الاعتداء على أسطول الحرية: التداعيات على إسرائيل وعملية التسوية

  • 10 يونيو 2010

تُبيِّن متابعة مسيرة تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة المحاصَر، خلال السنوات الماضية، أن السيطرة الإسرائيلية على "أسطول الحرية"، لم تكن لتستقطب الاهتمام المحلي والعالمي، بالقدر الذي تَحقّق، لولا الأسلوب الدامي الذي اعتُمد فيها، والذي كان له مفاعيل وتداعيات مهمة، ليس فقط بشأن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وسبل حله، وإنما أيضاً على مستوى العلاقات الخارجية الإسرائيلية. 

فعلى صعيد الداخل الإسرائيلي، ظهرت انتقادات داخل حكومة نتنياهو لطريقة إدارة أزمة "أسطول الحرية"، الذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة. وطبقاً لما أوردته بعض الصحف الإسرائيلية، فإن وزراء أعضاء في المجلس الوزاري المصغر وجهوا انتقادات شديدة لأسلوب اتخاذ القرارات بشأن السيطرة على الأسطول؛ حيث نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن أحد الوزراء قوله: "كل عملية اتخاذ القرارات في هذه القضية لم تكن صحيحة. فقد قرر رئيس الوزراء إنهاء القضية بينه وبين وزير الدفاع إيهود باراك ولم يتم أي نقاش جدي بشأنها في المجلس المصغر (الكابينيت) أو في المجلس السباعي"، فيما انتقد وزراء آخرون السلوك الذي انتهجته الحكومة في التعامل مع الأسطول على أساس أنه أساء إلى صورة إسرائيل وأضعف من قوة موقفها. كما وجه الإعلام الإسرائيلي انتقادات قوية لهذا السلوك، وأجمع العديد من المراقبين الإسرائيليين على فشل حكومة نتنياهو في التعامل مع هذه القضية، التي أساءت إلى إسرائيل وكبدتها خسائر سياسية ضخمة، وذهب بعضهم إلى حد المطالبة باستقالة وزير الدفاع إيهود باراك من أجل تهدئة الغضب العالمي.

وبينما استمرت انتقادات بعض الأوساط الإسرائيلية لمجموعة "المقررين الأغبياء وللمنساقين وراءهم"، عملت الحكومة على تخفيف شدة احتقان المحتجين ومحاولة تنفيس غضبهم من خلال الدعوة إلى توحيد الصفوف في مواجهة التحديات الخارجية. وكان الهمّ الأول الذي تمحورت حوله التوجهات الإسرائيلية، على امتداد القوس السياسي، يتلخص بكيفية إخراج الرياح من أشرعة الأضرار التي تلحق بإسرائيل، جراء الحماقة التي ارتكبتها حكومة نتنياهو، والتي ارتبطت بثلاثة إخفاقات؛ استخباراتية وعملياتية وسياسية، فضلاً عن التآكل الذي طرأ على مستويات الردع والمكانة الدولية والصورة العالمية لإسرائيل.

على هذه الخلفية أخذت حكومة نتنياهو تسعى إلى الالتفاف على جريمتها، وراحت تبحث عن وسائل للخروج من الورطة التي أُحكمت حولها، واتضح من عرض بعض هذه الوسائل أن هناك استحقاقات ستضطر إسرائيل لدفعها وفق منحيين؛ أحدهما يتعلق بإدارة الصراع مع الفلسطينيين، والآخر يتعلق بالمواقف الدولية. فبعد الطلب الأمريكي والأوروبي بضرورة تخفيف الحصار على قطاع غزة، قدّم نتنياهو لمبعوث الرباعية الدولية "توني بلير"، اقتراحاً يتضمن تشكيل قوة بحرية دولية لمراقبة السفن البحرية المتجهة إلى قطاع غزة، مع احتفاظ إسرائيل بحق الرقابة عليها.

وبتحري دوافع هذا الاقتراح، يتضح أنه من غير المنطقي الحديث عن "نزعة إنسانية" هبطت على عقل نتنياهو؛ فهو يعترف في قرارة نفسه بإخفاق الحصار على القطاع، سواءً من ناحية العجز عن منع دخول السلاح، أو لجهة لجوء مصر إلى فتح معبر رفح، وعقم المراهنة على إسقاط حكومة "حماس"، بل وأكثر من ذلك، تمكّنت "حماس" من توظيف الإخفاق الإسرائيلي في تحقيق إنجاز كبير دون حاجة هذه المرة لأن تطلق الصواريخ على إسرائيل. أما الدافع الفعلي فيتمثل في حقيقة أن نتنياهو يرغب في أن يكون هذا الاقتراح بمنزلة عملية امتصاصية ناجعة، لخفض منسوب الانتقادات الدولية لإسرائيل، عبر تدويل الحصار المفروض على قطاع غزة، مع محاولة تسويق اقتراحه داخلياً، بالادعاء أن الأمر يتعلق بإيجاد دور دولي لإحباط تهريب السلاح، ولإجهاض إمكانية تحويل شواطئ قطاع غزة إلى "موانئ إيرانية" لنقل آلاف الصواريخ إلى "حماس".

