبري وممولي الأعمال الإرھابیة). وأعلن الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، محمد بن علي كومان، أن هناك مشروعاً لاستراتيجية عربية لمواجهة جرائم تقنية المعلومات، تضمن إضافة نوعية في هياكل المجلس، هي إنشاء وحدة للتنسيق بين الدول العربية في هذا المجال. وأضاف أن المجلس سينظر في إنشاء فريق عمل لرصد التهديدات الإرهابية، والتحليل الفوري للأعمال الإرهابية، مشيراً إلى أن الإرهاب لا يزال يشكل خطورة على دول المنطقة.
وفي الواقع، فإن صياغة استراتيجية عربية لمواجهة جرائم تقنية المعلومات باتت أمراً ملحاً، وربما تأخرت كثيراً في ظل تنامي خطر هذا النوع من الجرائم، ولكن لا بأس، فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً، كما يقولون، ومن هنا جاءت هذه الخطوة التي تم إعلانها خلال الدورة الأخيرة لمجلس وزراء الداخلية العرب، لتستحق كل الإشادة والدعم، ولتشكل آلية مهمة لدعم الجهود العربية وتكتيلها لمواجهة هذا الخطر المتنامي. ويبقى الأهم ضرورة الإسراع بإعداد تلك الاستراتيجية بشكل محكم، وضمان تنفيذها على أرض الواقع، على النحو الأمثل، الذي يكفل تعاملاً صارماً مع تلك الجرائم.
وعند الحديث عن مكافحة الجرائم الإلكترونية لا بد من الإشارة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تنبهت، بشكل مبكر، إلى الأهمية الخاصة لمكافحة هذه الجرائم، وبذلت العديد من الجهود في هذا السياق، ومنها سن القوانين الخاصة بالتصدي بقوة لها، على غرار القانون الاتحادي رقم (1) لسنة 2006 بشأن المعاملات والتجارة الإلكترونية، والقرار الوزاري رقم (1) لسنة 2008 بشأن إصدار لائحة مزودي خدمات التصديق، والمرسوم بقانون اتحادي رقم 5 لسنة 2012 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والقانون الاتحادي رقم (12) لسنة 2016، بتعديل المرسوم بقانون اتحادي رقم (5) لسنة 2012 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وغيرها.
إن التقدم التكنولوجي الهائل الذي وفرته الثورة الصناعية الرابعة أحدث نقلة إيجابية نوعية في مسيرة البشرية، ولكنه في المقابل، وفّر أدوات تقنية مكّنت المجرمين والعصابات المنظمة من ارتكاب العديد الجرائم الإلكترونية، التي تصاعد خطرها بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، على نحو يفرض ضرورة التعاون الجماعي لمواجهتها، ولذلك، فإن ما تم إقراره خلال الدورة الأخيرة لمجلس وزراء الداخلية العرب، بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية يمثل خطوة مهمة في هذا الطريق، ولكن صياغة استراتيجية عربية لهذا الغرض، ليس هو كل المطلوب، فوسائل الإعلام لها دور حيوي في التوعية بخطر هذه الجرائم المستحدثة، التي تهدد كل الدول العربية بشكل فردي وجماعي.

Share