الاعتبارات الإسرائيلية لتبني حل "دولتين لشعبين"

إبراهيم عبدالكريم: الاعتبارات الإسرائيلية لتبني حل "دولتين لشعبين"

  • 14 أبريل 2008

ضمن قائمة التغيرات الجذرية التي سُجّلت خلال العقود الماضية، على مستويي الصورة والوقائع، حدث تحوّل تاريخي نوعي، انغرس في الوعي وفي الخطاب السياسي للإسرائيليين، يتلخص بالانتقال من نفي وجود الشعب الفلسطيني، على نمط موقف رئيسة الوزراء السابقة غولدا مائير، إلى اعتبار قيام الدولة الفلسطينية مطلباً إسرائيلياً.

 وبصرف النظر عن مسألة "الجغرافيا والأمن" المتعلقة بالدولة الفلسطينية المتصورة إسرائيلياً، يجدر التوقف عند التبني الإسرائيلي لهدف قيام الدولة الفلسطينية، كمعطى استراتيجي يُراد من خلاله التحكم بالتفاعلات الصراعية. ومن البديهي أن يكون هذا التبني مستنداً إلى عوامل وحيثيات ترتبط بالمضامين العملية المستندة إلى حسابات علاقات القوى، الحالية والمستقبلية. فكيف تبدو ملامح هذه المسألة؟

 ترى إسرائيل أن قبولها بمبدأ الدولة الفلسطينية، في إطار المناطق الفلسطينية التي احتلتها عام 1967، خياراً مصيرياً يجنّبها الفناء المحتّم، المترتب على ضم هذه المناطق إليها، لكونه يحوّلها من دولة فصل عنصري، بفعل التطور التاريخي، إلى دولة ثنائية القومية أو ديمقراطية، تُترجم فيها أغلبية أعداد الرؤوس العربية (ديمغرافياً) إلى أغلبية لأعداد الأيدي المرفوعة(برلمانياً). ومن هذه النقطة تنبثق الاعتبارات الإسرائيلية لاستباق هذا المصير، عبر الحديث عن أن قيام الدولة الفلسطينية هو "ضرورة إسرائيلية"، قبل أن يكون حاجة للفلسطينيين، وبالتالي تقديم الدولة الفلسطينية كحل يتعلق بالمأزق الإسرائيلي المرتبط بالمشكلة الديمغرافية، إلى جانب كونه ينطوي على حل للمشكلة الفلسطينية.

 وعلى الصعيد الذاتي الإسرائيلي، تبدأ فكرة الدولة الفلسطينية من محاولات تعميم الوعي بخطورة المنحى الذي يتخذه الصراع مع الفلسطينيين على جانبي "الخط الأخضر"، وتتضمن هذه المحاولات طرح بديلين متعارضين أمام الإسرائيليين؛ إذا لم نقبل بدولة فلسطينية، فسنواجه خطر انحلال الدولة الإسرائيلية القائمة بصيغتها الحالية، وإزاء هذا "البديل الرهيب"، ستضطر إسرائيل إلى تقديم تنازلات من أجل ضمان مستقبلها. ومن الملاحظ أن هناك أقلية سياسية وفكرية في إسرائيل تدرك بالكامل معنى نفاذ الرمل في ساعة حل "دولتين لشعبين"، في حال استمرار الوضع الراهن، لهذا تسعى هذه الأقلية إلى رفع صوتها بالتخويف من عامل الزمن، ومن مأساوية عدم استغلال الفرصة المتاحة حالياً، لترسيخ هوية إسرائيل كدولة يهودية قبل فوات الأوان.. كيف؟..

تعدّ طبيعة إسرائيل كدولة "يهودية" موضوعاً إسرائيلياً داخلياً صرفاً، تم تحديد أصوله بقوانين حددت الصلة بين عناصر ثلاثة: الديانة اليهودية؛ والقومية اليهودية؛ ودولة إسرائيل، وتم التركيز على أن كل اعتراف بإسرائيل يعني قبولها حسب تعريفها لنفسها. ولهذه الغاية، تشدد المواجهة الإسرائيلية للمدركات الفلسطينية على إقناع الإسرائيليين بأن العرب يرفضون بالأصل الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، انطلاقاً من قناعات ثلاث؛ الأولى؛ أيديولوجية ونفسية، وتتمثل في ضرورة عدم التسليم بوجود دولة يهودية ضمن منطقة عربية إسلامية. والثانية؛ ترتبط بعدم تنازل العرب عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم. والثالثة؛ تتعلق بالعرب في البلاد، والذين سيترتب على الاعتراف بيهودية الدولة المساس بمكانتهم ومواطنتهم.

 وفي ثنايا ذلك، يتم عرض المسألة المطروحة بأن الهدف العربي-الفلسطيني المركزي هو إقامة دولة على أنقاض دولة إسرائيل، سواء بالإصرار على "حق العودة" أو بالامتناع عن الاعتراف بالهوية اليهودية لإسرائيل. وهناك تقدير إسرائيلي يذهب إلى أن العرب والفلسطينيين يريدون أن يقيموا في البداية دولتهم في أراضى 1967، وبعد ذلك يتركون الأقلية العربية الفلسطينية الكبيرة في دولة إسرائيل، مع اللاجئين الذين يسمح بالدخول إليها، بأن يصبحوا أغلبية، كي يعيدوا في نهاية المطاف تجسيد "فلسطين الكبرى".

