الازدهار والسياسة يزيدان من الهجمات الإلكترونية في المنطقة

الازدهار والسياسة يزيدان من الهجمات الإلكترونية في المنطقة

  • 24 أغسطس 2015

في مقابلة حصرية للموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يدعو الدكتور بيتر سينجر، الاستراتيجي والباحث في مؤسسة "نيو أمريكا فاونديشن"، إلى زيادة التركيز على الأمن الإلكتروني، ويشير إلى التطورات المتسارعة المتعلقة بالطائرات من دون طيار، ويصف الطباعة ثلاثية الأبعاد بأنها تكنولوجيا ستُحدث تغييرات جذرية. وقد أُجريت هذه المقابلة مع الدكتور سينجر على هامش محاضرته التي ألقاها في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يوم 19 أغسطس 2015، وكانت بعنوان "الأمن الإلكتروني والحرب الإلكترونية".

في زيارتك السابقة لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تحدثتَ عن التكنولوجيات العسكرية والروبوتات، أما هذه المرة فتحدثتَ عن الأمن الإلكتروني. هل يتحول تركيز العالم تدريجياً نحو الفضاء الإلكتروني؟

في الماضي كانت الإنترنت أشبه بالخيال العلمي. أما اليوم، فنحن نعتمد عليها في كل شيء تقريباً، سواء لأغراض التواصل أو الأعمال أو لعمل الحكومات والجيوش، وهناك الكثير من الأمثلة التي توضح هذا التطور. خلال السنوات القليلة المقبلة، سيصل عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت إلى 40 مليار جهاز. وتتراوح هذه الأجهزة من الهواتف الذكية، إلى شبكات الطاقة الذكية، إلى السيارات الذكية، إلى 98% من الاتصالات العسكرية عبر الإنترنت التي تملكها وتشغلها مؤسسات مدنية. وبرغم ذلك، فإن التهديدات تتزايد في هذا الفضاء الإلكتروني. ففي كل ثانية يتم اكتشاف تسع برمجيات خبيثة في أكثر من 100 بلد. وقد أنشأت بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين والإمارات العربية المتحدة، وحدات أمنية وعسكرية إلكترونية بهدف خوض الحروب في هذا الفضاء والانتصار فيها. الفكرة التي أحاول إيصالها، هي أننا يجب أن نغير نظرتنا إلى هذا الأمر باعتباره جانباً تكنولوجياً بحتاً، وندرك أنه أمر يتعلق بنا جميعاً. فهذه مسؤولية جديدة على كل واحد فينا، سواء كان يعمل في قطاع التكنولوجيا أو في أي قطاع آخر.

ما حجم الفجوة بين مزوّدي خدمات الأمن الإلكتروني والمستخدم النهائي؟ وما الذي يجري عمله لردم هذه الفجوة؟

عندما نفكر في مستخدمي التكنولوجيا، نظن أن هناك فجوة رقمية. ولكن عدد مستخدمي الهواتف الذكية في إفريقيا اليوم هو أكبر من عددهم في الولايات المتحدة الأمريكية. هذا يعني أن التكنولوجيا سهّلت حدوث قفزة إلى الأمام، ولكن هذا جلب معه تهديدات خطيرة نلاحظها عندما ننظر إلى مراكز الجريمة الإلكترونية من حيث منفذوها وضحاياها. من المؤكد أن الجرائم الإلكترونية لا تحدث فقط في البلدان الغنية والقوية من العالم، بل تحدث أيضاً في البلدان التي تعاني الفقر. وهذا أمر خطير لأن المشكلة ليست في التكنولوجيا فقط. فالهجمات الإلكترونية تستغل عادة الأخطاء البشرية. وقد خلصت إحدى الدراسات إلى أن 94% من الهجمات الإلكترونية يمكن إيقافها عن طريق اتخاذ إجراءات وقائية أساسية يطلق عليها اسم النظافة الإلكترونية. فمن خلال زيادة الوعي يمكننا أن نحمي أنفسنا كأفراد، وكذلك مؤسساتنا وبلداننا.

في كتابك "الأمن الإلكتروني والحرب الإلكترونية: ما يحتاج الجميع إلى معرفته"، أشرتَ إلى مجموعة القراصنة المسماة أنونيموس، والفيروس ستاكسنِت، والوحدات الإلكترونية الجديدة في الجيشين الصيني والأمريكي. هل استطعت تحديد الأماكن الأكثر عرضة لهجمات من هذا النوع؟ وكيف تتوزع جغرافياً؟

لا أدري إن كان يمكننا النظر إلى الهجمات الإلكترونية من ناحية توزعها الجغرافي، فهي أكثر ارتباطاً بالصناعات والمجموعات. والبنوك والمؤسسات المالية أفضل في المحافظة على أمنها الإلكتروني من المؤسسات العاملة في مجال الرعاية الصحية والطاقة وبيع التجزئة. وهناك الكثير من الأسباب لهذا الأمر، فالبنوك والمؤسسات المالية كانت أول من تعرض للهجمات الإلكترونية، وبالتالي عملت على تحسين دفاعاتها. كما أن لديها الحافز الذي يدفعها إلى تحسين دفاعاتها. والبنوك تتبادل المعلومات فيما بينها حول التهديدات الإلكترونية الجديدة بطريقة لا نراها في قطاعات أخرى، مثل مؤسسات الرعاية الصحية أو الطاقة. وتكمن الخطورة في أن المهاجمين لا يستهدفون مجموعة واحدة. ففي الشرق الأوسط، رأينا تهديدات متنوعة لم تستهدف مؤسسات الدفاع والطاقة فحسب، بل استهدفت أيضاً مؤسسات إعلامية ووزارات حكومية. فالأمر يعتمد على مستوى الاهتمام الذي توليه كل مؤسسة لهذه المشكلة.

ما موقع دول الخليج بشكل عام والإمارات العربية المتحدة تحديداً من حيث الاستعداد لصد الهجمات الإلكترونية؟ أين موقعها؟ وما الخطوات التي يجب عليها اتخاذها لحماية نفسها بشكل أكبر؟

رأينا بالتأكيد عدداً أكبر من الهجمات هنا، ويمكننا أن نعزو هذا إلى عاملين: الأول، الازدهار الاقتصادي في المنطقة. قبل نحو 100 عام كان هناك لص مشهور في الولايات المتحدة اسمه ويلي سوتون، وقد سُئِل عن سبب سرقته للبنوك، فأجاب "لأن المال موجود فيها". هذا يعني أن القراصنة الإلكترونيين يستهدفون المناطق التي تتركز فيها الثروات، والمناطق التي تبرز فيها مظاهر العولمة. وقد رأينا هذا يحدث تحديداً في الإمارات العربية المتحدة التي لها روابط جيدة مع العالم وأصبحت مركزاً للتجارة العالمية.

هناك أيضاً عامل آخر، هو السياسة، حيث رأينا سلسلة من التهديدات المرتبطة بإيران، أحياناً بشكل مباشر وأحياناً بشكل غير مباشر. وكانت هناك مؤخراً حملة أطلق عليها اسم Operation Cleaver؛ أي "عملية الساطور"، استهدفت سلسلة من الشركات والمؤسسات الحكومية الغربية والخليجية. ومن الأمثلة الأخرى، الجيش الإلكتروني اليمني، الذي يبدو أنه يرتبط بإيران. فقد ضجت وسائل الإعلام بأخبار مهاجمته أهدافاً في المملكة العربية السعودية بعد تدخلها في اليمن مؤخراً. وهناك الكثير من الأمور التي تشير إلى أنه ليس يمنياً فعلاً، بل يعمل بالنيابة عن إيران. وهذا يسلط الضوء على أهمية تحصين كل شيء، من الوكالات الحكومية وصولاً إلى الأفراد.

