الاتفاق بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية.. السياق والأهمية والدلالات

  • 23 أكتوبر 2019

وقعت الحكومة السودانية والجبهة الثورية أخيراً، وبعد مفاوضات طويلة، الاتفاق السياسي، واتفاق وقف العدائيات بينهما؛ ما يمثل خطوة مهمة نحو إحلال السلام في هذا البلد العربي الذي مزقته الحروب والنزاعات الداخلية.
الاتفاق التي تم توقيعه أول أمس الاثنين في جوبا عاصمة جنوب السودان، بين وفدي الطرفين: الحكومة، برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي»، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة السوداني ورئيس الوفد الحكومي السوداني لمفاوضات السلام، والجبهة برئاسة الهادي إدريس، رئيس الجبهة الثورية السودانية، جاء بعد مفاوضات ماراثونية، وفي سياق توجه الحكومة الانتقالية الجديدة في السودان برئاسة عبدالله حمدوك التي أكدت منذ اليوم الأول من تشكيلها أن إحلال السلام في البلاد أحد أهم أولوياتها؛ وقد حظيت هذه المفاوضات بدعم دولي كبير سياسي ومادي. وتضمن الاتفاق بين الجانبين سبعة بنود شملت وقف العدائيات وتنفيذ شعارات الثورة السودانية وتحقيق العدالة الانتقالية بشكل صارم.
ويبدو الاتفاق فعلاً خطوة مهمة؛ حيث يؤكد حرص مختلف الأطراف على الاضطلاع بمسؤوليتها في هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد بعد إطاحة الرئيس عمر حسن البشير إثر احتجاجات شعبية واسعة. وتبدو الفرصة بالفعل مهيأة لتحقيق اختراقات في ملفات عدة من أهمها دون شك إحلال السلام؛ حيث يمثل هذا مقدمة لحل ملفات أخرى، من أهمها الاقتصاد، إذ تستنزف الحروب مقدرات الدولة، كما أنها مع عوامل أخرى من بينها الفساد والترهل وسوء الإدارة، أرهقت اقتصادها؛ فضلاً عن أنها كانت سبباً من أسباب فرض عقوبات دولية قاسية على الخرطوم؛ ولذلك فإن تحقيق السلام سيساعد الحكومة الجديدة وكذلك النظام ككل في تحقيق العديد من الأهداف التي مثلت في الواقع دافعاً للاحتجاجات الواسعة التي أحدثت التغيير الجذري في البلاد، ومهدت إلى حدوث مثل هذه الاتفاقيات.
وتبدو الأطراف المختلفة ملتزمة بهذا النهج، فقد أكد الفريق أول حميدتي، استعداد الحكومة السودانية لاتخاذ قرارات كبيرة وشجاعة من أجل السلام والاستقرار؛ وقال في كلمة عقب مراسم توقيع الاتفاق، إن المفاوضات التي رعتها حكومة جنوب السودان، أكدت «أننا شركاء، نحمل إرادة موحدة لتحقيق السلام المستدام في السودان»؛ ولذلك تمكن الطرفان في أسبوع واحد من تحقيق «ما عجز النظام السابق عن تحقيقه في سبع سنوات». وأكد أن حرص الحكومة على تحقيق السلام مرتبط بالالتزام بالوثيقة الدستورية ومبادئ ثورة ديسمبر (2018)، مشيراً إلى ظهور إرادة جديدة في السودان لإحلال «السلام الشامل الذي يضع البلد على الطريق الصحيح».
كما أكد الهادي إدريس، من جهته، وجود إرادة مشتركة لدى الوفدين للتوصل إلى السلام الشامل، وأشار إلى أن وفد الحكومة السودانية المفاوض يملك الجدية لتحقيق السلام، و«أن تحقيق السلام وإنهاء الصراع في السودان بات وشيكا».
هذه التصريحات بالطبع تعكس جدية الطرفين في المضي قُدما نحو تحقيق اتفاق سلام شامل، يتضمن دارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وشرق السودان، ووسط وشمال السودان؛ وتعكس أيضاً جدية وحرص الحكومة السودانية على تحقيق ما وعدت به؛ قبل وبعد تشكيلها؛ وقد أكد رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك- في كلمته للشعب السوداني الاثنين في ذكرى ثورة أكتوبر- أن حكومته بدأت في إزالة آثار تمكين النظام البائد، وأن قضية تحقيق العدالة بالنسبة إليها بعد أساسي، وأشار إلى تشكيل حكومته لجنة للتحقيق في أحداث فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش والتي تسببت في مقتل وجرح المئات، ولجنة أخرى لإعادة المفصولين. إذن، السودان بتوقيع هذه الاتفاقيات وبروز الروح الوطنية القوية يدخل مرحلة جديدة، وهناك بالفعل مؤشرات إيجابية إلى إمكانية تحقيق السلام المنشود في البلاد والمفقود منذ عقود، حيث أظهرت مختلف الأطراف الحرص على فتح صفحة جديدة في تاريخ السودان؛ كما أن هناك دعماً إقليمياً ودولياً واضحاً.
هذا كله، لا يمنع من الاعتراف بأن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، وذلك بحكم طبيعة النزاعات القائمة والتي اختلط فيها القبلي بالوطني؛ وكذلك المآسي الإنسانية التي تسببت فيها؛ كما أن هناك تحدي التنفيذ، حيث تكمن «الشياطين في التفاصيل».

Share