الاستغلال الإسرائيلي لمأساة اللاجئين السوريين

إبراهيم عبدالكريم: الاستغلال الإسرائيلي لمأساة اللاجئين السوريين

  • 22 سبتمبر 2015

دَرَجت الصهيونية وإسرائيل على انتهاج "نمط تقليدي" في التوجهات الاستراتيجية، يقوم على استغلال الظروف والأحداث، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على نحو يعبّر عن قدرات فائقة، تؤدي وظائف لما يسمى "الأمن القومي الإسرائيلي"، بمختلف مضامينه المختلفة. وتنتمي إلى ذلك النمط الحالة المطروحة هنا، المتمثلة في استغلال مأساة اللاجئين السوريين (والعراقيين وسواهم).

في هذه الحالة، يلاحظ المتابع للشأن الإسرائيلي أن الإجراءات والتصريحات والتقارير والتحليلات اهتمت بهذه المأساة من مختلف جوانبها، وتم تكييف تناولها اتساقاً مع المفاهيم والمصالح والأهداف الإسرائيلية، على أمل أن يسفر الأمر عن زيادة رصيد إسرائيل في مختلف الميادين.. كيف؟

دعائياً؛ عمدت إسرائيل إلى ربط مأساة اللاجئين السوريين بقضية استدعتها من الذاكرة، وهي ضائقة اللاجئين اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، وما يسمى "المحرقة = شوآه". وركّزت على أن طالبي اللجوء ينظّمون "مسيرات الحياة" إلى ألمانيا المكان الذي شهد "مسيرات الموت" لليهود. ومما كان في هذا الصدد أن استحضرت الدعاية الإسرائيلية مقابل "النساء اللاجئات المحجبات اللواتي يحاولن بكل قواهن الخائرة إنقاذ عائلاتهن" صورة "الجدات اليهوديات اللواتي عصبن رؤوسهن، مكافحات من أجل البقاء على قيد الحياة خلال المحرقة"، وهي صورة وصفت بأنها "لا تُمحى من الذاكرة الجماعية اليهودية" (داني غوتفاين، أستاذ التاريخ في جامعة حيفا).

والتقطت الدعاية الإسرائيلية مشهد قيام الشرطة التشيكية والهنغارية بوضع الأرقام على سواعد اللاجئين،  لتعيد إلى الأذهان ما كانت تفعله السلطات النازية مع اليهود. وكتعبير عن احتكار المعاناة، احتجّت إسرائيل على تجميع اللاجئين في معسكر بوخنفالد النازي الذي استخدم لاعتقال اليهود، وابتزت تصريحاً ألمانياً رسمياً باستعمال هذا المعسكر مؤقتاً حتى إيجاد مكان آخر. واعتبرت الأوساط السياسية الإسرائيلية أن على ألمانيا اقتناص الفرصة لتصبح "دولة طبيعية"، ومواصلة التنكر للعهد الأكثر ظلامية وبربرية من ماضيها، وتصعيد القيم التي انتهكتها وقضت عليها خلال "الهولوكوست"؛ أي بالترجمة العملية زيادة الدعم لإسرائيل.

على صلة بهذا البعد الدعائي، طرحت إسرائيل نفسها، عبر قياس مصطنع، بأنها "نموذج لدولة لاجئين"، سواء في عمليات استيعاب موجات الهجرة اليهودية المتعاقبة، أو في حماية الحدود. وكمثال، للمقارنة؛ قيل إن إسرائيل استقبلت نحو مليون مهاجر يهودي من الاتحاد السوفيتي سابقاً؛ أي نحو 15% من مجمل تعدادها السكاني، في حين أن عدد اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا من سوريا والعراق وغيرهما لا يتجاوز واحداً بالألف من مجمل سكان دول الاتحاد الأوروبي. وفي سياق ذي صلة، برز نوع من التغني الإسرائيلي بسعي دول أوروبية، وخاصة هنغاريا وبلغاريا، لإقامة سياج أمني على طول حدودها، بأنه استنساخ تجربة "أزرق- أبيض"؛ أي مماثل للسياج الأمني الذي أقامته إسرائيل على حدودها مع مصر لمواجهة أزمة اللاجئين (المتسللين الأفارقة). وجرى اعتبار "التعلم من إسرائيل" في بناء السياج تطبيقاً لمقولة "تكونون نوراً للأغيار".