نُقل عنك قولك إن الاحتكار الأمريكي للطائرات من دون طيار انتهى قبل سنوات عدة. ما الجديد فيما يتعلق بالطائرات من دون طيار؟

أظن أننا تجاوزنا مرحلة الحديث عن الطائرات من دون طيار باعتبارها تكنولوجيا مستقبلية. فقد أصبحت تكنولوجيا نعايشها اليوم. لدينا في مؤسسة "نيو أمريكا فاونديشن" مشروع اسمه "عالم الطائرات من دون طيار" نسعى من خلاله إلى تجميع معلومات عن جميع الدول التي تصنع الطائرات من دون طيار أو تستخدمها والشبكات التجارية بينها. وتظهر بياناتنا أن هناك على الأقل 80 بلداً يستخدم الطائرات من دون طيار، من أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وإسرائيل والكثير من الدول الخليجية. والعلاقات التجارية مثيرة للاهتمام أيضاً. على سبيل المثال، وثقنا حالة استخدمت فيها نيجيريا طائرة من دون طيار مسلحة مصنوعة في الصين. فهذه تكنولوجيا عالمية، واستخدامها لم يعد يقتصر على الحكومات والجيوش، بل يستخدمها المدنيون أيضاً، بمن في ذلك مؤسسات إعلامية ومزارعون وهواة وحتى شركات، مثل أمازون التي تدرس استخدامها لأغراض التوصيل. كما استخدمتها بعض مؤسسات البريد في سويسرا. هذا يقودنا طبعاً إلى الجانب المظلم، حيث رأينا مجرمين ومهرّبين في روسيا يستخدمونها أيضاً. كما تستخدمها جميع الأطراف في الحرب الدائرة حالياً في سوريا والعراق، من الحكومة السورية، إلى الحكومة الأمريكية، إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وتشارك فيه الإمارات العربية المتحدة، حتى تنظيم "داعش" نفسه. فالتكنولوجيا انتشرت الآن.

ما الوضع حالياً فيما يتعلق بالتشريعات الناظمة لاستخدام الطائرات من دون طيار؟ وهل حدث أي تقدم في هذا المجال؟

هناك للأسف تفاوت كبير، فمعظم الدول ليس فيها أي قوانين تتعلق باستخدام الطائرات من دون طيار لأغراض مدنية. وبعض الدول بدأت في وضع إجراءات. والولايات المتحدة تطور برنامجاً جديداً وضعت فيه نحو 1500 استثناء يسمح للشركات والجامعات باختبار الطائرات من دون طيار في ستة حقول اختبارات، مع وجود نية لفتح المجال الجوي خلال السنوات الثلاث المقبلة. السؤال الآن ليس كيف ستستخدم هذه الطائرات، بل من سيُسمح له باستخدامها. على سبيل المثال، هل يجب على من يريد تشغيلها أن يحصل على رخصة خاصة بذلك، مثل رخصة قيادة السيارة؟ وأيضاً، أين يجب السماح بتشغيلها؛ داخل المدينة أم خارجها؟ أو هل يجب استخدامها ضمن ارتفاع لا يتجاوز الـ 100 متر؟ هذه بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة عنها على المستوى المحلي في كل بلد، وعلى المستوى العالمي أيضاً.

بصفتك خبيراً في حروب القرن الحادي والعشرين، كيف تنظر إلى تنظيم مثل داعش؟ قلت إن هذا الصراع لن ينتهي قريباً. ولكن هل هناك حل عسكري لهذا التحدي؟

إن تعدد الأسماء المستخدمة، مثل الدولة الإسلامية، وتنظيم الدولة، وداعش، وعدم الاتفاق على اسم واحد يزيد من تعقيد الوضع. وهو يشير أيضاً إلى حجم التحدي الذي نواجهه كدول. فمن ناحية، سمعنا 70 بلداً يقول إنه يريد فعل شيء للتصدي لهذا التنظيم. هذه البلدان تقدم طائرات وقوات على الأرض وأحياناً مساعدة مالية، ومع ذلك لم ننتصر. هذا يبين أنه ليس لدينا استراتيجية موحدة، وأننا لا نبذل قصارى جهدنا.

ماذا عن استخدام هذه الجماعات للتكنولوجيا؟

هذه الجماعات ما كانت لتصل إلى ما هي عليه اليوم لولا التكنولوجيا. فقد كسبت الأتباع والمقاتلين والسمعة السيئة من خلال استخدامها التكنولوجيا، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي. علينا أن ندرك أننا أمام جماعة مختلفة تماماً عن جماعات المتمردين التي عرفناها في الماضي، بمن في ذلك تنظيم القاعدة. فهذه جماعة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين بكل ما في الكلمة من معنى، حيث تجمع ما بين عمليات التمرد التقليدية، وفي بعض الحالات العمليات العسكرية التقليدية، واستخدام تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين. هذا يعني أن علينا العمل ضدها على جميع هذه المستويات. المخيب في الأمر هو أننا لا نعمل بطريقة موحدة في هذه المستويات الثلاثة.

أنت تميل إلى الاعتقاد أن الطباعة ثلاثية الأبعاد ستؤثر في صناعة الحرب. متى سنرى هذا التغيير؟

أعتقد أن هذه التكنولوجيا ستُحدث تغييرات جذرية بطريقة لا تدركها معظم الشركات الدفاعية الآن. هذه التغييرات ستحدث على مستويات عدة، فهي ستسمح بوضع التصميم في أي مكان وتغييره في أي مكان. على سبيل المثال، قد يكون لدينا تصميم لجناح طائرة مقاتلة، فيأتي شخص من سلاح الجو في إحدى القواعد الجوية ويقول إنه يريد تعديل هذا التصميم أو تحسينه. هذا يقودنا إلى سؤال يتعلق بحقوق الملكية الفكرية وملكية التصميم. فهل تجب المحافظة على التصميم الأصلي أم يستطيع العميل تغييره؟ هذا ليس سؤالاً نظرياً، بل هو أمر حدث فعلاً في الجيش الأمريكي، حيث قام جنود أمريكيون في أفغانستان بتعديل تصميم قطعة غيار بشكل لم ترضَ عنه الشركة المُصنِّعة. ولكن الجيش سعيد بهذا التغيير لأن التصميم الجديد أفضل. وهذا يقود إلى تغيير جذري ثانٍ. فالأمر لا يتعلق بإمكانية تغيير التصميم فقط، بل بإمكانية تصنيعه خارج المصنع الأصلي.

كيف سيؤثر ذلك في صناعة الأسلحة التقليدية؟

قبل أسابيع قليلة، قام بحارة على ظهر سفينة تابعة للبحرية الأمريكية بتصميم طائرة من دون طيار، وصنعوها وشغلوها وهم على السفينة. فهذه التكنولوجيا تغير طريقة تفكير شركات الصناعات الدفاعية، هذا أولاً. والأمر الثاني، أن هذه الشركات تحقق أرباحها ليس من بيع السلاح فقط، بل من خلال فرصة بيع قطع الغيار لهذا السلاح على مدى 20 إلى 30 سنة أيضاً. والآن صار بإمكان الجيش صنع قطع الغيار بنفسه. وهذا يعني بدوره أن بإمكان شركات الدفاع صنع أشياء أخرى. فيمكنها أن تصنع في أحد الأيام أطراف أجنحة لطائرة F15، ويمكنها أن تصنع في اليوم التالي أغطية لهاتف آيفون. وهكذا ستُحدث هذه التكنولوجيا تغييرات جذرية، وعلينا أن ننتظر لنرى ما ستسفر عنه. هذا يشبه في رأيي ظهور خط التجميع.

أخبرنا قليلاً عن كتابك الجديد "الأسطول الشبح".

يتناول الكتاب ما سيحدث إذا رأينا حروباً تختلف عن أنواع الحروب التي عرفناها في العقد الأخير. فقد اعتدنا رؤية المتمردين والأعمال الإرهابية، ولكننا قد نشهد عودة إلى الحروب بين الدول. وقد نرى هذا في أوروبا مع اشتداد التوتر بين روسيا وحلف الناتو بعد ضم روسيا لجزء من أوكرانيا. وهناك أيضاً سباق تسلح بين الولايات المتحدة والصين في المحيط الهادي، حيث بنت الصين عدداً من السفن الحربية يفوق ما بنته أي دولة أخرى خلال سنوات عدة، وطورت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية لمواجهة هذا بجيل جديد من الأسلحة. فالأوضاع الجيوسياسية قد تتغير بشكل ننسى معه قلقنا من انهيار دول فاشلة مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا. علينا أن ندرك أن العالم لن يبقى على حاله إلى الأبد، وأن هناك أيضاً خشية من وقوع حرب بين الدول. كتاب "الأسطول الشبح" هو رواية تشبه قصص توم كلانسي، وتحكي عما يتغير في الحرب، وعن التكنولوجيات الجديدة التي قد يكون لها القول الفصل فيها.  

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات