الاستقطاب الأمريكي-الإيراني لدول الخليج العربية

د. عماد حرب: الاستقطاب الأمريكي-الإيراني لدول الخليج العربية

  • 27 ديسمبر 2007

ثمة منافسة حادة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية حول استقطاب دول الخليج العربية وصفّها استراتيجياً إلى جانب كل منهما في مواجهة الأخرى. فبينما تريد الولايات المتحدة من هذه الدول إقامة تحالف واضح ضد ملالي قم، تريد إيران منها أن تختار الوقوف بجانب جارتها إلى الشرق. وبينما تقدم الأولى الدعم الدبلوماسي والعسكري والمحفزات اللازمة لاستقطاب هذه الدول، تعتمد الثانية على حقائق الجغرافيا وبعض الأفكار الغامضة عن الأمن المشترك. وقد برز هذا التنافس الأمريكي-الإيراني على استقطاب دول الخليج واضحاً خلال الفترة الماضية؛ فخلال مشاركته في "مؤتمر المنامة السنوي حول أمن الخليج" حث وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس دول الخليج على تشكيل جبهة موحدة ضد إيران، وذلك بعد أيام قليلة من مشاركة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في أعمال القمة الأخيرة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في الدوحة، والتي حاول خلالها نجاد تلقين عرب الخليج دروساً عن الإمبريالية الأمريكية وأهمية تعزيز التعاون بين الدول المطلة على الخليج. واللافت في مواقف كلا الطرفين المتنافسين، الولايات المتحدة وإيران، أنهما يحاولان جذب واستقطاب دول الخليج إلى صفهما وحثهما على اتخاذ مواقف محددة، ولكنهما لا يذكران المخاطر التي قد تترتب على تلك المواقف المطلوبة، وهو ما يوضح بشكل كبير أن واشنطن وطهران تقدمان مصالحهما الاستراتيجية في الخليج بغض النظر عن رغبات دوله. ولهذا، يتعين على دول الخليج أن تقيّم مواقف الدولتين المتنافستين حسب رؤيتها هي لمصالحها في الأمن والرخاء والاستقرار طويل الأمد.

وهناك العديد من الأمور المهمة بالنسبة لدول الخليج، والتي يمكن أن تؤثر في نتيجة المباراة؛ فأولاً، تريد هذه الدول التزاماً من الولايات المتحدة بأنها لن تلجأ إلى استعمال القوة بشكل فوري وسريع لحل نزاعاتها مع إيران، كما تريد التزاماً مشابهاً من هذه الأخيرة بأنها لن تعاقبهم لكونهم فقط أصدقاء للولايات المتحدة. وثانياً؛ تبدو هذه الدول قلقة أيضاً من استمرار الفوضى في العراق، وما إذا كانت المحاولات الأمريكية لتطبيق الأمن في بغداد ومناطق العراق الأخرى سيقابلها التزام إيراني بعدم التدخل هناك. ثالثاً، وفيما يتعلق بالصراع العربي?الإسرائيلي والفلسطيني?الإسرائيلي، تتطلع دول الخليج إلى موقف أمريكي مختلف تجاه إسرائيل يعترف بالحقوق العربية والفلسطينية، كما تتطلع أيضاً إلى تخفيف حدة الحماسة الإيرانية لتطرف بعض الفرقاء الفلسطينيين. وأخيراً، تريد دول الخليج من الولايات المتحدة أن تستمر في دعمها لمحاولات اللبنانيين في الاستقلال وتطبيق العملية الدستورية في هذا البلد، في وجه جهود "حزب الله" والمنظمات الأخرى المعارضة، وكلها مدعومة إيرانياً، لإفشال انتخاب رئيس جديد للبنان وإحياء مؤسسات الدولة اللبنانية.

عسكرياً، ثمة شكوك واضحة لدى دول الخليج العربية حول برنامج إيران النووي بالرغم من استنتاجات تقرير المخابرات الوطنية الأمريكية الأخير بشأن تعليق إيران لبرنامجها من الأسلحة النووية. وقد اطمأنت دول الخليج قليلاً من هذا التعليق، ولكن يظل لديها القلق من قدرة إيران على تجديد محاولاتها في هذا الشأن، لاسيما أنها مازالت تتابع خططها لتركيب نحو 50,000 جهاز طرد مركزي تسمح لها بإنتاج ما يكفي من المواد القابلة للانشطار. من جهة أخرى، ثمة مخاوف لدى دول الخليج من احتمال قيام الولايات المتحدة بضرب المنشآت النووية الإيرانية رغم استنتاجات التقرير المذكور. وبين لهجة أحمدي نجاد العدائية وخطاب جورج بوش حول حرب عالمية ثالثة، ترى دول الخليج نفسها دافعة لكلفة محتملة وغير ضرورية لطموحات وحماقة الآخرين.

لقد امتحنت دول الخليج استعداد إيران لاحترام مصالحها في المنطقة ووجدته غير ملائم. وأهم القضايا والمصالح، التي تحتاج لتغيير المسار الإيراني بشأنها، هي حل مسألة الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى)، التي تحتلها إيران منذ عام 1971. ففي خطابه أمام قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخيرة وفي محادثاته الثنائية مع دول المجلس، تجاهل الرئيس الإيراني المقترحات الخليجية حول التفاوض والتحكيم لتسوية قضية الجزر، وتصرف وكأنه لا توجد مشكلة. أما الولايات المتحدة، فلم تجعل من مسألة تحرير الجزر الإماراتية مبدأ مهماً من مبادئ سياستها الخارجية مع دول الخليج أو مع إيران، مما ترك دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الأخرى بدون دعم قوي في هذا الشأن، في الوقت الذي تستمر فيه واشنطن بمطالبة هذه الدول بالالتزام بالأجندة الأمريكية في المنطقة.

ومن الناحية الاقتصادية، تفهم دول الخليج بشكل كامل تبعات قطع إمدادات النفط عبر مضيق هرمز إذا حاولت إيران إغلاقه لأي سبب، وهو عمل سيعطي الولايات المتحدة سبباً وجيهاً للحرب. فأكثر من عشرين مليون برميل من النفط تمر يومياً من المضيق وتشكل ركيزة أساسية لاقتصاد عالمي يتربع على رأس هرمه الاقتصاد الأمريكي. ورغم أنها ستكون حماقة كبيرة إذا قررت الحكومة الإيرانية إغلاق المضيق، فإن دول الخليج لا تثق في ألا يكون حكام واشنطن بنفس القدر من قصر النظر، وتخشى أن يقوموا بعمليات عدائية تكون بداية مواجهة طويلة في المنطقة. ولهذا تفضل دول الخليج أن تكون هي حَكَم السلام في أية نزاعات في الخليج، وإلا فستعهد باقتصاداتها لمتخاصمَين على نفس القدر من الأيديولوجية، وكل يلعب لعبته الصفرية برخائها.

 وهناك بالطبع أولئك الذين يقولون إن الولايات المتحدة قد برهنت خلال السنوات الطويلة الماضية أنها قادرة وراغبة في تأمين الإطار الضروري لأمن دول الخليج. ومنذ بضعة أشهر فقط أعلنت واشنطن أنها ستزود دول المنطقة بعشرين مليار دولار من المعدات العسكرية خلال السنوات العشر القادمة، وهي لديها مظلة أمنية جاهزة في الخليج لمواجهة أية تحديات إيرانية محتملة. في المقابل، هناك من يعترض ويقول إن إيران لا تشكل تهديداً، وأن على دول الخليج أن تنسق أمنها مع طهران. وهؤلاء يدعمون قولهم بالإشارة إلى أن إيران تستفيد من موانئ الخليج لتجنب العقوبات الدولية عليها ولن تقوم بأي شيء يهدد الوضع الحالي.

وبينما يمكن الدفاع عن أي من هذين الموقفين بشدة، يبقى الأمر أن دول الخليج خاب أملها، بدرجات متفاوتة، من التصرفين الأمريكي والإيراني على حد سواء. فالولايات المتحدة لا تزال تهدد إيران بالهجمات الحربية التي يمكن أن تمتد إلى أصقاع المنطقة كلها وتؤذي مصالح الجميع. كما أنها لا تزال تتجاهل رغبات دول الخليج العربية في التوصل إلى حل سلمي وعادل للقضية الفلسطينية. من جهة أخرى، تظهر إيران دائماً وكأنها تسعى إلى السيطرة الكاملة على الخليج، وتتصرف بعنجهية في قضية الجزر المحتلة، وتتشدد فيما يتعلق بملفها النووي، الذي يمكن معالجته بسهولة وبعيداً عن أي مواجهات حادة إذا أرادت ذلك. كما أنها مازالت تتدخل في كثير من قضايا المنطقة، مثل السياسة اللبنانية والأوضاع الفلسطينية وغيرها. ولذا يتعين على دول الخليج العربية أن تبقى منتبهة لمصالحها الوطنية وأن تقيّم علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران حسب درجة احترام الاثنتين لمصالحها الموضوعية في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات