الاشتباكات الحدودية بين إسرائيل ولبنان هل تكون مقدمة لحرب شاملة في المنطقة؟

  • 17 أغسطس 2010

كشفت الاشتباكات الحدودية الأخيرة التي وقعت بين الجيش اللبناني وقوات إسرائيلية في بلدة العديسة بجنوب لبنان عن خطورة الموقف، ليس على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية فقط، وإنما على المنطقة بأسرها، وذلك في ضوء ما أوضحته من قابلية الوضع في المنطقة للاشتعال المفاجئ والسريع، وقدرة إسرائيل على خلق الذرائع والمبررات التي يمكن أن توظفها في القيام بعمل عسكري انتقامي ضد لبنان.
وقبل الاستفاضة في تحليل أبعاد الاشتباكات الأخيرة وتداعياتها المحتملة، يتعين أن نتعرف على المشهد على الساحة اللبنانية ورؤية إسرائيل لهذا المشهد لسبر أغوار ما جرى من أحداث خلال الأعوام الأربعة السابقة، والتي توجت بحادث العديسة. فمنذ انتهاء حرب تموز/يوليو 2006، اتسمت ساحة المواجهة اللبنانية- الإسرائيلية بحالة الهدوء النسبي لمسرح الأحداث نتيجة زيادة نشاط قوات "اليونفيل" ودورها في المنطقة الحدودية، وإعادة نشر الجيش اللبناني على الحدود بدلاً من العناصر التابعة لحزب الله اللبناني تطبيقاً للقرار (1701)، وإن لم يمنع ذلك من حدوث توترات حدودية بين فترة وأخرى، ومن ذلك الضربات المحدودة التي وجهتها إسرائيل لبعض المناطق في جنوب لبنان رداً على إطلاق بعض الصواريخ من مصادر مجهولة في هذه المنطقة على شمال إسرائيل.
غير أنه بمقابل حالة الهدوء النسبي على الحدود، اتسمت تطورات الأوضاع داخل البلدين بالسخونة منذ انتهاء حرب العام 2006. ففي إسرائيل خضعت الحكومة لتحقيقات مكثفة بسبب فشلها في تحقيق أهدافها من الحرب على لبنان والخسائر التي مُنيت بها جراء هذه الحرب، قبل أن تستلم حكومة يمينية أكثر تطرفاً بقيادة نتنياهو مقاليد السلطة في إسرائيل، ويزداد الحديث داخل الأوساط الإسرائيلية حول احتمالات شن حرب جديدة على لبنان للقضاء على خطورة حزب الله الذي ينظر إليه باعتباره رأس حربة لإيران في مواجهة إسرائيل. وفي لبنان، كانت الأحداث أكثر سخونة وعنفاً، نتيجة سعي حزب الله إلى زيادة شوكته داخل الحكومة اللبنانية؛ حيث شهدت البلاد أعمال عنف داخلية قوية بعد نزول حزب الله بقواته وعناصره إلى الشارع لفرض إرادته على الحكومة في أيار/مايو2008، قبل أن تشهد البلاد أزمة سياسية معقدة تسببت في تأخير تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة لأشهر عدة، فيما يبدو أنها مقدمة الآن على أزمة أشد خطورة على خلفية القرار الظني المتوقع للمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، والذي سيتهم عناصر من حزب الله بالمسؤولية عن جريمة الاغتيال.
في ظل هذه الأوضاع كانت الاحتمالات، ومازالت، قوية بأن تشهد الجبهة اللبنانية الإسرائيلية حرباً جديدة. فإسرائيل، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني مصدراً لتهديد وجودها تخشى من وجود ذراع لطهران على حدود أراضيها، لأن دخولها في أي حرب مع إيران، وهي مرجحة إلى حد بعيد، سيجعل أمنها وأراضيها في خطر نتيجة امتلاك حزب الله لأسلحة إيرانية قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، لذا فهي قد تكون راغبة أولاً في قطع الذراع الإيرانية قبل الدخول في حرب مع طهران، كما أنها لم تنس بعد إخفاقها في حرب صيف 2006 وتريد رد الاعتبار لنفسها. وبما أن حزب الله أصبح يمثل طرفاً فاعلاً في الحكومة اللبنانية، فإنها استبقت الأحداث بتحميل الحكومة ولبنان الدولة مسؤولية أي أعمال عسكرية يقوم بها الحزب، الذي استمر بدوره في العمل على زيادة قدرته التسليحية بالتعاون مع سورية وإيران.
غير أن الاشتباكات الأخيرة التي تسببت بها القوات الإسرائيلية لم تقع مع عناصر من حزب الله الذي تصفه إسرائيل وبعض الدوائر الغربية بأنه إرهابي، وإنما كانت مع عناصر من الجيش اللبناني الشرعي الذي تصدى لمنع اختراق الأراضي اللبنانية  وتأكيد سيطرته على حدود لبنان راغباً في نفي ادعاء حزب الله عكس ذلك.. ويعني هذا ببساطة أن أية حروب جديدة بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني لن يقف فيها الجيش موقف المحايد مثلما فعل عام 2006، وإنما سيكون طرفاً في المواجهة وسيتحد مع عناصر المقاومة في التصدي لأية اعتداءات جديدة.
والمراقب للأوضاع يكتشف أنه من وقت لآخر تقع مثل هذه الأحداث، وكأنها باتت دورية تخمدها إسرائيل إن أرادت وتشعلها إن أرادت وتذهب بها إلى دائرة أوسع؛ حيث أهدافها الاستراتيجية الداعية لأحكام القبض على أمن المنطقة بأسرها، وأول هذه الأهداف هو الاستمرار في درء كل صور المقاومة فى مهدها وحرمانها حتى من التقاط الأنفاس، وقد شهد العالم إصرار إسرائيل على ذلك من خلال عملية إحراق غزة منذ أقل من عام وما تلاها من خروق حدودية، وما انتهت إليه مذبحة قافلة أسطول الحرية من نتائج من قتل وأسر العديد من النشطاء المدنيين الذين أرادوا كسر الحصار المفروض على القطاع. والثاني هو العمل على تهيئة المنطقة لحرب شاملة ضد إيران وحرمانها من الوصول الي عتبة القوة النووية مع رصد ومتابعة كل مؤيديها أو شركائها في المنطقة وتقليم أظافرهم أولاً بأول!!. أما الهدف الثالث، فيتمثل في ضمان استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة بما يمكنها من فرض هيمنتها على المنظومة الإقليمية.
ويأتي حادث العديسة في إطار هذه الأهداف مجتمعة، وهو ليس الأول ولن يكون الأخير بطبيعة الحال، ولم تخرج إسرائيل فيه عن المألوف وإن اختلفت أهدافها، فهي أرادت، على ما يبدو، وأد كل المحاولات الرامية لإمداد جيش لبنان بالسلاح، سواء من الولايات المتحدة أو فرنسا، ذلك السلاح الذي يراه الغرب ضرورة لدعم كفاءة الجيش ضد تعاظم قوة حزب الله، فيما ترفضه إسرائيل على اعتبار أن أي إضافة لقوة أي دولة بالمنطقة هي إضعاف لقوتها ويشكل تهديداً لأمنها، ولذا لم يكن غريباً أن يسارع مجلس النواب الأمريكي إلى تجميد مساعداته العسكرية للجيش اللبناني بحجة أنه يستخدم السلاح في الاعتداء على إسرائيل!!، وهو موقف سعت طهران لاستغلاله من خلال إعلان استعدادها لتسليح الجيش اللبناني..
ليس غريباً على إسرائيل هذا التناقض في المواقف، فهي كانت تطالب في البداية بتعزيز قوة جيش لبنان ودعمه ليتمكن من فرض وجوده في المنطقة الحدودية مع إسرائيل، والآن ترفض فكرة تسليحه وتضغط من أجل وقف تقديم أي دعم عسكري أو لوجيستي له، فالهدف الإسرائيلي كان واضحاً وهو دعم الجيش ليتصدى لحزب الله، الذي فشلت هي في القضاء عليه، ولكن عندما قام الجيش بواجبه الوطني وتصدي للعدوان الإسرائيلي بات الأمر غير مقبول من وجهة نظر إسرائيل، التي ترغب في امتلاك المبادرة في التدخل السافر في شؤون لبنان دون ردع بناء على قناعة مفادها أنها قادرة على فرص السلام بالقوة!!
لقد كانت الاستفزازات الإسرائيلية الأخيرة على الحدود اللبنانية مخططة بدقة، ليس بهدف التصعيد وإشعال بؤرة انفجار تستدعي عملاً عسكرياً مباشراً وموسعاً، بقدر ما كانت تستهدف تحقيق أهداف تكتيكية تبرر مطالبها وسياساتها تجاه ما يدور على الساحة اللبنانية. أي أن الاستفزاز كان بغرض الابتزاز وتذكرة حزب الله بالهدنة غير الموقعة، والإعلان عن استعداد إسرائيل وجديتها في شن حرب جديدة على لبنان واستدراجه إلى صراع يدخل في إطار التمهيد لحرب شاملة بالمنطقة هدفها الأول هو إيران وليس لبنان!!
غير أن قدرة إسرائيل على الخروج بأهداف تلك العمليات (ونعني بذلك عمليات الاستفزاز المحدودة التي تهدف للتأثير مباشرة على الداخل اللبناني) من المستوى التكتيكي إلى المستوى الاستراتيجي (شن حرب شاملة تستهدف سورية وإيران) يكتنفها العديد من الصعوبات في الوقت الراهن. فمن ناحية لا زالت أصداء الإدانة الدولية للعمليات التي قامت بها إسرائيل في غزة وضد قافلة الحرية تتردد بقوة في أنحاء العالم، معززة قناعة الرأي العام العالمي بأن إسرائيل هي مصدر التهديد الرئيسي لأمن منطقة الشرق الأوسط. ومن ناحية ثانية، يقف الموقف الأمريكي عائقاً أمام أية خطط إسرائيلية لتوسيع نطاق المواجهة العسكرية في المنطقة؛ حيث ترفض واشنطن الدخول في أية مواجهات غير محسوبة خاصة في الوقت الراهن الذي تعاني فيه من أزمة اقتصادية حادة وتواجه صعوبات كبيرة في العراق وأفغانستان. ومن ناحية ثالثة، تدرك إسرائيل أن أي حرب في هذا التوقيت تعنى فقدانها كل صور التأييد التي حظيت بها في حروبها السابقة، بل قد تأتي بنتائج عكسية تماماً. ومع الاعتراف بأهمية هذه الصعوبات، فإن أحداً لا يستطيع أن يجزم باستحالة حدوث الحرب واتساع نطاقها الإقليمي، فأية مواجهات محدودة يمكن أن تقود إلى انفجار ضخم يهدد بإشعال المنطقة بأكملها، ولاسيما في ظل حالة التوتر وانعدام الثقة التي تسود المنطقة حالياً.
لا شك في أن انفجار الموقف على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية يعني أن المنطقة كلها ستصبح عرضة لمواجهة صراع إقليمي واسع ومعقد من شأنه أن يعصف بكل فرص السلام والاستقرار، ومن ثم فالمطلوب هو أن يتحرك المجتمع الدولي من أجل وضع حدٍّ لاستفزازات إسرائيل المتكررة للبنان وغيره من دول المنطقة، لأنه في ظل استمرار هذه الاستفزازات يمكن أن تنطلق شرارة الحرب في أي وقت، وفي هذه الحالة قد يكون من الصعب السيطرة عليها أو منع نيرانها من التمدد الإقليمي.

Share