الاستراتيجية الأمريكية الجديدة وإشكالية التمدد العسكري

  • 14 يونيو 2010

لم يتوقف المحللون عن دراسة أبعاد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة منذ إصدارها أواخر مايو الماضي (2010). فقد ركز معظمهم على مقارنتها بسابقتها في عهد إدارة جورج دبليو بوش؛ ليبينوا كيف تختلف السياسة الخارجية والأمنية للرئيس باراك أوباما عن سلفه. فيما اختار بعض المحللين التركيز على التوجه التعدديMultilateral  لإدارة أوباما، والذي تشدد عليه الاستراتيجية، في تصورها للعلاقات الدولية ولدور الولايات المتحدة في العالم. وهناك أيضاً من عمد إلى استقراء رؤية الرئيس أوباما لمكافحة الإرهاب الدولي واختبارها.

لكنّ  هؤلاء المحللين لم يستوفوا بالدراسة والاستقراء الآلية التي طرحتها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمعالجة مشكلة "التمدد العسكري الزائد" Military Over stretch. وهذا المفهوم ليس جديداً في أدب السياسة الخارجية الأمريكية، وإن كان يطلق عليه أحياناً "التمدد الإمبراطوري الزائد"، ولكن الأخير أكثر اتساعاً وأقل تحديداً وتماسكاً من الأول. وقد كان "بول كينيدي" أول من أثار مشكلة التمدد العسكري الأمريكي في كتابه المعروف "صعود القوى الكبرى وسقوطها"، المنشور في عام 1987. وغني عن البيان أن هذه المشكلة كانت من أكبر محاور النقاش والجدل خلال فترة الرئيس جورج بوش. وإن لم تكن هذه الإدارة هي التي خلقت المشكلة في المقام الأول، فإن سياستها الخارجية، التي وُصفت بالأحادية والراديكالية والعنف، تجاه عدد من الدول، وفي مقدمتها العراق وأفغانستان، هي التي أثارت القضية من جديد.

ويتخذ التمدد العسكري الأمريكي عبر العالم صوراً عدة ، أهمها: الاحتلال الفعلي لأقاليم دول معينة؛ التدخل العسكري المحدود بصور متعددة في دول أخرى؛ الحرب العالمية ضد التطرف العنيف وتنظيم القاعدة؛ القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الكرة الأرضية؛ والانخراط في خطط باهظة الكلفة لبناء نظم دفاع صاروخية وتطوير أسلحة فضائية وأخرى تقليدية فائقة الدقة. والآن، كيف عالجت استراتيجية الأمن القومي الجديدة هذه القضية بأبعادها المتعددة؟

فيما يتعلق باحتلال العراق، أقرت الاستراتيجية خطة من ثلاثة مكونات أمنية ومدنية وتنموية؛ تهدف إلى الحفاظ على أمن العراق ووحدته، ودعم ديمقراطيته، واستكمال التحول المسؤول فيما يتم إنهاء الحرب هناك. ويتعلق المكون الأمني بإنهاء المهمة القتالية للقوات الأمريكية في العراق بنهاية أغسطس 2010، وتقليص عدد القوات إلى 50 ألف جندي، تتركز مهمتها في تدريب القوات العراقية، والانخراط في عمليات مكافحة الإرهاب، وحماية المنجزات المدنية والعسكرية في العراق. وتشدد الاستراتيجية على رحيل كل القوات الأمريكية بنهاية العام القادم، وفقاً للاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد. ولكن الاستراتيجية تؤكد أن الولايات المتحدة سوف تستمر في توفير الدعم المدني لحكومة العراق، وسوف تنخرط في جهود دبلوماسية وتنموية "لتعزيز الأمن الدائم والتنمية المستدامة في العراق والشرق الأوسط". وعلى الرغم من وجود مشككين في إمكانية استكمال الانسحاب الأمريكي، فقد أعلن الجنرال راي أوديرنو، قائد القوات الأمريكية في العراق، مؤخراً أن خطة الانسحاب تسير وفق الجدول الزمني المحدد.

