الاستراتيجية البريطانية الجديدة لمكافحة الإرهاب

د. عبدالعزيز شادي: الاستراتيجية البريطانية الجديدة لمكافحة الإرهاب

  • 5 مايو 2009

أعلنت الحكومة البريطانية في أواخر مارس/آذار الماضي (2009) استراتيجيتها الجديدة لمكافحة الإرهاب، التي حدد كل من جوردون براون، رئيس الوزراء، ووزيرة الداخلية، جاكي سميث، هدفها الرئيسي في تقليل الخطر الذي يمكن أن تتعرض له بريطانيا ومصالحها في الخارج من قبل الإرهاب الدولي لكي يتسنى للمواطنين أن يمارسوا حياتهم بحرية وثقة، وحماية الحريات العامة.

وسردت الاستراتيجية، التي تعد جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمنية الوطنية للمملكة المتحدة التي نشرت عام 2008، تطور التهديد الإرهابي الذي واجهته بريطانيا، بداية من التهديد الذي مثله الجيش الجمهوري الأيرلندي، وانتهاء بتهديد الإرهاب الدولي (القاعدة والتنظيمات التي تدور في فلكها)، وقد شهد هذا التهديد نقطة تحول مهمة في تطوره في العام 2005 عندما تعرضت العاصمة لندن إلى سلسلة تفجيرات كبرى. أما مصادر هذا التهديد المعاصر فقد تم تحديدها في أربعة مصادر رئيسية؛ أولها: تنظيم القاعدة بقيادته وكوادره الموجودة في أفغانستان وباكستان، وثانيها: التنظيمات المرتبطة بالقاعدة في شمال أفريقيا والجزيرة العربية والعراق واليمن، وثالثها: الشبكات ذاتية التكوين والأفراد المؤمنون بأفكار شبيهة بتنظيم القاعدة لكن ليس لديهم صلات مباشرة بها، ورابعها: الجماعات التي تتبنى أيديولوجية شبيهة بأيديولوجية القاعدة، ولكن لديها هوية وأجندة مختلفة.

وطبقاً لهذه الاستراتيجية، فإن التهديد الذي يشكله الإرهاب الدولي المعاصر يختلف عن سابقه في أمور عدة، منها: أنه يستند إلى مبررات دينية يحاول من خلالها كسب التعاطف، ولدية أجندة سياسية ودينية متنوعة؛ حيث لا تقتصر اهتماماته على قضية بعينها، كما أنه يستهدف تدمير قطاعات مدنية وصناعية واقتصادية واسعة النطاق، والتسبب بأكبر عدد من القتلى والضحايا بغض النظر عن جنسياتهم أو أعمارهم، ويسعى إلى امتلاك تقنيات غير تقليدية (كيميائية ونووية)، وتتسم عملياته بالعشوائية، وتعتمد على عنصر المفاجأة؛ فغالباً لا يسبق الحدث الإرهابي أية تحذيرات وتقوم به عناصر غير معروفة الأمر الذي يزيد من صعوبة مواجهتها، في الوقت الذي تعمل فيه التنظيمات الإرهابية بدأب على تجنيد عناصر جديدة موالية داخل المملكة المتحدة ومناطق أخرى عبر العالم.

وتطرقت الاستراتيجية إلى عدد من الأسباب الموضوعية التي ساهمت في انتشار الإرهاب الدولي، ومنها تفاقم كثير من الصراعات والنزاعات الإقليمية، ووجود ما يعرف بالدول الفاشلة أو الضعيفة، التي تشكل ملاذاً آمناً للإرهابيين، وانتشار الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة المرتبطة بالقاعدة، والتي تسم النظم العربية بالكفر والردة، وتتهم الدول الغربية بدعم تلك "النظم الكافرة" ومهاجمة الإسلام وتعتبر ذلك مبرراً لإعلان الجهاد ضد الغرب، إضافة إلى التطور التكنولوجي وما وفّره من آليات ووسائل يستخدمها الإرهابيون في نشر أيديولوجياتهم المتطرفة، وتسهيل الاتصالات فيما بينهم دون خوف من رقابة أو ملاحقات، وتشجيع مزيد من الأفراد والجماعات على الانضمام إلى الجماعات الإرهابية.

وبالرغم من تأكيد الاستراتيجية استمرار وجود بعض العوامل المغذية للإرهاب الدولي، واستمرار تأييد جماعات معينة لأفكار تنظيم القاعدة؛ فإنها أقرت بأن ثمّة عناصر سوف تقيّد قدرة التنظيمات الإرهابية على العمل داخل المملكة المتحدة وعلى الإضرار بمصالحها عبر البحار، ومن هذه العناصر: فقدان هذه التنظيمات عدداً من قياداتها وخبرائها المهمين، والجهود الدولية المبذولة لمساعدة الدول الفاشلة وتنمية قدراتها بالشكل الذي يؤدي إلى حرمان تلك التنظيمات من ملاذاتها الآمنة، والقيود المفروضة دولياً على تمويل الإرهاب، ناهيك عن رفض نسبة كبيرة من المسلمين لأفكار هذه التنظيمات، وغير ذلك من العوامل التي ساهمت في إضعاف القاعدة وتنظيمات الإرهاب الأخرى، وإفشال مخططها الرامي إلى تغيير الحكومات الرئيسية في الدول الإسلامية أو حتى في تغيير سياستها.

أما عن مستقبل هذا التهديد خلال السنوات الثلاث المقبلة، فقد تنبأت الاستراتيجية بأن يواجه تنظيم القاعدة خطر التقسيم والتفكك تحت ضغوط المجتمع الدولي، ولكنها توقعت في المقابل أن تزداد استقلالية التنظيمات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة، وأن تستمر أيديولوجية هذا التنظيم وأفكاره في الانتشار، وحذرت من خطر حصول الجماعات الإرهابية الصغيرة على التكنولوجيا أو الأسلحة الخطيرة التي تمكنها من القيام بعمل إرهابي خطير، مشيرة إلى أن خطر حدوث هجمات إرهابية بأسلحة كيمائية أو بيولوجية أو نووية في نمو متزايد، وأن التكنولوجيا الحديثة ستسمح للتنظيمات المتطرفة بشن هجمات أكثر فتكاً في المستقبل، كما حذرت أيضاً من خطر التهديد النابع من الخلايا ذاتية التكوين، التي لا ترتبط بالقاعدة، والتي تفرض تحديات إضافية على أجهزة إنفاذ القانون والشرطة والمخابرات، معتبرة أن بريطانيا تبقى واحدة من أكثر الدول الغربية التي قد يوجد فيها عدد من خلايا القاعدة القادرة على تنفيذ "عمليات إرهابية".

وتستمد هذه الاستراتيجية مبادئها الحاكمة من الخبرات التي تراكمت لدى السلطات البريطانية في مجال محاربة الإرهاب في الماضي، وكذلك من المبادئ الأمنية الأكبر والأشمل المنصوص عليها في الاستراتيجية الأمنية الوطنية، فضلاً عن القيم المحورية للبريطانيين، ومن ضمنها: الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها؛ واحترام سيادة القانون؛ وضمان المحاكمة العادلة للمسؤولين عن الهجمات الإرهابية ومعاقبتهم. وتشدد الاستراتيجية الجديدة على ضرورة التعامل مع الأسباب الكامنة خلف ظاهرة الإرهاب وكذلك أعراضها، كما أنها تسعى إلى تقليص التأييد الذي يحظى به الإرهابيون داخل أوساط الجاليات الإسلامية في بريطانيا وإضعاف قدرتهم على تجنيد مزيد من الإرهابيين الجدد، وهو أمر حيوي، فبدون تأييد شعبي لن يقوى الإرهاب على الاستمرار، فضلاً عن محاولة التصدي للتهديد المتزايد النابع من التطور التكنولوجي، أضف إلى كل ذلك أن للشراكة مع الحلفاء في الداخل وفي العالم دوراً هاماً في نجاح هذه الاستراتيجية، وهو أمر يعتمد على الشفافية والثقة، فالإرهاب ظاهرة دولية.

وتقوم هذه الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية يشار إليها بعبارات: المنع والملاحقة والحماية والاستعداد، ويقصد بالمحور الأول: المنع، الوقاية من العمليات الإرهابية ومحاولة منعها وذلك عبر معالجة موضوع تطرف الأفراد بالمملكة المتحدة وبغيرها من الدول، ولمعالجة هذا الموضوع حاولت الاستراتيجية تحديد العوامل التي تؤدي إلى التطرف والحجج المستخدمة لتبريره، وذلك بهدف تحديد الاستجابة اللازمة لها، مؤكدة أن هذه العوامل لا تبرر اللجوء إلى العنف الإرهاب، ومن هذه العوامل أو الحجج: القول بازدواجية معايير الغرب في تعامله مع القضايا العربية والإسلامية، ولاسيما الموقف من الصراع العربي-الإسرائيلي، والترويج لفكرة أن وجود قوات عسكرية في البلاد الإسلامية يمثل مصدراً للخزي والإهانة، والإحساس بالانعزال الشخصي أو الحرمان بالمجتمع الناجم عن عوامل اجتماعية-اقتصادية كالتمييز وانعدام الفرص والفقر والبطالة، وانتشار شبكة الإنترنت التي سهلت كثيراً انسياب الأفكار الراديكالية والاطلاع عليها.

وقد حاولت الاستراتيجية تفنيد بعض هذه الحجج، ولاسيما ما يتعلق بمسألة ازدواجية المعايير والقواعد العسكرية، مشيرة إلى العديد من القضايا الدولية التي وقف فيها الغرب مع المسلمين، كما حدث في البوسنة وفي كوسوفا، وتدخله لإعادة الشرعية إلى الكويت عام 1991، وتأييده لعملية السلام في الشرق الأوسط وحل الدولتين، كما أكدت أن وجود القوات العسكرية الغربية يتم بطلب من حكومات الدول المستضيفة وبهدف الدفاع عنها. ولمعالجة مشكلة التطرف أشارت الاستراتيجية إلى بعض الإجراءات مثل تأكيد أهمية معالجة مشكلات البنية الاجتماعية والاقتصادية بالمملكة المتحدة وغيرها من الدول، والتي قد يكون لها يد بالتطرف، ومساعدة المسلمين على تحسين أدائهم التعليمي وفرص توظيفهم وظروف سكنهم وتحسين فرص اندماجهم في المجتمع البريطاني، وردع من يسهلون الأعمال الإرهابية أو يشجعون عليها، ومحاربة الأفكار المتطرفة وغير ذلك من إجراءات.

أما المحور الثاني الخاص بملاحقة الإرهابيين ومن يقدمون الدعم لهم، فيشدد على ضرورة تعزيز دور أجهزة الاستخبارات وأجهزة الأمن الوطنية للكشف عن الشبكات الإرهابية الموجودة بالمملكة المتحدة وملاحقة عناصرها ومحاكمتهم أو ترحيلهم والحجز على أموالهم وممتلكاتهم.  ويركز المحور الثالث على حماية البنية الأساسية والمقومات الوطنية داخل بريطانيا وخارجها، فيما يهدف المحور الرابع إلى التقليل من آثار أي حدث إرهابي حال وقوعه، إذا لم يكن ممكنا منعه والوقاية منه، ويشمل ذلك تقوية الجبهة الداخلية للمملكة المتحدة لمواجهة تبعات أي عمل إرهابي محتمل.

ومع استعدادها لاستضافة دورة الألعاب الأوليمبية التي ستقام في لندن في عام 2012، وهو حدث ثقافي ورياضي مهم رمزياً لبريطانيا، تعمل الحكومة البريطانية بكل قدراتها على تأمين هذه الدورة ضد كل المخاطر بما في ذلك الإرهاب، وفي هذا السياق تم تشكيل إدارة أمن الأولمبياد في ديسمبر/كانون الأول الماضي (2008)، وترفع هذه الإدارة تقاريرها لوزير الداخلية مباشرة وللجنة الأمن القومي والعلاقات الدولية والتنمية، كما تعمل الحكومة على زيادة مواردها المالية الموجهة لمكافحة الإرهاب وتطبيق استراتيجيتها الجديدة بهذا الشأن. وكانت الحكومة قد رصدت عام 2007 مبلغ 3.5 بليون جنية إسترليني لمكافحة الإرهاب ولأعمال المخابرات، وشمل هذا المبلغ 240 مليون جنية إسترليني لتحسين قدرات الشرطة المتعاملة مع الإرهاب، إضافة إلى 100 مليون إسترليني لمنع تحول الأفراد إلى إرهابيين أو مؤيدين له، كما وصل حجم الإنفاق السنوي على مكافحة الإرهاب خلال العام الماضي (2008) إلى ملياري جنية إسترليني، وهو رقم يساوي ضعف المبلغ الذي أنفقته الحكومة قبل أحداث 11 سبتمبر.

وبشكل عام، تعكس التعديلات الجديدة التي تم إدخالها على الاستراتيجية البريطانية لمكافحة الإرهاب استمرار مخاوف المملكة المتحدة من هذه الظاهرة، ومع أهمية ما تضمنته هذه الاستراتيجية من أفكار وإجراءات، فإن نجاحها في مواجهة الإرهاب سيتوقف إلى حد كبير على تفهمها لحقيقة الظروف والدوافع الكامنة خلف انتشار هذه الظاهرة، في العالم ككل، وفي المجتمع البريطاني بشكل خاص، وأخذها على محمل الجد ومعالجتها بشكل متوازن. ويأتي في مقدمة هذه العوامل، التي أشارت إليها الاستراتيجية نفسها، إحساس المسلمين بالظلم نتيجة التعامل الغربي، والبريطاني، غير الموضوعي مع قضاياهم، وما يواجهونه من تمييز غير مبرر في المجتمعات الغربية منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

Share