الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق مصيرها الفشل

د. كينيث كاتزمان: الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق مصيرها الفشل

  • 22 يناير 2007

في العاشر من يناير/كانون الثاني 2007، أعلن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" استراتيجيته الجديدة في العراق، والتي ترتكز على نشر نحو 21500 جندي أمريكي إضافي في هذا البلد، العدد الأكبر منهم (17500 جندي) سينضمون إلى القوات الأمريكية المتمركزة في العاصمة بغداد للمساعدة تنفيذ خطة أمن بغداد، والتي تهدف إلى تنظيف وضمان أمن الأحياء التي تسيطر عليها قوات التمرد السنية أو المليشيات الشيعية المسلحة، فيما سيتم إرسال الـ 4000 جندي الباقين إلى محافظة الأنبار لتعزيز جهود مواجهة العناصر الإرهابية والجماعات السنية المسلحة الموجودة في تلك المنطقة، والتي لم تستطع القوات الأمريكية حتى الآن فرض سيطرتها الكاملة على أي جزء من ذلك القطاع غير المستقر. كما تتضمن الخطة أيضاً ضخ حوالي 1.3 مليار دولار من المساعدات الأمريكية لتفعيل جهود إعادة الإعمار في العراق، يوجه جزء منها لإعادة تشغيل المصانع التي تملكها الدولة وتوفير الوظائف. وقد تم إعلان هذه الخطة بعد أن توصل تقرير صادر عن البيت الأبيض والبنتاغون، إلى نتيجة تشير بوضوح إلى أن السياسة الأمريكية الحالية في العراق تفشل تدريجياً، وأن هنالك حاجة إلى التزام أكبر لتوفير فرصة للنجاح.

وحدد "بوش" في خطابة الذي أعلن فيه هذه الخطة شروطاً معينة يتعين أن تلبيها الحكومة العراقية لتوفير أفضل الظروف لإنجاح الخطة، مشدداً على أن هذه الحكومة سوف تخاطر بخسارة دعم الشعب الأمريكي لها إذا لم تتعاون بالكامل مع هذه الخطة، التي تفرض على الحكومة العراقية أن تقوم أولاً وكخطوة أساسية بتوفير حوالي 4000 جندي عراقي إلى جانب عناصر الشرطة الوطنية لضمان أمن الأحياء التي يتم إخلاؤها من العناصر المسلحة، وتخصيص 10 مليارات دولار إضافي من الأموال العراقية غير المستخدمة لمشاريع إعادة الإعمار الاقتصادية.

ولكن ما هو أكثر أهمية من الجنود والالتزامات المالية، ذلك التفاهم الذي تم التوصل إليه، والذي ينص على سماح حكومة رئيس الوزراء "نور المالكي" للقوات الأمريكية والعراقية بملاحقة وإقصاء المجموعات المسلحة، السنية والشيعية على حد سواء، لاسيما أن السبب الرئيس لفشل الخطط الأمنية السابقة والمعروفة باسم الخطةI  وII "معاً إلى الإمام"، والتي تم تنفيذها في الفترة من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين أول 2006، كان يتمثل في عرقلة "المالكي" للعمليات الأمريكية ضد المليشيات الشيعية، وخاصة جيش المهدي بزعامة "مقتدى الصدر". وبالتالي فإن اتباع أسلوب متوازن لتطبيق الأمن يعتبر أمراً في غاية الأهمية لتحقيق هدف الخطة الجديدة في توفير بيئة آمنة في بغداد تسهل تحقيق المصالحة السياسية ما بين السنة والشيعة، تلك المصالحة التي تلاشت أخيراً تحت وطأة تصاعد عمليات العنف والاشتباكات الطائفية في البلاد. ولهذه الغاية تتطلب خطة "بوش" من الحكومة العراقية المضي قدماً في النواحي الرئيسة المطلوبة لتحقيق المصالحة، بما في ذلك قانون النفط، وقانون انتخابات المقاطعات (الذي يهدف إلى تعزيز تمثيل السنة على المستوى المحلي)، وإعادة النظر في قانون اجتثاث البعث، فضلاً عن إجراء بعض التعديلات الدستورية المطلوبة لضمان تحقيق مشاركة سنية أكبر في العملية السياسية.