وبالنسبة للملف الأفغاني، تشير الاستراتيجية إلى أن منتصف 2011 سوف يشهد البدء في تخفيض عدد القوات الأمريكية (نحو 93 ألف جندي حينئذٍ) في أفغانستان. ولكن الاستراتيجية لم تضع تاريخاً محدداً للانسحاب، حيث اكتفت بتأكيد أن هذا سيعتمد على الظروف على الأرض، والتي تبدو معاكسة تماماً لوضع أي خطط محددة للانسحاب. فحركة طالبان تزداد قوة، ونطاق عملياتها يزداد اتساعاً، ومساحة الأراضي التي تستولي عليها تتسع تدريجياً (وهو ما تعترف به الاستراتيجية على أية حال)، والخسائر المادية والبشرية للقوات الأمريكية وغيرها من قوة إيساف تزداد (في السابع من يونيو فقط، قتل 10 جنود من بينهم 7 أمريكيين، لترتفع بذلك خسائر قوات إيساف إلى 238 جندياً منذ الأول من يناير 2010، نحو ثلثيهم من الأمريكيين، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية).    

وقد شددت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على التدخل العسكري المحدود بصور متعددة في دول تصفها بأنها في خطر، مثل اليمن والصومال وباكستان والمغرب ودول الساحل الإفريقي الغربي؛ لأسباب متباينة، في مقدمتها منع تنظيم القاعدة وتوابعه من تأسيس ملاجئ آمنة، وتقوية سلطة الدولة ومساعدتها أمنياً وعسكرياً، وبناء نظم أمنية مستدامة في هذه البلاد. كما تسمح الاستراتيجية بالتورط في أزمات إقليمية قد تفضي إلى مواجهات عسكرية سواء في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولا سيما الأزمة النووية الإيرانية والكورية الشمالية، وما يستتبعه ذلك بالضرورة من زيادة الحشد العسكري. 

علاوة على ذلك، تشير الاستراتيجية إلى استمرار الحرب العالمية ضد التطرف العنيف وتنظيم القاعدة، مع ما يصاحب ذلك من تمدد استخباري هائل، في كل أنحاء العالم. وفي الحقيقة، إذا استثنينا تغيير المسميات (من الإرهاب إلى التطرف العنيف) والدعوة إلى دمج أدوات أخرى (الدبلوماسية والقدرات التنموية والتحالفات والشراكات الإقليمية والدولية) بالإضافة إلى القوة العسكرية في مواجهة هذه الظاهرة، فلن نجد فرقاً بين الحرب على التطرف العنيف والحرب على الإرهاب فيما يتعلق بانعكاساتها على التمدد العسكري.

ولكن الاستراتيجية الجديدة لم تشر إلى القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أنحاء الكرة الأرضية، والتي تتراوح بين 761 (تقدير البنتاجون في 2008)- و800 قاعدة في نحو 60 عن دولة، إذا استثنينا القواعد العديدة في كل من العراق (126 قاعدة) وأفغانستان، وكذلك التسهيلات العسكرية السرية في الفلبين وإسرائيل ودول الاتحاد السوفيتي السابق وغيرهم. أما إذا أضفنا ذلك، فربما يتجاوز عدد القواعد الأمريكية الألف، وهي مزودة بمعدات عسكرية ذات قدرة تدميرية هائلة، و190 ألف جندي و115 ألف موظف مدني وفقاً لأرقام وزارة الدفاع عام 2007 (وإن كانت الأرقام غير الرسمية تقفز بها إلى 460 ألف جندي)، وتزيد تكلفة الاحتفاظ بها عن التريليون دولار سنوياً. وفي الحقيقة، تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري في صور متنوعة فيما يزيد عن 150 دولة حول العالم، دون الحديث عن أن البنتاجون يقسم العالم كله إلى ست قيادات عسكرية ذات هياكل تنظيمية ومالية واضحة، هي القيادات الشمالية والجنوبية والأوربية والمركزية والأفريقية وقيادة المحيط الهادي. لم تتحدث الاستراتيجية إذن عن هذا الحشد الهائل من القواعد والقيادات والقوات الأمريكية بالخارج، غير أنها اكتفت بتأكيد "الالتزامات الاستراتيجية السابقة"، وأبقت على مهام القوات كما هي، من مكافحة الإرهاب والتمرد إلى المساهمة في عمليات الاستقرار، وهي المهام التي تزيد من استنزاف القوات النظامية، وتبقي على التمدد العسكري بلا أفق لتقليصه.

وقد أمنت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على الانخراط في خطط باهظة الكلفة لبناء نظم دفاع صاروخية في أوروبا وغيرها. وفي ضوء تقدير روسيا أن هذه الخطط تمثل تهديداً لأمنها القومي، فإن من شأن ذلك أن يفضي إلى سباق للتسلح الصاروخي بين الدولتين، ولاسيما أن اتفاقية ستارت الجديدة New STAR (الموقعة في 8 أبريل الماضي) لم تتناول نظم الدفاع الصاروخي، فضلاً عن أن تضع حدوداً عليها. وقد تعهدت القيادة الروسية بتطوير نظم تسلح هجومية جديدة برغم توقيعها المعاهدة الجديدة؛ للحفاظ على التوازن الاستراتيجي وحماية الأمن القومي لروسيا.

فضلاً على ذلك، تنخرط المؤسسة العسكرية الأمريكية في تطوير أسلحة تقليدية فائقة الدقة للحفاظ على "التفوق العسكري التقليدي"، وفقاً للاستراتيجية، وفي إطار الاستعداد لشن "ضربة كونية فورية" ضد أي هدف في العالم، طبقاً لوثيقة "المراجعة الأربعية للدفاع" (The Quadrennial Defense Review)، التي أصدرها البنتاجون في فبراير 2010. وقد بينت الأخيرة خططاً وعمليات لتحويل جزء من الصواريخ النووية الاستراتيجية إلى أخرى غير نووية فائقة الدقة، تستخدم في الحروب التقليدية. دون الحديث عن تطوير أسلحة فضائية، فيما يطلق عليه الخبراء الروس "عسكرة الفضاء الخارجي".

ومن المفارقة أن واضعي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (مايو 2010) كانوا مدركين لمشكلة التمدد العسكري الزائد، أو على الأقل لبعض أبعادها المهمة؛ حيث يؤكدون في الوثيقة: "عندما نستخدم قوتنا العسكرية بإفراط، أو نفشل في توظيف أدوات مكملة لها، أو نعمل بدون شركاء؛ في هذه الحالة تكون قوتنا العسكرية متمددة بصورة زائدة". كما تشير الوثيقة إلى أهم المردودات السلبية لهذه المشكلة، سواء فيما يتعلق بالعبء المادي والبشري، أوإعطاء الأعداء فرصة للنيل من القوات الأمريكية. ومع ذلك، فإنه باستثناء الدعوة إلى تدعيم التحالفات وتأسيس شراكات جديدة والاستخدام الفعال لعناصر القوة الأمريكية المختلفة، لم تنجح الوثيقة في معالجة المشكلة.

ومن المفارقة أيضاً أن التمدد العسكري الزائد يشكل تهديداً بحد ذاته للأمن القومي الأمريكي ومستقبل القيادة الدولية الأمريكية، على الأقل من زاوية تكلفته البشرية والمالية الباهظة. فقد اقترب حجم الخسائر البشرية الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق من ستة آلاف جندي، بالإضافة إلى 35 ألف من الجرحى يعاني معظمهم إصابات خطيرة، وفقاً للبيانات الرسمية التي لا تشمل الخسائر في صفوف المتعاقدين الأمنيين وغير الأمنيين. وبالنسبة للعبء المالي للتمدد العسكري، تجاوزت تكلفة الحرب في كل من أفغانستان والعراق، منذ العام 2001، حاجز التريليون دولار، وفقاً لمكتب الميزانية التابع للكونجرس. ومن المتوقع أن يطلب أوباما 33 بليون أخرى لتمويل الحرب هذا العام. وقد تجاوزت الميزانية العسكرية التي طلبها الرئيس أوباما من الكونجرس للسنة المالية القادمة 700 بليون دولار، ما يجعلها أكبر من أي ميزانية عسكرية أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. وقد ألقى ذلك بأعباء بالغة على الاقتصاد الأمريكي؛ الذي يرزح تحت دين عام فاق 13 تريليون دولار، في يونيو 2010، وهو ما يعادل نحو 91.6% من الناتج المحلي الإجمالي (لعام 2009، وفقاً لتقدير صندوق النقد الدولي). وإذا استمرت الاتجاهات الراهنة، من الممكن أن يتخطى الدين الفيدرالي الناتج القومي الإجمالي في 2012، وفقاً لتقديرات خبراء الصندوق.

ومع ذلك، فإن تركيز الاستراتيجية في بعدها الخارجي على مفاهيم التعددية، والشراكة الشاملة والمستدامة مع الحلفاء والأصدقاء، والتعاون مع مراكز النفوذ الجديدة في العالم، والانخراط مع الأمم والمؤسسات والشعوب، والقوة الذكية (دمج عناصر مختلفة من المقدرات الوطنية سواء كانت دبلوماسية أو تنموية أو عسكرية، واستخدامها بفعالية) قد يخفف من تكلفة هذا التمدد العسكري الزائد على المدى الطويل.

Share