وتدرك حكومة نتنياهو أنه بموازاة احتمال تصدّر "حماس وقطاع غزة المحاصر" عناوين مرحلة ما بعد اقتحام الأسطول، ينبغي تهيئة فرصة تتيح معالجة الموضوع الفلسطيني برمته، عبر الضغط باتجاه تعزيز العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وإعطاء جرعة منشطة للمفاوضات غير المباشرة، وهو ما كان ملموساً بإسراع المبعوث الأمريكي جورج ميتشل للقيام بجولته الأخيرة، في اليوم التالي للجريمة الإسرائيلية.

ومن المقدر أن الحسابات الإسرائيلية تنطوي على إجراء تعديلات طفيفة في السياسة المتبعة حيال الفلسطينيين، لتجنيدها دعائياً، دون أن يكون لها تأثير على الخطوط الاستراتيجية الرئيسة للحل بالمواصفات الإسرائيلية المعروفة. ولعل في مقدمة تلك التعديلات؛ إجراء تقليص هامشي لحجم السيطرة الإسرائيلية على الأوضاع الفلسطينية، بتقديم بعض التسهيلات المعيشية، وتخفيف القيود على تنقلات الأفراد وحركة البضائع.. إلخ، انطلاقاً من اعتبار أن مواصلة النهج الإسرائيلي القديم قد تصبح "ضربة مرتدة"، تتلخص بتقوية "حماس" وتعاظم دور "محور إيران – تركيا – سورية – حزب الله – المقاومة الفلسطينية"، واحتمال اشتعال الضفة الغربية، وحتى اشتعال الوسط العربي في إسرائيل.

وعلى الساحة الدولية، لمس الإسرائيليون أن حصار قطاع غزة وإعاقة المساعدات الدولية، يسهمان في زيادة موجة العداء واللاشرعية التي تواجهها في العالم. وكانت العلاقات مع تركيا حالة نموذجية لهذه الموجة؛ حيث أعطت جريمة اقتحام الأسطول تحفيزاً لعملية تصدّع هذه العلاقات، الجارية منذ سنوات، وخاصة إثر العدوان الإسرائيلي (الرصاص المصبوب) على قطاع غزة.

ولم تقف النتائج العملية للجريمة عند ذلك، بل لوحظ أنها أثارت أعصاب أصدقاء إسرائيل وأعدائها، على حد سواء، وأخذت صورة إسرائيل تتغلغل في الوعي العالمي كدولة احتلال وإرهاب وقمع وقرصنة، ويرتكب قادتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتعاظمت المطالبات بإخضاع إسرائيل إلى قواعد القانون الدولي التي تصنّف أعمال القرصنة البحرية بأنها جريمة دولية يعتبر مرتكبها مجرماً ضد الإنسانية يستحق المحاكمة والعقاب ويخضع للاختصاص القضائي الدولي.

كما ظهر امتعاض عربي وعالمي واسع النطاق من سيف "الفيتو" الأمريكي في مجلس الأمن ضد قرار يدين إسرائيل. ومع أنه صدر عن المجلس "بيان"، كان عديم الأسنان، إلا أن هناك مغزى لإشارة هذا البيان إلى أن الوضع في غزة غير قابل للاستمرار، وأن الحل الوحيد القابل للحياة للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يتمثل في اتفاق يتم التفاوض عليه بين الأطراف وويشدد على حل الدولتين. أضف إلى ذلك ارتقاء موقف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون درجة بمطالبته إسرائيل برفع فوري للحصار المفروض على قطاع غزة.

وفي ضوء هذه المستجدات، برز التخوف الإسرائيلي من أن العزلة الدولية التي تحيط بإسرائيل، وحالة نفور إدارة أوباما من تصرفات حكومة نتنياهو، قد تفضيان إلى إلحاق الضرر بمساعي إسرائيل لتجييش القوى الكبرى لفرض عقوبات جديدة على إيران.

أمام هذه التداعيات، وسواها، وجدت حكومة نتنياهو نفسها أمام تحدّ آخر، يتساير مع توجهها في الشأن الفلسطيني، يتعلق بموضوع الموقف من مطالب التحقيق في الاقتحام الدامي للأسطول، ونشأت هنا خيارات عدة، أبرزها؛ الاستجابة لاقتراح واشنطن بإقامة لجنة تحقيق إسرائيلية مستقلة بمشاركة مراقب أمريكي، أو لجنة تحقيق رسمية بإشراف المحكمة الإسرائيلية العليا من شأنها أن تعفي إسرائيل من الحاجة إلى لجنة تحقيق من الأمم المتحدة، أو لجنة تحقيق حكومية بإشراف نتنياهو أو أحد وزرائه لمنع تشكيل لجنة خارجية، أو إجراء تحقيق داخلي في الجيش الإسرائيلي يقتصر على الجوانب العملياتية..  لكن التحدي الأكبر في هذا الصدد يتجلى بتصاعد الدعوات الخارجية لتشكيل لجنة تحقيق دولية، سواء برعاية الأمم المتحدة، أم برعاية أمريكية وبمشاركة إسرائيل وتركيا. وهنا حشدت حكومة نتنياهو كل تعبيرات الرفض، وبدا من تصريحات أقطابها أنها تعيد إنتاج صيغ الغطرسة التي تفرزها الرؤوس الإسرائيلية الساخنة، وأنها تبقي المسألة مفتوحة.

Share