 ويحاول هؤلاء البرهنة على أنه في أعقاب فك الارتباط الإسرائيلي عن قطاع غزة، أثبتت سيطرة حماس على القطاع أن المشكلة ليست "الاحتلال"، بل عدم الاستعداد للاعتراف بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية، وأن الفلسطينيين غير معنيين بحل "دولتين لشعبين" على المدى الطويل، وأن خطتهم المرحلية هي جزء من مسيرة طويلة، يكون لهم فيها بين البحر والنهر دولة كاملة (في الضفة والقطاع) ونصف دولة (للعرب الموجودين داخل مناطق الخط الأخضر في ظل السعي لتعريف إسرائيل كـ "دولة لكل مواطنيها")، ويبقى لليهود نصف دولة، بانتظار تحقيق الحلم العربي-الفلسطيني بزوال الدولة الإسرائيلية. وفي التفاصيل، يتحدث تيار واسع في إسرائيل عن أن الطاقة القومية الفلسطينية ستخترق حدودها الصغيرة باتجاه سائر أجزاء فلسطين التاريخية.

 على هذا النحو يجري تشريب الإسرائيليين بالمقولات والمفاهيم والتصورات التي يُراد لها أن تهيئ الأذهان لكيفية الخروج من مأزق "المؤامرة العربية-الفلسطينية"، بكسر رفض الفلسطينيين، والعرب عموماً، للدولة اليهودية، عن طريق مقايضة الدولة الفلسطينية بالحصول على اعترافهم بحق إسرائيل بالوجود. ويتم ضمن هذه المقايضة الجزم بأن إسرائيل لن تستطيع ضمان مستقبلها إلا بالتوصل إلى سلام دائم ينهي الصراع كلياً بين إسرائيل والفلسطينيين بل والمحيط العربي ككل، وإلا فمن المؤكد أن الإسرائيليين سيستيقظون بعد عقود قليلة ليجدوا أنفسهم في صراع عنيف من جديد، لكن هذه المرة، كما وصفوه، على شاكلة أيرلندا الشمالية؛ حيث يقوم تنظيم محلي سري صغير بدعم حركة سياسية في بلد مجاور، بشن هجماته على الدولة المجاورة محاولاً استكمال مرحلة تالية من تحرير الوطن بالقوة، بعد أن كرس المرحلة الأولى منه باتفاق سابق.

 وعلى الصعيد التفاوضي مع الفلسطينيين، يلاحظ المحللون أن المحور الرئيس في طروحات الإسرائيليين يتمثل بشرطٍ، هو الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وبأن إقامة الدولة الفلسطينية ستكون "الحل النهائي" للمطالب الوطنية الفلسطينية، وفق صيغة "دولتين لشعبين". في حين يتحدث الفلسطينيون عن صيغة "دولتين" فقط، ويتخوفون من كلمة "لشعبين"، لكونها تتيح لإسرائيل تمرير توجهاتها برفض حق العودة للاجئين، والعمل على زيادة الضغط لحمل العرب الفلسطينيين فيها على الرحيل.

 وفي ظل وضع كهذا، يعتقد الطرفان، كل على حدة، أن إسرائيل سترتاح من المشكلة الكيانية لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بقيام دولتهم، وستتفرغ لبلورة تفسير خاص تجسده على صعيد العلاقة بينها وبين الأقلية العربية التي تقيم فيها، بقولبة الحالة القائمة في فرنسا وفق المقاسات الإسرائيلية؛ أي فرض هوية الأغلبية على هوية الأقلية، وعدم الاعتراف بمكانة الأقليات القومية داخلها ولا باللغات والثقافات الأخرى. وبالتالي؛ سيساعد الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية في لجوئها إلى أن تفرض لغة واحدة على الجميع "لغة الأغلبية/العبرية"، وأن تلغي التعددية في التعليم، وأن تفرض ثقافة واحدة، هي الإسرائيلية، على جميع السكان، وأن تمنع، كما فعلت فرنسا، تعبيرات الهوية المنفردة (على سبيل المثال؛ الحجاب الإسلامي) في المدارس العامة.

 يفهم من هذا، أن التحول الإسرائيلي نحو القبول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع لم يكن فقط نتيجة حتمية لتعذر القضاء على الكيانية الفلسطينية، بمحتواها المادي والسياسي، وإنما أيضاً للبحث عن علاج للخوف اليهودي المزمن من الآفاق المستقبلية للصراع، على أرضية التعديلات الواعدة في ميزان القوى لصالح الطرف الفلسطيني-العربي.

 ومن الواضح أنه بعد فراغ الإسرائيليين من التسليم بقبول الدولة الفلسطينية، ستنصب الجهود في اتجاه تقزيم هذه الدولة، إلى حد يتم فيه تخليد الحكم الذاتي وتلميعه، مع حصره ضمن حدود "الجدار الفاصل" في الضفة الغربية، وترك الجرح النازف في قطاع غزة مفتوحاً، ليس فقط أمام الحلول الأمنية الدموية الإسرائيلية، وإنما أيضاً أمام السجالات حول الانقلاب وتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن الحالة الراهنة. والمشكلة القائمة بهذه الكيفية، بوجهيها في النطاقين الإسرائيلي والفلسطيني، تتلخص بوجود "عقل مغلق" أو "خارج نطاق التغطية"، يواجه محاولات الاتصال به.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات