الاستغلال الإسرائيلي لموجة الإرهاب في فرنسا وأوروبا

الاستغلال الإسرائيلي لموجة الإرهاب في فرنسا وأوروبا

  • 22 ديسمبر 2015

اتساقاً مع التوجّهات النمطية الإسرائيلية بشأن استغلال الظروف والأحداث، تعمّدت إسرائيل الدخول على خط التفاعلات المرتبطة بموجة الإرهاب الأخيرة التي شهدتها فرنسا وأوروبا. ولدى متابعة مفردات سلوك إسرائيل في هذا المنحى، يتبين أنها أرادت تحقيق حزمة متكاملة من الأغراض والأهداف، الاستراتيجية والدبلوماسية والمصلحية، وتوظيفها صراعياً ضد الفلسطينيين ومحيطهم العربي والإسلامي.

انطلق الموقف الإسرائيلي العام من نهج تقليدي يقوم على الارتباط مع الغرب أيديولوجياً ووظيفياً، ومن مقولة يفهمها الأوروبيون جيداً حول "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وخبرتها في الحرب ضد الإرهاب، وقدرتها على التعاون معهم.

ففي الصيغ المباشرة، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى الاتصال هاتفياً بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، فور اندلاع نيران الإرهاب في باريس (13/11/2015)، وأعرب له عن "تضامن إسرائيل مع فرنسا في محاربتها للإرهاب الذي يمارسه التطرف الإسلامي".

وفي تصريحاته المتعددة، كرر نتنياهو الحديث بصيغ متقاربة عن "وحوش مفترسة"، وعن "حيوانات تحمل اسم التطرف الإسلامي"، وأن "الإرهاب يهاجم إسرائيل ودولاً أخرى، وهو يريد أن يدمرنا". وطرح نتنياهو معادلة بسيطة، مُغرضة، هي؛ "كما ندين نحن عمليات القتل التي ترتكب في أنحاء العالم، يجب أن تكون هناك إدانات لعمليات قتل تستهدف إسرائيليين، ومن لا يفعل ذلك فإنه منافق وأعمى"!.

وعلى المنوالية ذاتها، صدرت تصريحات لغالبية كبار المسؤولين في الأطر السياسية والحزبية والأمنية. وبرز حرص على إشراك الشارع الإسرائيلي، عبر تظاهرة تضامنية مع فرنسا في تل أبيب، يوم (14/11/2015)، وتسليط الكاميرات على الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز وهو يقول: "يا أشقاءنا الفرنسيين، نحن نشارككم حزنكم الجلل.. حربكم هي حربنا.. القيم التي ترفعونها هي القيم ذاتها التي نرفعها..".

ولدى توصيف الحالة، إسرائيلياً، كان ثمة تركيز على أن ما جرى هو أسوأ حدث إرهابي عرفته فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نفّذه مسلمون (لاحظوا!!)، من فرنسا وبلجيكا، وربما مهاجرون جدد جاؤوا إلى أوروبا. وتم وصف الحدث بأنه بالنسبة إلى فرنسا وأوروبا يعادل عمليات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.

توحي هذه المقارنة بإمكانية استنساخ عملية تدمير العراق، جرّاء انتساب الرعاع الإرهابيين إلى الإسلام، الذي يصوّره الإسرائيليون أنه أعلن حرباً مقدسة على الآخرين، وأن التحريض يصدر من المساجد وليس من الكُنُس والمؤسسات اليهودية، وأن الهدف الأسمى للمسلمين هو احتلال أوروبا، والطريقة التي اختارها تنظيم "داعش" تمهيداً لذلك هي زرع الرعب بواسطة العمليات الاستعراضية.

في ثنايا الشحن الإسرائيلي، تكمن آلية واضحة لتعميق الاستقطاب في المجتمعات الأوروبية، حيث دأب سياسيون ومثقفون إسرائيليون، على تمجيد حركات اليمين في أوروبا التي خطّت على رايتها الكفاح ضد المهاجرين المسلمين، لكونهم "يشكلون خطراً أمنياً كبيراً وسيمسّون بالهوية الثقافية للدول القومية الأوروبية". وخلال تعميق الاستقطاب في أوروبا، يتوخى الإسرائيليون إلهاء حكوماتها عن الانشغال بموضوعات النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.. وفي الذاكرة مرات لا تحصى طالبوا فيها حكومات أوروبا بالاهتمام بمشكلاتها والكف عن وضع إسرائيل في دائرة الاتهام والإدانة.

ونحن نرصد طبيعة الموقف الإسرائيلي ومراميه، تستوقفنا نقطة مهمة، تتلخص في أنه بين كل النيران التي انزلقت من سوريا باتجاه المجال الإسرائيلي، لم تُطلق أي رصاصة على إسرائيل من قبل "داعش". كما لم يتعرض أي هدف إسرائيلي أو يهودي في العالم إلى هجوم داعشي. ومع ذلك تصرّ إسرائيل على اصطناع علاقة قسرية بين ما يهدد أوروبا وما يهدد إسرائيل. وقد حشد الإسرائيليون كمّاً هائلاً من الجزئيات لهذا الغرض، بذريعة أن دور إسرائيل واليهود سيأتي في إرهاب "داعش".
بانتظار الوصول الافتراضي لهذا الدور، استُحضِرت عشرات الحوادث المصنّفة تحت "الإرهاب الإسلامي"، و"معاداة السامية"، التي استهدفت اليهود ومؤسساتهم في أوروبا، مع تجاهل حقيقة أن الإرهاب الأخير في فرنسا لم يشملهم. وكان من أبرز دوافع ذلك؛ إقناع اليهود الأوروبيين بالهجرة إلى إسرائيل، التي يتم وصفها بأنها "بلد الأمن والأمان من الإرهاب الإسلامي". وفي الوقت ذاته، لوحظ أن الاستغلال الإسرائيلي لموجة الإرهاب أخذ يسير وفق محاور عدة.

في الشأن الاستخباراتي؛ صرّح نتنياهو بعد هجمات باريس بأنه أوعز إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية بتقديم أي مساعدة ممكنة إلى نظيراتها في فرنسا وفي دول أوروبية أخرى. وتأكيده أن "إسرائيل تمتلك معلومات استخباراتية وأنها ليست طرفاً هامشياً في هذا المجال، وتتشارك بالمعلومات المتوافرة لديها مع فرنسا وسواها، كجزء مهم من التعاون ضد الإرهاب الداعشي والإرهاب الإسلامي كله".

وتواترت تقارير يستشف منها أن إسرائيل تسوّق ذاتها بأنها الدولة الأكثر امتلاكاً للمواد الاستخباراتية حول الإرهاب. وأسهبت تلك التقارير في النقل عن مصادر أمنية بأن أجهزة المخابرات الإسرائيلية تساعد فرنسا في التحقيقات، وأنها قدمت معلومات سرية للدول التي تتعرّض لهجمات إرهابية، وأن هذه الأجهزة تحذّر من أن تركيا تشكل نقطة اختراق أمنية خطيرة لأوروبا، ولدى إسرائيل معلومات بأن تنظيم "داعش" ينوي تنفيذ عمليات أخرى في أوروبا، كما أن لديها معلومات عن "الذئاب المنفردة" النائمة أو المتحفزة.

ولم تنس الدعاية الإسرائيلية أن تطرح إسرائيل كدولة رائدة في مجال "السايبر"، وتمتلك تقنيات من شأنها إحباط العمليات الإرهابية وهي في مرحلتها التخطيطية، ولعل هذا ما أسهم في اعتزام حكومة لوكسمبورج عقد صفقة مع إسرائيل في هذا المجال.

في موضوع العزل الأوروبي لمنتجات المستوطنات (بترميزها)؛ حاولت الدعاية والدبلوماسية الإسرائيلية أن تظهر أن ترميز بضائع "ضحايا الإرهاب" يمثل مكافأة لأولئك الذين يقومون هذه الأيام بتنفيذ عمليات طعن بحق اليهود! وتم استغلال إطلاق النار في المسرح الفرنسي الذي قدمت فيه فرقة "إيجيلز أوف ديث ميتال" عرضاً وقتل أحد أفرادها. إذ بثت التلفزة الإسرائيلية عرضاً للفرقة في تل أبيب، يتحدث فيه مغني الفرقة جيسي يوز، وهو يَشتُم الذين ضغطوا عليه لإلغاء العرض في إسرائيل ولمقاطعتها ثقافياً وفنياً، وذلك لامتطاء حالة التعاطف مع عضو الفرقة القتيل؛ لبث رسائل بعدم مقاطعة إسرائيل.

وتشددت إسرائيل ضد أي حديث عن الصلة بين عوامل التطرف والمعاناة الفلسطينية، فرفضت تصريحات حول ذلك لوزيرة الخارجية السويدية، مارغوت وولستروم، وشجبت تصريحاً لسفير الاتحاد الأوروبي لديها أكد فيه وجوب التمييز بين الإرهاب الذي يمارسه تنظيم "داعش" وما يقوم به الفلسطينيون في المناطق المحتلة.

تعبّر هذه التصرفات، وأمثالها، عن ركوب إسرائيل موجة الإرهاب الداعشي في أوروبا؛ بهدف "تبييض الاحتلال"، وتحويله إلى "مكافحة الإرهاب". وكمثال، سلّط الإسرائيليون الضوء على إعلان فرنسا قوانين الطوارئ التي تشمل الاعتقالات الإدارية والتفتيش الليلي وتقييد حرية الحركة، وشبهوها بالخطوات التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين، التي قوبلت بانتقادات فرنسية "منافقة" (كذا).؟.. وأكثر من هذا، رأى بعضهم أن "هجوم باريس يجب أن يكون مظلة سياسية لإسرائيل للقيام بعملية عسكرية واسعة النطاق" على الفلسطينيين.

وعلى خط موازٍ، ظهر أن إسرائيل تسعى إلى تأليب الأوروبيين ضد حركة "حماس" وحكمها في قطاع غزة؛ لدفعهم إلى قطع الحوار الذي دشنوه معها، عبر الربط الإسرائيلي بينها وبين "داعش". ولإسباغ "مصداقية" على ذلك، سرّبت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تقارير تفصيلية عما سمته وجود "تعاون عسكري واستراتيجي" بين التنظيمين، في سيناء.

وعلى طريقة "ضرب عصفورين بحجر واحد"، أشاروا في الأوساط الإسرائيلية إلى مفارقة واضحة بشأن التعاون بين "حماس" و"داعش"، تتمثل في أن أغلبية تمويل الذراع العسكرية لـ"حماس" تصل من إيران التي تدير حرباً صارمة ضد "داعش" في سوريا والعراق، بينما في المقابل، تقوم إيران بتمويل نشاط "داعش" في سيناء بواسطة "حماس".. ولم يكتف الإسرائيليون بهذا، بل واصلوا التذكير بأن إيران وحزب الله نفّذا عمليات إرهاب على مر السنين قتلت عدداً كبيراً من الضحايا الأوروبيين والأمريكيين، وطبعاً الإسرائيليين.

وزجّت إسرائيل حتى باسم السلطة الفلسطينية، برغم التنسيق الأمني معها، في دعم الإرهاب، عبر اتهام قيادة السلطة بالتحريض ضد إسرائيل وتحويل الأموال إلى عائلات "الإرهابيين" القتلى أو المسجونين، وعناقها لقتلة اليهود، وتسمية منشآت بأسماء هؤلاء القتلة. والهدف الإسرائيلي من ذلك بالطبع هو محاولة ثني الأوروبيين عن التعاطف مع الفلسطينيين، والضغط على السلطة الفلسطينية، وحرمانها من الدعم الدولي، لدفعها للعمل بتطابق تام مع الأجندة الإسرائيلية.

وفي مجال الداخل الفلسطيني، ضمن سياق تشديد القبضة الحديدية حيال العرب، وحرمان نضالهم من الشرعية، اتخذت حكومة إسرائيل من هجمات باريس غطاء لتبرير الإجراءات المرتبطة بقرارها حظر الجناح الشمالي للحركة الإسلامية في البلاد؛ بذريعة أن هذا الجناح يعمل بقيادة الشيخ رائد صلاح على تقويض أسس الدولة الإسرائيلية ويقيم علاقات وطيدة مع حركة "حماس" الإرهابية، ويتماهى مع "داعش" بالسعي إلى إقامة خلافة إسلامية. ولاستجرار استجابة تتفهم أو تؤيد تلك الإجراءات، على غرار السلوك الفرنسي، تم تضخيم حالات انضمام بعض الأفراد إلى تنظيم "داعش"، أو تأييده، وتصوير هذه الحالات بأنها "ظاهرة" متفشية بين العرب في البلاد.

إننا ونحن نعالج هذه المسائل نجد أنفسنا مدعوّين لتوضيح أن الحُكْم على الأداء الإسرائيلي فيها لا يقوم على شيطنته، ولا هو افتراء عليه، بل يتعلق الأمر بمتابعته، التي ربما تدفع للذهول من القدرة الإسرائيلية الفائقة على استغلال موجة الإرهاب الجديدة في أوروبا، بصرف النظر عن تأثيرها في تبديل الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات