الاحتجاجات الشعبية في العالم العربي.. الأسباب والتداعيات

  • 2 فبراير 2011

شهدت دول عربية عدة في الآونة الأخيرة موجة من التظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة المطالبة بالإصلاح والتغيير احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها. وكانت البداية في تونس التي تمكنت التحركات الشعبية فيها من إطاحة نظام الرئيس زين العابدين بن علي، قبل أن تنتشر في بلدان أخرى مثل اليمن والأردن والجزائر بشكل أقل حدة، وتصل ذروتها في مصر التي شهدت موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية أدخلت البلاد في حالة مقلقة من الاضطراب والفوضى، تنذر بتداعيات خطيرة، ليس فقط على مصر، وإنما على منطقة الشرق الأوسط برمّتها.

لقد كانت المطالب الشعبية التي رفعها المحتجون في هذه التظاهرات كاشفة إلى حد بعيد عن الأسباب والعوامل التي تقف وراءها، وعلى رأسها المشكلات الاقتصادية والتنموية التي تعاني منها هذه البلدان، ولاسيما انتشار الفقر والبطالة وتدني مستويات المعيشة وارتفاع الأسعار، والتي مثلت عناصر ضاغطة على فئات كثيرة من المواطنين. وهذه المشكلات لم تبرز فجأة، ولم تكن تخفى على كثير من المتابعين والسياسيين الذين حذروا مراراً من تبعاتها، ولاسيما فيما يتعلق بمشكلة البطالة التي كانت تُعدّ بمثابة قنبلة موقوتة، فمعدلات البطالة في العالم العربي هي الأعلى على مستوى العالم؛ حيث بلغ عدد العاطلين في العام 2009، طبقاً لبيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد، نحو 14 مليون عاطل، بنسبة تقدر بنحو 14.8% من إجمالي القوة العاملة، في حين أن معدل البطالة العالمي لم يتجاوز 6.6%.

وبطبيعة الحال تتفاوت حدة هذه المشكلة من بلد لأخر، ففي مصر بلغ معدل البطالة في العام 2010، وفقاً للأرقام الرسمية، نحو 9.4%، فيما تقدره مصادر أخرى بأعلى من ذلك بكثير. وتتركز البطالة بصفة أساسية في فئة الشباب من خريجي الجامعات، فيما تصل نسبة من هم دون خط الفقر في البلاد إلى نحو 40% بحسب بعض التقديرات، هذا إلى جانب ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 10% خلال عام 2010، وتدني مستويات الأمن الغذائي التي عبرت عن نفسها في أزمة الخبز التي شهدتها البلاد العام الماضي. ورغم أن الاقتصاد المصري نجح في تحقيق معدلات نمو جيدة في السنوات الأخيرة، فإن توزيع عوائد التنمية لم يتم بالشكل المتناسب، ما زاد من حدة الاحتقان لدى بعض فئات المجتمع.

لقد كشفت الاحتجاجات الشعبية في العديد من الدول العربية أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية تشكل تحدياً خطيراً لأمن المجتمعات واستقرارها، ورغم أن هناك جهود تبذل منذ فترة ليست بالقصيرة للتعاطي مع هذه المشكلات عبر تنفيذ برامج وخطط تنموية متنوعة، فإن نتائج هذه التحركات لم تلب المطالب الشعبية التي انفجرت في شكل تظاهرات احتجاجية صاخبة، عززها وجود إحساس عام في هذه المجتمعات بانتشار الفساد المالي والإداري واستئثار فئات معينة بجني ثمار البرامج التنموية.
بيد أن المشكلات التنموية لم تكن العامل الوحيد المحرك للاحتجاجات الشعبية، وإن كانت هي الأبرز والأهم، فهناك أسباب أخرى كشفتها مطالب المحتجين مثل حالة الركود السياسي التي خلقتها بعض النظم السياسية، وضعف قنوات التواصل والحوار بين الحكومات والشباب الذي يرى بعض المحللين أنه لم يتمكن من التعبير عن آرائه من خلال آليات مؤسسية شرعية، فلجأ إلى الشارع للتعبير عن رأيه.

كما كشفت هذه الاحتجاجات الشعبية عن الدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه وسائل الاتصال الحديثة في حشد الشباب وتعبئته ودفعه إلى إحداث تغيرات سياسية كبرى، فقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي مثل الـ"فيسبوك" و"تويتر" والرسائل النصية القصيرة (إس إم إس)، فضلاً عن القنوات الفضائية، دوراً أساسياً في تفجير تظاهرات تونس ومصر، وحشد الشباب في مختلف المناطق. وتتميز هذه الوسائل بصعوبة السيطرة عليها من جانب الحكومات، وبقدرتها على تحقيق التواصل السريع والواسع بين الشباب، ليس فقط داخل البلد الواحد، وإنما على امتداد العالم.

البعد الآخر المهم الذي أوضحته هذه الاحتجاجات الشعبية هو ذلك المتعلق بضعف عملية التثقيف السياسي والتنشئة السياسية للشباب والفئات الأخرى في المجتمعات العربية، وهو الضعف الذي اتضحت نتائجه في الخلط بين حرية إبداء الرأي والتعبير عن المواقف من خلال آليات إيجابية مقبولة قانونياً ومجتمعياً، وعمليات التخريب والتدمير التي تعرّض أمن الشعوب واستقرارها للخطر. ففي مصر شهد كثير من المدن خلال التظاهرات الاحتجاجية عمليات تخريب للممتلكات العامة والخاصة، أشاعت جواً من الفوضى والانفلات الأمني الذي انعكس بصورة خطيرة على الاقتصاد المصري وحمله بأعباء جديدة. فبخلاف الخسائر المباشرة التي تحملها هذا الاقتصاد في صورة تدمير للأصول والممتلكات، تكبدت البورصة المصرية خسائر تقدر بنحو 12 مليار دولار خلال آخر جلستي تداول يومي 26 و27 يناير 2011، وتزامن ذلك مع موجة واسعة لخروج رؤوس الأموال الأجنبية من البورصة، كما خفضت الوكالات العالمية للتصنيف الائتماني، كوكالة "فيتش" و"موديز" التصنيف الائتماني للديون المصرية؛ حيث غيرتها من التصنيف "الآمن" إلى التصنيف "السلبي". وكان القطاع السياحي الذي يسهم بنحو 11.4% من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف نحو 13.3% من القوى العاملة المصرية، هو الأكثر تأثراً بهذه الأوضاع المضطربة التي شهدتها البلاد؛ حيث سارعت الشركات والوفود السياحية إلى إلغاء الحجوزات المخططة، وسارعت الدول إلى إجلاء مواطنيها من السياح الموجودين في مصر، ويُتوقع أن يكون لهذه الأزمة آثارها السلبية في ثقة المستثمرين بالاقتصاد المصري على المديين القصير والمتوسط، وقد يترتب عليها نزوح للاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن حدوث تراجع حاد في تدفق الاستثمارات الجديدة كنتيجة لحالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية التي يعانيها البلد.

ولم تقتصر التداعيات التي نجمت عن الأوضاع المضطربة في مصر خلال هذه الاحتجاجات الشعبية على الاقتصاد المصري، وإنما امتدت إلى الاقتصادين الإقليمي والعالمي؛ حيث تجاوز سعر برميل النفط عتبة مائة دولار للمرة الأولى منذ أكثر من سنتين، فيما شهدت أسواق المال الإقليمية والدولية تراجعاً ملحوظاً متأثرة بهذه الأوضاع التي شهدتها أكبر دولة عربية في المنطقة، والتي رأى بعض المحللين أنها أعطت إشارات سلبية فيما يتعلق بالمناخ الاستثماري السائد في المنطقة.

ويخشى كثير من المحللين من أن تمتد هذه الاحتجاجات الشعبية إلى دول أخرى في المنطقة، متأثرة بما حدث في تونس ومصر، فيما أصبح يُعرف باسم "عدوى الاحتجاجات"، الأمر الذي قد يهدد حالة الأمن والاستقرار في المنطقة، وربما يقود إلى حدوث تغيير كبير في خريطتها السياسية، وإن كان هناك من يرى أن هذه الاحتجاجات قد تكون الوسيلة الوحيدة المتاحة لإحداث تغيير تطمح إليه كثير من الشعوب العربية التي تعاني الفقر والبطالة وانسداد الأفق السياسي.

إن ما شهدته بعض الدول العربية من احتجاجات شعبية، وما ترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، يفرض على الحكومات العربية التحرك السريع باتجاه تنفيذ البرامج والخطط التنموية القادرة على تخفيف الضغوط عن الطبقات الفقيرة، وفتح قنوات الحوار والتواصل الفاعل مع الأجيال الجديدة، واستيعاب الشباب ودمجهم في عملية صنع القرار ليكونوا عنصراً فاعلاً في مسيرة التنمية، لا معولاً للهدم وعدم الاستقرار.

Share