الاختراق الأجنبي للتعليم يهدد الهوية الوطنية في دولة الإمارات

  • 10 أكتوبر 2010

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلتين مع كل من الدكتورة مريم سلطان لوتاه؛ أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة الإمارات العربية المتحدة، والدكتورة حصة عبدالله لوتاه؛ أستاذ الاتصال الجماهيري المساعد بالجامعة نفسها، ركزت على مناقشة عدد من القضايا المتصلة بواقع التعليم ومستقبله في دولة الإمارات، مثل تغريب التعليم، والتوازن المطلوب بين الأصالة والمعاصرة في النظام التعليمي، ودور التعليم في ترسيخ الهوية الوطنية، وإصلاح التعليم. وقد أُجريت هاتان المقابلتان على هامش مشاركة الباحثتين في فعاليات المؤتمر السنوي الأول للتعليم، والذي نظمه المركز، في الفترة من 5-6 أكتوبر 2010.

س1: هل نوعية التعليم متدهورة في دولة الإمارات؟ ولماذا؟

ج: ترى د. مريم لوتاه أن هناك حالة تردٍ عربي شامل، غير أن الجميع اتفق على أن المجال المسموح بانتقاده هو التعليم؛ وكأنه المسؤول عن الخلل الكلي، مشيرة إلى أن كثرة الحديث عن خلل التعليم من دون تحديد مواطن الخلل الحقيقية، ومن دون توفير حلول ملائمة، خلق صورة نمطية مغلوطة عن واقع التعليم في الدولة، وجعله يتخبط من تجربة إلى أخرى، ودفع القائمين عليه إلى استقدام الخبرات الأجنبية التي قد لا تفيد كثيراً في إصلاح ما هو قائم. وتؤكد الباحثة أن نتاج النظام التعليمي القائم ليس سلبياً في مجمله؛ فأكثر المشاركين في هذا المؤتمر من العرب والمواطنين هم نتاج المؤسسات التعليمية العربية، وكثير منهم عمل وتميز في مجالات متنوعة داخل العالم العربي أو خارجه.
وتعتقد الدكتورة مريم أن حل المشكلة يكمن في الإجابة على سؤال مهم هو: لماذا نتعلم؟ لافتة إلى أن الهدف من التعليم هو الارتقاء بالإنسان. وهذا الهدف لن يتم تحقيقه بمصادرة حق الإنسان في أن يتعلم بلغته الأم، وتحطيم نموذج المعلم العربي أمامه، ومنعه من التفاعل في العملية التعليمية بشكل طبيعي بحكم حاجز اللغة. وبصورة محددة، تجزم الباحثة أن المشكلة بدأت عندما تم حصر الغاية من التعليم في الوفاء باحتياجات سوق العمل المتغيرة والمتقلبة بطبيعتها؛ فأصبح سوق العمل هو الموجه للسياسات التعليمية، بشكل ترتب عليه إلغاء كثير من التخصصات المهمة. وتضيف أن سوق العمل في الدولة مفتوح للجميع؛ ولا يقدم أية ضمانات حقيقية للمواطن. فالقطاع الخاص لم يلتزم حتى بالنسبة التي أقرتها الحكومة الاتحادية لتوظيف المواطنين، على الرغم من كل الضغوط. وإذا لم يتم تصحيح شروط سوق العمل، وإعادة الاعتبار للغاية الحقيقية من التعليم التي هي أسمى من الوفاء بمتطلبات هذا السوق؛ ستظل "أسطوانة" تدهور التعليم تعاد وتردد.

وتتفق د. حصة لوتاه مع كثير من جوانب الرؤية السابقة، حيث ترى أن الفكرة التي يتم ترويجها عن تدهور نوعية التعليم في المنطقة هي أكذوبة تصب في صالح خدمة الشركات وبيوت الخبرة الأجنبية؛ التي تستغل هذه المقولة لتسوّق خبراتها، وتحصل على المال من دول هذه المنطقة. وتسلط الدكتورة حصة الضوء على تجربة الاعتماد على بيوت الخبرة الأجنبية؛ مبينة أن الانتقال من بيت خبرة أجنبي إلى آخر من دون إعطاء الفرصة لتطبيق البرامج يسبب إرباكاً في السياسة التعليمية، ويؤدي إلى هدر جزء كبير من ميزانية التعليم. ثم إن هؤلاء الخبراء الأجانب لا يفهمون، بحسب الباحثة، خصائص البيئة المحلية، ويشكلون جزءاً من ظاهرة "الاختراق الأجنبي للمؤسسات التعليمية في الدولة"؛ ففي العديد من المؤسسات التعليمية، بما فيها جامعة الإمارات، تجد أن كادر التعليم بأكمله من الأجانب.

س2: ماذا يقصد بعملية "تغريب التعليم"؟ وما هو التوازن الصائب في تعلم مهارة اللغة الإنجليزية؟

ج: تتفق الباحثتان على أنهما ليستا ضد تعلم اللغة الإنجليزية، ولكنهما تؤكدان ضرورة أن تكون العربية هي الأساس، وتتشاركان الرأي في توصيف الآثار السلبية للتعليم بلغة أجنبية، والمتمثلة، بالإضافة إلى ضعف التحصيل، في الحصول على خريجين لا يعرفون اللغة العربية، ولا يستطيعون المنافسة باللغة الإنجليزية، وفي كثير من الأحيان يكون مستواهم ضعيفاً فيها أيضاً. وترى الباحثتان أن التوازن الصائب فيما يخص تعلم اللغة الإنجليزية هو تعلم مهارات هذه اللغة وإتقانها، وليس تدريس المواد الأكاديمية بها، والتي يجد الطالب صعوبة في تحصيلها بلغته الأم.

وتدرج الدكتورة حصة ظاهرة "تغريب التعليم" في منطقة الخليج في إطار ظاهرة أكبر، وهي العلاقة بين اللغة والقوة. وترى أن الدول الكبرى تفرض لغتها وثقافتها على الآخرين؛ ويمكن الاستدلال على ذلك من الخبرة التاريخية، بما فيها الخبرة العربية في إسبانيا. فلو كان العرب في وقت قوتهم ومجدهم، ما شهدنا هذا الإقبال الكبير على تعلم اللغة الإنجليزية. وتجزم الباحثة أن التعليم باللغة العربية يخدم مصلحة الطالب لجهة تحصيله وتلقيه تعليماً جيداً، وذلك بصرف النظر عن تداعيات فرض لغة أجنبية على الطلاب على مسألة الهوية.

أما الدكتورة مريم، فتضع "تغريب التعليم" في إطار طغيان التدخل الخارجي في السياسة التعليمية منذ التسعينيات، ولاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر، والذي شمل المناهج، ولاسيما اللغة العربية والتربية الإسلامية والوطنية والتاريخ. وهذا الاتجاه يبعد التعليم عن مساره وهدفه، وهو خلق مواطن صالح. ومع ذلك، تؤكد الباحثة أن هناك حاجة ماسة لإجادة اللغات الأجنبية للانفتاح على الثقافات الأخرى والتفاعل الإيجابي معها. ولكن إجادة اللغة الإنجليزية للتواصل مع الآخر يختلف تماماً عن التدريس بها. فعندما تتحول مسألة تدريس اللغة الإنجليزية إلى غاية، وليست وسيلة، هنا تكمن الخطورة؛ لأننا نكون إزاء مدرس أجنبي ومنهج أجنبي ولغة أجنبية. وهذا كله ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي للطالب، وعلى قدرته على التفاعل الإيجابي. وتضرب الباحثة مثلاً على ذلك بنموذج الدول الإسكندنافية. ففي هذه الدول، تدرس الجاليات العربية والمسلمة فيها وفقاً لنظمها التعليمي، ولكنها توفر لها خدمة أخرى وهي تدريس هذه الجاليات بلغاتها الأم، وتعليمهم دينهم؛ لأنهم وجدوا أن الإنسان المنتمي إلى ثقافته أكثر قدرة على الاندماج في الثقافات الأخرى.

س3: كيف يمكن إصلاح التعليم في دولة الإمارات؟

ج: ترى د. مريم لوتاه أن أولى خطوات الإصلاح تتمثل في تعزيز قيمة العلم والمعرفة في كل الفروع، والنهوض بمكانة المعلم، وهي القيم التي تراجعت في ظل طغيان قيم السوق وربط العملية التعليمية بمتطلباته. كما أنها تريد إلى إعادة النظر في الغاية من التعليم؛ بحيث تكون خلق مواطن صالح، وليس مجرد "موظف صالح"، مؤهل وقادر على التعامل مع المستجدات، وفهم ذاته وفهم محيطه، وحل مشكلاته بشكل صحيح، وتأسيس نظام تعليمي يمكّن أبناء الوطن من أن يصبحوا شركاء في بناء المعرفة الإنسانية، وليسوا تابعين أو خاضعين لها. وتشدد الباحثة على ضرورة أن يتم التدريس في جميع المراحل التعليمية باللغة العربية؛ لأن التعليم بلغة الآخر يفضي إلى تقليده، وليس إلى الإبداع.

وتطالب الدكتورة مريم بتدعيم قيمة الحرية في النظام التعليمي، سواء بالنسبة للعلاقة بين الطالب والمعلم أم العلاقة بين الأخير والإدارة التعليمية؛ لأن مناخ الحرية وتشجيع الفكر النقدي هو وحده القادر على تهيئة المجال لتلقي وإنتاج المعرفة. وتناشد الدولة بأن تنفق بسخاء على التعليم والبحث العلمي، وأن توظف هذا الإنفاق توظيفاً صحيحاً، بحيث لا يهدر على استقدام الخبرة الأجنبية والتجارب التعليمية من دول أخرى، والتي يقوض بعضها البعض الآخر، وتربك النظام التعليمي بدلاً من أن تطوره. وتشدد الباحثة على ضرورة التعامل مع عملية إصلاح التعليم على أنها عملية بناء ذاتية، لا تقوم على استيراد النماذج الجاهزة أو محاكاتها؛ فأي عملية تطوير حقيقية ينبغي أن تكون داخلية لا خارجية، وأن يكون الموجه للسياسات التعليمية ذاتياً.

أما د. حصة لوتاه، فترى أن اعتبار الفكر الغربي المرجعية الوحيدة سيقود في النهاية إلى أخطاء كثيرة، وأن هناك ضرورة للاستناد إلى الفكر الثقافي الإسلامي في التربية؛ حيث أسس النظرة المتكاملة إلى الكون والعلوم. وتعتبر الباحثة أن جزءاً من المشكلة يكمن في إسناد عملية التعليم إلى غير المختصين وغير المدركين للمنجزات الفكرية الإسلامية التي يمكن تطبيقها في العملية التعليمية. وتضيف أن كثيراً من دعوات إصلاح التعليم في الدولة حديثاً تزعم أنها تهدف إلى نشر روح التسامح عند الطلاب، والحقيقة أن إلغاء الفكر الإسلامي، الذي يقبل التعددية في جوهره، هو ما سينتج التعصب، ويُبعد الإنسان عن التوازن الذي ننشده. لقد أدركت بعض المجتمعات الأوربية الحديثة فداحة الخطأ الذي ارتكبته، عندما جزَّأت العلوم، ونظرت إليها بوصفها حقولاً منفصلة. ولكنها تداركت ذلك، بتبني ما يسمى "نظم التعليم البينية"؛ حتى تعيد بذلك التوازن إلى المخرجات العلمية في نفوس الطلاب. وإذا ألقينا نظرة فاحصة ومتأملة إلى الصيغة التي وضعها العلماء العرب والمسلمون لمفهوم العلم، وجدنا أنه يؤسس على نظرة شاملة ورؤية متوازنة، لما يجب أن يكون عليه كل من: العالم، وطالب العلم.

س4: أدركت الحكومة الاتحادية أن التعليم لا غنى عنه لترسيخ مبادئ الهوية الوطنية لدى الطلاب، وتحقيق التوازن بين الخصوصية والانفتاح على التطور العلمي الذي يشهده العالم. هل استطاع نظام التعليم في الدولة تحقيق ذلك؟

ج: تتفق الباحثتان على أن التعليم أساس الهوية الوطنية، وعلى أن العلاقة وثيقة جداً بين اللغة العربية وتثبيت الهوية الوطنية في دولة الإمارات؛ خاصة في ظل حالة الاختلال الديمغرافي، التي تجعل المواطنين أقلية في وطنهم.

وترى الدكتورة مريم لوتاه أنه لا مجال لتعزيز الهوية الوطنية إلا من خلال تعزيز ركيزتيها، وهما اللغة والدين، باعتبارهما ركيزتين متكاملتين. وهذا لا يعني، بحال من الأحوال، خلق نوع من التعصب للهوية العربية، أو خلق حالة من الاختلاف مع الهويات الأخرى. فالجميع يعتز بهويته، والجميع قادر على التعامل بشكل إيجابي ومنفتح مع الثقافات الأخرى. وإذا كانت الدولة وقيادتها قد استشعرت الخطر وسعت إلى تعزيز الهوية، فإن المؤسسات التعليمية تسير في الاتجاه المعاكس، وتقلل من شأن اللغة العربية، وتمارس سياسات تغرب الطالب عن لغته وثقافته عبر المدرس الأجنبي والمنهج الأجنبي واللغة الأجنبية. كذلك، فإن المدارس الخاصة التي يقع أكثرها في أبوظبي لا تخضع لرقابة وزارة التربية والتعليم، ولها مناهجها الخاصة. فمن سيضمن تعزيز الهوية الوطنية للمواطنين الملتحقين بهذه المدارس.

من جهتها، ترى الدكتورة حصة أن النظام التعليمي يجب أن يقوم بدوره في تعزيز الهوية الوطنية والذاتية الثقافية لمجتمع الإمارات كونه مجتمعاً عربياً. وهناك جوانب ثابتة للهوية الوطنية، تأتي اللغة على رأسها؛ فهي الوعاء الحقيقي الناقل للمعرفة والفكر والثقافة، ووسيلة التواصل مع تراث الأمة. وتؤكد الباحثة أنه "إذا كسر هذا الوعاء، تضعضعت باقي المكونات"، ولاسيما العلاقة بالتراث والثقافة. وتضيف أن الاختراق الثقافي الداخلي للمؤسسات التعليمية يؤثر في قيم الولاء والانتماء، وبالتالي تفريغ الهوية الوطنية من أركانها الرئيسة، وهي الدين واللغة والقيم والتراث والتاريخ. وقد يفضي ذلك إلى إصابة المجتمع بالفتور، وتلاشي أواصر التماسك الاجتماعي، وتبدد القيم التي تبعث على النهوض.

Share