وفي المجال الأمني، تعمّدت إسرائيل استغلال أزمة اللاجئين في أوروبا لتسويق أجهزة استخباراتية للدول المعنية بمتابعة وملاحقة اللاجئين على حدودها. وحسب تقرير انفردت به صحيفة "هآرتس" (8/9) ادّعت شركات الأسلحة الإسرائيلية أن هذه الأزمة زادت طلب الدول الأوروبية لأجهزة الرصد والأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، حيث تعتبر إسرائيل دولة رائدة في العالم بصناعة الطائرات من دون طيار (وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام – سيبري). وذكر التقرير ذاته أن البرلمان السويسري صدق على شراء ست طائرات من دون طيار من طراز "هيرمس 900" من إنتاج شركة "إلبيت" الإسرائيلية، قيمتها نحو 256 مليون دولار. ومع أن التقرير يقف عند هذا الحد، فإنه من المرجح أن يكون الموضوع الأمني حاضراً في التنسيق بين إسرائيل والدول الأوروبية، من حيث تبادل المعلومات المتعلقة باللاجئين، لأغراض تهم الطرفين.

وارتباطاً بالتغيرات التي ستترتب على موجات اللاجئين إلى أوروبا، عُنيت الأوساط البحثية الإسرائيلية بمتابعة التطورات المستقبلية المتوقعة، التي قد تكون بمنزلة "تسونامي" سيغير أوروبا ديمغرافياً وسياسياً (حسب تعبير أرنون سوفير، البروفيسور في جامعة حيفا). وجرى الحديث عن تطورين مترابطين، سيكون لهما تأثير على إسرائيل، الأمر الذي يستدعي الاستعداد لمواجهتهما، هما:

– التطور الأول، ينطوي على احتمال أن يؤدي تدفق المسلمين إلى تغيير سياسة أوروبا تجاه إسرائيل، في ظل تنامي المظاهرات ضد إسرائيل ومقاطعة بضائع المستوطنات (د. شاحف مزين/ مركز الدراسات الأكاديمية أور يهودا)، وحدوث ارتفاع كبير في التأييد لأحزاب اليمين المتطرف، وتفاقم اللاسامية الغربية الكلاسيكية ضد الجاليات اليهودية في دول الاتحاد الأوروبي (د. إفرايم هرارا/ مستشرق باحث في الشؤون الإسلامية والشرق أوسطية).

– التطور الثاني، سيكون نتيجة لما سبق، حيث ستتعزز القناعة لدى اليهود الذين يعيشون في أوروبا بأن مكانهم ليس هناك (د. شاحف مزين). وإذا قرر عدد كبير من هؤلاء الهجرة إلى إسرائيل، فستكسب إسرائيل فئة سكانية يهودية منتجة وعاملة تعدّ ذخيرة إضافية للدولة. وقدّر بعض المهتمين الإسرائيليين عدد هؤلاء المهاجرين بنحو نصف مليون شخص (د.غاي بخور/ مركز هرتسليا متعدد المجالات).

في النطاق السياسي، سعت إسرائيل إلى إقحام الصراع مع الفلسطينيين في الحدث الأوروبي، عبر حثّ الدول الأوروبية على الاهتمام بمشكلاتها الداخلية، وخاصة مشكلة اللاجئين، وضرورة "دعم إسرائيل والكف عن الضغط عليها أو مهاجمتها"، على خلفية الموضوع الفلسطيني، لكونها تشكل "الدرع الحقيقي الوحيد الذي تمتلكه أوروبا في الشرق الأوسط ضد الإسلام المتطرف الهائج"، والتخلي عن "انشغال أوروبا بإسرائيل والتحامل عليها"، بتعبيرات نتنياهو أمام نظيره البريطاني ديفيد كاميرون خلال لقائهما في لندن (6/9). ودعوة نتنياهو ذاته، خلال لقائه مع رئيس المفوضية الأوروبية دونالد توسك في القدس المحتلة (8/9)، إلى نبذ من سماهم "المصابين الأوروبيين بجنون المعاداة لإسرائيل" الذين لا يرون مئات الألوف من البشر الذين يُذبحون في الشرق الأوسط وملايين المشردين من بيوتهم، ولكن يعتقدون أن الشيء الوحيد الذي يجب القيام به هو الضغط على إسرائيل ومقاطعتها وتشويه سمعة الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وحامية الحضارة في وجه "الوحشية الجديدة"، على حد وصفه.

تنتمي هذه الدعوات، ومثيلاتها، إلى مسعى إسرائيلي هدفه دفع أوروبا إلى التركيز على معالجة تداخل مشكلاتها مع المصائب الشرق أوسطية الجديدة، وعلى شطب المشكلة الفلسطينية من جدول الاهتمام العالمي. ولدى إثارة مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم، سرعان ما يكون الرد بأن إسرائيل ترفض الموافقة على انتحارها، وأن استقبال المهاجرين فيها محفوظ لليهود فقط. وظهر تبرير لهذا الرفض بأنه إذا كان يحق لرئيس الحكومة الهنغارية، فيكتور أوربان، القول إن "أمواج اللاجئين تهدد الجذور المسيحية في أوروبا"، فهذا "يبرر لإسرائيل التركيز على طابعها اليهودي" (جدعون ليفي، هآرتس 6/9).

وفي موازاة ذلك، زعمت إسرائيل أن مناطق السلطة الفلسطينية تنعم بالاستقرار وبنوع من الاستقلالية، بفعل التسهيلات الإسرائيلية المقدمة لها، ولهذا لا يغادرها لاجئون إلى أوروبا، وفي الوقت ذاته يتم اتهام السلطة بأنها "لم تفعل شيئاً من أجل اللاجئين". وعندما يوضع هذا الزعم على المحك، بطلب السلطة من إسرائيل الموافقة على استيعاب لاجئين فلسطينيين من سوريا في الضفة الغربية، يأتي الجواب التهكمي من وزارة الخارجية الإسرائيلية: "لا حدود للسخرية، السلطة تستغل حتى أزمة اللاجئين في سوريا للاستفزاز" (يسرائيل هيوم20/9). والنتيجة العملية لذلك، لا تنفصل عن الاعتقاد الإسرائيلي – بلسان الوزير السابق موشيه أرنس – بأن هجرة أولئك الفلسطينيين إلى أوروبا ستقود إلى التخلي عن "حق العودة".

وحتى حين يتعلق الأمر بفكرة استقبال إسرائيل لاجئين سوريين، حسب دعوات تظاهرية، مُغرضة ومنافقة، لبعض أقطاب المعارضة (يتسحاق هرتسوغ، وزهافا غلؤون، واليعيزر شتيرن، وأبراهام بورغ، وسواهم)، تأتي الردود الإسرائيلية الرافضة، بصورة هستيرية، واسعة النطاق، ويصوّت ضدها أكثر من 70% من الإسرائيليين، وفق أحد استطلاعات الرأي (معاريف13/9). فيما يحاول نتنياهو تلطيفها بالادعاء أن "إسرائيل دولة صغيرة جداً وليس لها عمق جغرافي ولا ديمغرافي"، ويعطف على ذلك تأكيده بأن حكومته "تعمل للسيطرة على حدود الدولة، ولهذا باشرت منذ أوائل سبتمبر الجاري بأعمال تشييد الجدار الحدودي بين إسرائيل والأردن"؛ بذريعة منع دخول المتسللين غير الشرعيين إلى دولة إسرائيل. لكن من الواضح أن السيناريو الكامن وراء هذا التشييد يتضمن التحسّب الإسرائيلي لتوجه عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين للعمل في الجانب الأردني للأغوار، واحتمال تسلل من تعتبرهم إسرائيل إرهابيين بينهم، فضلاً عن مواجهة اضطرابات محتملة في الأردن. ولعل الهدف الأهم في هذا الصدد، توظيف الجدار الجديد في منحى ضم الضفة جغرافياً وسياسياً إلى إسرائيل، كأمر واقع، في خطوة لا شرعية أخرى تضاف إلى جريمة تهجير الفلسطينيين من وطنهم والتسبب في أكبر مأساة للاجئين في القرن العشرين، ورفض إسرائيل الاعتراف بالمسؤولية عنها.

وبالمناسبة، لم تكتفِ إسرائيل بتحميل الأنظمة العربية مسؤولية نكبة الفلسطينيين واستمرارها والمتاجرة بها، بل تصرّ على أن مشكلة اللاجئين الجديدة من سوريا والعراق وسواهما تعدّ استمراراً لحالة العجز التاريخي الاستراتيجي العربي عن اللحاق بركب العالم المتحضر، وفق نغمة إسرائيلية منفّرة، اتهامية وتحريضية، تحاول التنصل من اختراق إسرائيل التخريبي للأمن القومي العربي، ومن دورها القذر بتأجيج التوترات والخلافات الداخلية في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات