الاستفتاء على الدستور يضع العراق أمام خيارات صعبة

د. مصطفى علوي: الاستفتاء على الدستور يضع العراق أمام خيارات صعبة

  • 17 أكتوبر 2005

عهد العراق بالدستور غائم ومضطرب. فقد ظل العراق يتقلب بين الدساتير المؤقتة المبنية على الانقلابات منذ استقلاله، وكانت تلك الدساتير المطبقة، أو غير المطبقة، مُكرسة حكم الفرد والقيم الدكتاتورية. وقد ترافق ذلك الاضطراب الدستوري مع مصادمات وحروب خاضها العراق وإن اختلفت أطرافها وأهدافها، وذلك منذ عام 1980 على أقل تقدير.

 ومطروح على العراق الآن دستور جديد يقوم، من حيث الصياغة، على قيم ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وإعادة صياغة المجتمع السياسي العراقي على نحو يخلصه من تراث طغيان حكم الفرد والدكتاتورية. والسؤال المطروح الآن يتمثل فيما إذا كان مشروع الدستور العراقي الجديد سينجح في ترجمة تلك المفاهيم والقيم على أرض الواقع وعلى نحو يخلص العراق، عند نقطة ما في المستقبل، من كابوس الحرب، الذي ظل جاثماً على صدره طوال عقود.

 والملاحظة الأولى هنا هي أن مشروع الدستور العراقي الجديد الذي طُرح للاستفتاء الشعبي عليه في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005، قد أعُد والحرب ما تزال مستمرة في العراق، وقوات الاحتلال ما تزال موجودة، والنفوذ السياسي الأمريكي في شأن إعداد الدستور بادٍ للعيان. والدليل على ذلك أن زلماي خليل زادة السفير الأمريكي بالعراق لعب دوراً محورياً في عملية تعديل بعض نصوص الدستور، حتى يمكن الحصول على موافقة العرب السنة عليه، وبخاصة النص المتعلق بهوية العراق. وقد تم تعديل هذا النص من "عرب العراق جزء من الشعب العربي"، إلى "العراق عضو مؤسس للجامعة العربية وملتزم بميثاقها". وبغض النظر عن أن ذلك التعديل المقترح لن يؤدي، في رأينا، إلى إقرار صريح بالهوية العربية للعراق، فإن حقيقة أن الدور الكبير في عمل ذلك التعديل، والاتصال بالأكراد لإقناعهم بقبوله، تم من جانب السفير الأمريكي الحالي لدى العراق، تشير إلى أن عملية ولادة ذلك الدستور العراقي الجديد تتم بمشاركة الاحتلال الأمريكي أو برعايته. ومعنى ذلك أن بعضاً من المفاهيم أو الأفكار التي يبنى عليها ذلك الدستور هو نتاج الفكر والخبرة السياسية الأمريكية، أو انعكاس لما تريده الولايات المتحدة أو تخطط له في العراق، وليس بالضرورة انعكاساً لاحتياجات العراق وأهدافه المستقبلية. وينطبق ذلك على التدخل الأمريكي لتعديل نص مشروع الدستور العراقي الذي يتعلق باستئصال "البعثية" ليصبح استئصالاً "للصدامية"، وذلك في محاولة للحصول على قبول العرب السنة لذلك المشروع.

 ولعل أخطر ما في مشروع الدستور العراقي أنه يترجم الواقع السياسي الجديد الذي نشأ عن الغزو ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، وهو واقع يقوم على التمييز ضد العرب السنة والعجز عن دمجهم في الكيان السياسي للعراق الجديد الذي يسعى الدستور إلى خلقه. يتضح ذلك في النص المتعلق بالحديث عن تحديد هوية العراق وعدم ربطه بأمته العربية، وفي النص الذي يتحدث عن اجتثاث "البعثية" أو حتى "الصدامية"، وكلاهما يعبر بدرجة أو أخرى عن التراث العربي السني الذي دانت له السيطرة سياسياً وثقافياً في العراق، ليس فقط منذ الاستقلال في العصر الحديث، وإنما أيضاً منذ العصور الوسطى وما بعدها.

 إن الجزء الأكبر من أعمال العنف والإرهاب والحرب التي تدور في العراق منذ سقوطه تحت الاحتلال الأمريكي في أبريل/نيسان 2003، يعود في الأساس إلى رفض القوى السياسية التي يراد عزلها أو إبعادها عن العملية السياسية واتخاذ القرار. ورغم أن تلك القوى يطلب منها المشاركة في العمليات السياسية الدائرة بالعراق، فإنها تدرك أن تلك المطالبة غرضها تمرير المشروع الذي يسعى إلى إقصائها سياسياً، ومن ثم لا تجد هذه القوى، التي ارتبط البعض منها بمرحلة وتراث العرب السنة سياسياً في البلاد، أمامها سوى الاستخدام المستمر والواسع والكثيف للقوة أو العنف أو الإرهاب تعبيراً عن رفضها لهذا المشروع.

 ولا يقف مشروع الدستور العراقي في تحيزه ضد العرب السنة عند حدود النصين السابق الإشارة إليهما، ولكنه يمتد إلى نصوص أخرى تتعلق بطبيعة الفيدرالية المنتواة في العراق، أو طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية الاتحادية في العاصمة بغداد وبين حكومات الأقاليم من ناحية، والمحافطات التي تتمتع بلامركزية إدارية واسعة من ناحية أخرى. ورغم أن الفيدرالية في ذاتها ليست مرفوضة، بل إنها تتناسب، نظرياً، مع طبيعة التركيبة العرقية- الطائفية للمجتمع العراقي، فإن عدم التواصل وعدم الاندماج تاريخياً بين الجماعات العرقية والطائفية، أنتج انعزال كل جماعة في أحد أقاليم الدولة العراقية، التي اختلفت فيما بينها في طبيعتها الطبوغرافية ومواردها الاقتصادية. كما تكرس هذا الانعزال أيضاً باستخدام "المركز" العراقي العنف المفرط ضد أطراف الدولة في الشمال والجنوب والجماعات المقيمة فيها. ولذلك، فثمة مخاوف حقيقية من أن تكون الفيدرالية التي ستقوم في العراق مختلفة عن نماذجها الناجحة في الولايات المتحدة أو ألمانيا أو غيرهما من الدول التي لم تعرف المشكلات ذاتها التي توجد في العراق، وقد تحول دون نجاح الفيدرالية فيه. وتزداد احتمالات فشل تطبيق الفيدرالية في العراق على ضوء ما يحويه مشروع الدستور من نصوص غير واضحة وأخرى قد تكون مغرضة، تتعلق بطريقة قيام "الأقاليم الفيدرالية"، أو بطريقة توزيع الموارد التي تتوافر للدولة الفيدرالية أو الاتحادية فيما بينها وبين الأقاليم والمحافظات، بموجب معايير أقل ما توصف به أنها غامضة، ويمكن أن تثير مشكلات في التطبيق، تؤدي إلى مزيد من الانقسامات، التي قد تهدد وحدة المجتمع العراقي.

 ومن ناحية أخرى، فإن مشروع الدستور العراقي قد عني بالنص على حق الأقاليم في إنشاء قوة أمن وشرطة وحرس وطني خاص بكل منها، ولم يتحدث بوضوح في شأن القوات المسلحة الاتحادية، والمعروف أن عملية إنشاء قوة الأمن العراقية، وكذلك الجيش العراقي، ما تزال تواجه صعوبات وتحديات جوهرية. فمن ناحية، نجد أن الولايات المتحدة مترددة في شأن حجم كل من هاتين القوتين وتسليحهما، وذلك لعدم اطمئنانها الكامل إليهما إذا ما بلغتا، حجماً وتسليحاً، حداً من القوة والقدرة على الحركة المستقلة قد يسمح بتهديد نفوذ وسيطرة القوات متعددة الجنسيات (والتي تمثل القوات الأمريكية قيادتها والجزء الأكبر منها). وذلك يعني استمرار ضعف القوات العراقية، وعدم قدرتها على ضبط حركة الشارع العراقي أو تحقيق الأمن والاستقرار فيه. فإذا أضفنا إلى ذلك الطابع الطائفي، أو على الأقل ضعف الانتماء الوطني العراقي كمحرك أساسى لتلك القوات العراقية، لأدركنا حجم وطبيعة المشكلة التي تمثلها تلك القوات في إطار عملية إعادة بناء الدولة العراقية المتعسرة. وتعني كل تلك التعقيدات أن هذه القوات، وهي في حال من الضعف، ستظل هدفاً لعمليات العنف والإرهاب في العراق، والأخطر من ذلك أن هذه القوات يمكن، كاحتمال لا ينبغي إغفاله، أن تكون طرفاً مشاركاً في حرب أهلية بين طوائف العراق وأعراقه المختلفة في المستقبل.

 يضاف إلى ذلك أن نتائج الاستفتاء على الدستور يمكن أن تكون مشكلة في حد ذاتها، تعمق الانقسام وتزيد من إمكانية التصاعد في أعمال العنف والإرهاب والحرب. فإذا ما رفضت المحافظات الثلاث ذات الأغلبية العربية السنية (الأنبار، ونينوى، وصلاح الدين) مشروع الدستور، بأغلبية ثلثي سكانها، سقط هذا المشروع، ودخل العراق في دوامة تعمق الانقسامات، وأصبح مطلوباً إعادة أو تكرار العملية الطويلة والصعبة ذاته الرامية إلى إعداد مشروع جديد آخر للدستور العراقي. وإذا لم تتحقق تلك الأغلبية المطلوبة لرفض المشروع في المحافظات الثلاث ذات الأغلبية السنية، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج لا تقل في صعوبتها أو كارثيتها عن النتائج التي تترتب على رفض مشروع الدستور وإسقاطه، إذ سيزيد اتجاه العرب السنة إلى الانعزال والعمل العنيف العسكري ضد كل "المشروع" الذي يمثله ذلك الدستور الجديد. وفي كل الأحوال، فإن العراق مقبل على أيام صعبة وخطيرة، تحتاج إلى أقصى درجات الحذر والفطنة من جانب كل فعالياته السياسية، وقبل ذلك من جانب القوة الأمريكية التي أثبتت أنها كانت في العراق دوماًُ قوة غاشمة بالأساس.

Share