وبنظرة سريعة نلاحظ أن الشرط الأول لنجاح الخطة والمتمثل في قيام القوات الأمريكية والعراقية بمقاتلة العناصر المسلحة، السنية والشيعية على حد سواء، سيكون هو نفسه أحد  الأسباب الرئيسة التي ستؤدي حتماً إلى فشلها. ففي رد فعله الأول على الخطة أشار "المالكي" وحلفاؤه بوضوح إلى أنه يتعين على القوات المقاتلة الجديدة التركيز على "الإرهابيين" السنة فقط، وليس على المليشيات الشيعية. وكما كان الحال في الماضي؛ حيث ألقى "المالكي" دوماً باللوم على المتمردين السنة لتحريضهم على العنف الطائفي في العراق، وقام بتصوير المليشيات الشيعية على أنهم ضحايا أبرياء نسبياً يقومون بأعمال دفاع عن النفس لها أعذارها وتبريراتها. فإنه سيحاول مجدداً دفع معظم عمليات القتال باتجاه المناطق السنية، مع الادعاء بأن قوات الحكومة العراقية سوف "تهتم" بالمناطق الشيعية مثل مدينة الصدر، علماً بأن أية هجمات محتملة على المناطق الشيعية ستكون محدودة ومؤقتة.

الشرط الثاني لنجاح الخطة، والذي يقضي بضرورة عزل "مقتدى الصدر" هو أيضاً نقطة ضعف أخرى فيها، فحتى قبل الإعلان عن هذه الخطة كانت الولايات المتحدة تعمل ?من دون نجاح- على تشكيل ائتلاف حكومي جديد يقوم بزرع الشقاق بين "المالكي" و"الصدر"، يضم حزب الدعوة الذي ينتمي إليه "المالكي"، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وهو أكبر الأحزاب الشيعية، وعدة أحزاب سنية، وبعض الأحزاب العلمانية، غير أن المرجع الشيعي "أية الله على السيستاني" أعاق هذه الاستراتيجية في أوائل شهر يناير/كانون الثاني، عندما أصر على وجوب بقاء كل الأحزاب الشيعية موحدة، ضامناً بقاء "الصدر" في البنية الحكومية الموجودة. كما أساءت الخطة الأمريكية تقدير قوة العلاقة ما بين "المالكي" و"الصدر"، فقد قام "محمد باقر الصدر"، عم "مقتدى الصدر" بإنشاء حزب الدعوة في العام 1957، قبل أن يقوم "صدام حسين" بشنق "محمد باقر الصدر" في العام 1980، معتبراً إياه وحزب الدعوة خطراً موالياً لإيران على حكمه. وبالتالي فإن العلاقة ما بين حزب الدعوة وعائلة الصدر قديمة، ولا يمكن كسر هذه القيود بسهولة.

علاوة على ذلك، فإن الخطة الجديدة للرئيس "يوش" افترضت خطأً أن حكومة "المالكي" سوف تستثمر التحسن المتوقع في الوضع الأمني لتحقيق مصالحة سياسية مع السنة. ولكن لا يوجد ما يشير في أي من تصرفات "المالكي" أو أفعاله إلى أنه مهتم بأي نوع من المصالحة أو التسوية السياسية. ولو كان ذلك صحيحاً لكان تحرك بسرعة أكبر لإنجاز بعض القضايا المهمة في هذا الصدد مثل موضوع تعديل الدستور، وتخفيف أحكام قانون اجتثاث البعث. كما لا يوجد ما يشير إلى أن "المالكي" أو أية حركة شيعية أخرى تريد مشاركة حقيقية للسلطة مع السنة أو إشراكهم فيها بشكل حقيقي. فالأحزاب الشيعية مهتمة أولاً وبشكل رئيس بالانتقام ورد الصاع لأعمال العنف التي قام بها نظام "صدام". والتسويات التي تمت حتى الآن، مثل التقدم الواضح في قانون النفط الجديد تمت فقط لأن حكومة "المالكي" تخشى قيام الرئيس "بوش" بالتراجع عن تقديم الدعم لها إذا لم تحقق تقدماً بهذا الصدد.

خلاصة هذا التحليل تشير إلى أن القوات الإضافية التي سيتم إرسالها إلى بغداد قد تخفض مؤقتاً من العنف الحادث في بعض المناطق، ولكنها لن تحدث تطوراً مهماً باتجاه تحقيق المصالحة السياسية والوطنية بحيث تضمن حلاً دائماً في العراق. فالمتوقع أن ينتقل المتمردون السنة إلى مناطق خارج نطاق تركيز العمليات الأمنية الجديدة، وأن تخبئ المليشيات الشيعية أسلحتها وتندمج مع محيطها طوال فترة العملية الأمنية. وحالما تنسحب القوات الأمريكية من بغداد فإن العمليات الحربية الطائفية سوف تبدأ مجدداُ، على الأرجح. عند هذه النقطة ومع افتقاد الدعم السياسي داخل الولايات المتحدة لناحية إرسال المزيد من القوات فإن الرئيس "بوش" سوف يعيد التفكير على الأرجح فيما إذا كان يجب عليه أن يقبل أو يرفض توصيات مجموعة دراسة العراق والبدء بتخفيض الالتزام الأمريكي السياسي والعسكري، للحرب في العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات