الاحتكام إلى القانون في العراق

  • 8 فبراير 2010

في الوقت الذي من المقرّر أن تجرى فيه الانتخابات التشريعيّة في العراق في شهر مارس المقبل، فإن قضيّة "المستبعدين" من المشاركة فيها للاشتباه في علاقتهم بـ "حزب البعث" المنحلّ، تثير الجدل حول العمليّة الانتخابيّة، والظروف التي سوف تتم فيها، وتأثيرها في مجمل المشهد السياسي العراقي، خاصّة أن هذه القضية تسبّب الكثير من الخلاف والتوتر بين القوى السياسيّة المختلفة منذ أن رفضت "هيئة المساءلة والعدالة"، التي حلّت محل "هيئة اجتثاث البعث"، طلبات 517 مرشحاً بتهمة الانتماء إلى "حزب البعث" المحظور من الناحية الدستوريّة، أو الترويج له. وعلى الرّغم من إحالة المسألة إلى جهة قضائيّة هي "الهيئة التمييزيّة"، التي تضم سبعة قضاة، فإن هذا لم يطوِ صفحة الخلاف، أو ينزع فتيل التوتّر، لأن قرار هذه الهيئة السماح للمستبعدين بالمشاركة في الانتخابات على أن يتم النظر في أمرهم بعد انتهائها، أحدث انقساماً حادّاً في الساحة العراقيّة بعد الانتقادات التي وجّهتها قوى مختلفة، على رأسها الحكومة العراقية نفسها، إلى هذا القرار.

ولكن على الرّغم من التباينات في وجهات النظر، فإن الصورة ليست سلبية كلّها، وإنما لها جانبها الإيجابي الذي يتمثل في الحرص الواضح من قبل الأطراف جميعها على إيجاد تسوية مقبولة من القوى العراقية كلّها لقضية المستبعدين، تفتح المجال لإجراء الانتخابات في موعدها من دون تأخير أو تأجيل، في هذا السياق يأتي الاجتماع الذي ضمّ الرئاسات المختلفة في العراق يوم السبت الماضي، وانتهى إلى الاتفاق على تكليف "الهيئة التمييزيّة" إصدار رأي حول القضية قبل بدء الحملة الانتخابيّة في الثاني عشر من شهر فبراير الجاري. ولعلّ من الإشارات المهمّة التي وردت في البيان الصادر بعد الاجتماع من قبل رئيس الوزراء، نوري المالكي، تأكيد الاحتكام في معالجة المشكلة إلى القانون، وتقديم الإيضاحات إلى "الهيئة التمييزيّة" التي أرادت استيضاحها، والنظر في الطعون وفق الأدلة المقدّمة إليها. عندما يكون القانون هو المرجعية الأساسية التي يحتكم إليها الجميع في القضايا الخلافيّة على الساحة العراقية، فإن هذا يتيح للأمور أن تمضي إلى الأمام من دون التعرّض لأزمات أو مشكلات، كما يحول دون سيطرة الاعتبارات الطائفيّة والمذهبيّة على توجيه مسار الأحداث والتفاعلات، خاصة إذا ما التزم الجميع المقرّرات القانونيّة.

الأولوية للقوى السياسية العراقية كلّها الآن يجب أن تكون هي العمل من أجل إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المحدّد الشهر المقبل، وأن يخرج العراق من عنق الزجاجة نحو فضاء أرحب من المصالحة والمواطنة والتنمية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر الحلول الوسط التي تقتضي تنازلات متبادلة بعيداً عن تشبّث كلّ طرف بموقفه وشروطه، لأنه من دون هذه الحلول الوسط سوف تستمرّ البلاد تدور في حلقة مفرغة من الاضطراب والتوتر والتأزّم، وستظل العمليّة السياسية تعاني مظاهر خلل عديدة تمنعها من تأسيس نظام سياسي قوي ومستقر ومقبول من الجميع.

Share