الاتفاق النووي يصبح "جيّداً" إذا أسهم في الاستقرار الإقليمي

عبدالوهاب بدرخان: الاتفاق النووي يصبح "جيّداً" إذا أسهم في الاستقرار الإقليمي

  • 23 يوليو 2015

فتح الاتفاق الذي توصلت إليه مجموعة الدول الـ 5+1 مع إيران بشأن تقييد برنامجها النووي، مجالات عدة للتحليل والتوقّع، سواء في ما خصّ مرحلة الأزمة التي أدّت إلى التفاوض أو بالنسبة إلى تداعيات الاتفاق في المرحلة المقبلة. وطوال الأعوام العشرة الماضية لعبت عناصر عدة أدواراً متقاطعة ومتشابكة في تعقيد الأزمة: فمنها ما استثمر في طموحات إيران كروسيا مثلاً، التي بنت المفاعلات النووية ثم استفادت من العقوبات بمبيعات الأسلحة وغيرها، فضلاً عن الصين التي جنت أكبر الفوائد من العزلة الإيرانية بشرائها نفطاً رخيصاً وانفرادها بسوق سلعية كبيرة… ومنها على الجانب الآخر ما عمل على تشديد القيود والشروط الأمريكية الغربية كإسرائيل التي أثارت مسألة التهديد النووي الإيراني لأمنها ونالت بفضلها امتيازات عسكرية إضافية لم تمنعها من مواصلة الحض على الخيار العسكري ضد إيران، أو كالكونغرس الأمريكي الذي استغلّ أعضاؤه الأزمة لأهداف ومصالح شتى لا علاقة لها بـ "الخطر النووي" لكنهم واظبوا على تزكية التشدد الإسرائيلي.  

لا شك في أن اتفاق فيينا في الرابع عشر من يوليو سيفرض على جميع هذه الأطراف مراجعة سياساتها؛ لأنه يحقق أمرين: الأول، يحقق المصلحة الدولية بمعالجة أساس الأزمة، إذ فتحت المفاوضات الملف النووي الإيراني (ما لم يكن هناك جانب سرّي غير معروف) وانكبّت على إخضاعه لمعايير البرامج النووية ذات الأهداف السلمية، كما فرضت عليه آليات رقابة صارمة لمدة عشر سنوات. والآخر يحقق مصلحة إيران، إذ نص الاتفاق على رفع العقوبات التي فرضت عليها، بدءاً من عام 2006 تباعاً لحثّها، أولاً على التفاوض، ثم على تعاون أفضل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، ثم للضغط عليها كي تحسم أمرها بالتفاوض جدياً… وبات واضحاً الآن أن إيران لم تفاوض جدّياً إلا مرتين: الأولى في عام 2004 عندما وافقت على تجميد تخصيب اليورانيوم لقاء بعض الحوافز الاقتصادية. والثانية، منذ عام 2013، وصولاً إلى الاتفاق النهائي الذي أصبح الآن قراراً دولياً بعدما صدق عليه مجلس الأمن بالإجماع في (20 يوليو 2015)، وفي المرّتين كان حسن روحاني حاضراً، ففي الأولى كان كبير المفاوضين (في عهد الرئيس محمد خاتمي) وفي الثانية أصبح رئيساً للجمهورية.

كان واضحاً دائماً أن قطبَي المفاوضات هما: الولايات المتحدة وإيران، لكن صيغة الـ 5+1 (التي ضمّت أيضاً روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) سعت إلى إيجاد نوع من التوازن. لكن يجدر التذكير بأن قرار التفاوض نفسه انطوى على صعوبات لدى الجانبين الأمريكي والإيراني، فكلاهما كان يرفض مبدأ التفاوض مع الآخر، وكانت لديه تحفظات "أيديولوجية"، فالأمريكيون كانوا يرفضون النظام الإيراني ولم يخفوا سابقاً رغبتهم في تغييره، كما أنهم لم ينسوا قضية رهائن سفارتهم في طهران عام 1980، وسلسلة المواجهات التي تلتها، أما النظام الإيراني فيعتبرون أن ثورته عام 1979 كانت ضد أمريكا بمقدار ما كانت ضد حكم الشاه. من الواضح أن الرئيس باراك أوباما حلّ هذه العقدة منذ حملته الانتخابية الأولى عام 2008 عندما وعد بالذهاب إلى أقصى حدّ في الحل الدبلوماسي للأزمة النووية، بالتوازي مع الانسحاب من العراق وأفغانستان، لكن المرشد الإيراني علي خامنئي استهلك خمسة أعوام قبل أن يقرر الانتقال من مرحلة التوتير مع محمود أحمدي نجاد إلى مرحلة التفاوض مع حسن روحاني، وأعطى لذلك ما يشبه الفتوى عندما أعلن أن التفاوض "انعطافة بطولية" في أكتوبر 2013.

لم تنطلق مفاوضات العامين الأخيرين من فراغ، فكل النقاط التقنية والفنية أشبعت درساً خلال المفاوضات المتقطّعة والمتنقّلة منذ عام 2006، لكن طهران لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات، وقد بدّدت جولات عدة في نقاش ما سمّته حقّها في أن يكون لديها برنامج نووي وتخصيب لليورانيوم، وكانت القرارات الدولية الأولى قد طلبت وقف التخصيب وتفكيك المنشآت والتخلّي عن البرنامج. ولم تقلع المفاوضات الأخيرة إلا بعدما أقرّت واشنطن بأن تلك المطالب القصوى ليست واقعية، وبأن لإيران الحق في برنامج نووي بشرط إثبات سلميته، وفقاً لمعايير وكالة الطاقة، فهناك عشرات من الدول الطبيعية والعادية التي تملك برامج لأهداف مدنية ولم تتعرّض لعقوبات أو مساءلات من وكالة الطاقة. ولعل تأييد الدول الـ 5+1 للعقوبات وتماسكها طوال الأزمة، برغم ما بينها من خلافات، يُظهران توافقاً على أن إيران لا تتصرّف كدولة طبيعية أو عادية، وبالتالي، فإن الخطوط العريضة التي جمعت هذه الدول أخذت في الاعتبار أن إيران تشكّل خطراً إقليمياً، بل إنها توافقت منذ البداية على أن هذا الخطر يمسّ "أمن إسرائيل"، وهي دولة إقليمية يحظى سلاحها النووي وتفوّقها العسكري بقبول ضمني مؤكّد من أعضاء الـ 5+1 كافة. ومن الواضح أن إيران، التي أثارت على الدوام حقيقة "إسرائيل النووية" وخطرها على الإقليم، أزاحت هذا الملف من التداول إعلامياً وسياسياً بغية عدم التشويش على المفاوضات من جهة، ولتعزيز اتجاه التقارب مع أمريكا من جهة أخرى.

ما الذي حققه الاتفاق؟ تثبيت ثم تخفيض وتقليص وتوقّف وتدقيق وتحقق وتأجيل. تغوص عشرات الصفحات في النص في تفاصيل تقنية لا يفهمها سوى الخبراء ويمكن إجمالها في هذه "التاءات". بدءاً من التثبيت وهو يعني أن البرنامج النووي باقٍ لكن سيصار إلى التحكّم في أنشطته ومفاعيله، ثم التخفيض الذي يتعلّق أولاً بالنسبة المسموح بها لتخصيب اليورانيوم لتكون في حدود 3,5% على غرار كل البرامج النووية السلمية المعروفة، ويتعلّق ثانياً بعدد أجهزة الطرد المركزي التي طلبت إيران استخدام نحو 19 ألفاً منها متوافرة لديها حالياً وأجيز لها نحو سبعة آلاف. ويعني التوقّف، موافقة إيران على عدم بناء منشآت جديدة لبرنامجها طوال 15 سنة، كما يعني أيضاً توقفها عن إنتاج البلوتونيوم من خلال مفاعل "أراك" للمياه الثقيلة الذي ستُجرى عليه تعديلات طالما أنه لا يزال في طور البناء. وبالنسبة إلى التدقيق والتحقق، فهما عنوانا المهمة الموكولة إلى وكالة الطاقة النووية ومفتشيها لتفقّد أي موقع يشتبهون في نشاطه، أما التأجيل، أخيراً، فهو لإمكان دخول إيران مرحلة تطوير سلاح نووي من مهلة شهرين كادت تبلغها إلى سنة. ومعلوم أن مدة أحكام الاتفاق تسري لعشر سنوات، ثم إن رفع العقوبات لن يكون فورياً كما ألحّت إيران، بل تدريجياً، أما الحظر المفروض على بيعها أسلحة سيبقى قائماً لخمس سنوات والحظر على بيعها صواريخ سيستمر لثماني سنوات.

هذه العناوين التقنية أتاحت للجانب الأمريكي تسويق الاتفاق كونه يبعد خطر الحرب عن الشرق الأوسط ويتيح "مساراً جديداً" مع إيران إذ يمنحها فرصة العودة إلى المجتمع الدولي، وفقاً للرئيس الأمريكي، كما سهّلت للجانب الإيراني اعتبار الاتفاق انتصاراً له، كونه احتفظ بالبرنامج النووي وأبقى الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات في المستقبل، فضلاً عن أنه لم يضع سياساته الأخرى تحت المحاسبة، وطالما أن الولايات المتحدة طوت صفحة الحرب فهذا يعني أنها ستسعى إلى تسويات مع إيران في ما يتعلّق بالقضايا الإقليمية. وعندما أعلن أوباما أن "خلافات عميقة" لا تزال قائمة بين أمريكا وإيران، وردّ المرشد خامنئي عليه بأن بلاده لن توقف دعمها للجماعات التي تناصرها في سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين والبحرين، كان واضحاً أن الطرفين شرعا لتوّهما في تحديد جدول أعمالهما المقبل. فالتسوية النووية لا تستقيم من دون تسويات سياسية، وخصوصاً أن واشنطن وطهران تتطلّعان إلى أهداف أخرى أبعد من الاتفاق النووي. ويكاد المحللون يجمعون على أن محور المرحلة المقبلة سيكون الاقتصاد وليس السياسة التي ستتم مقاربتها في سياق العقود البزنسية ولن تكون عائقاً أمامها.

لم تتخلَّ إدارة أوباما عن الهدف الذي أشارت إليه مراراً، وهو توجيه اهتمامها الاستراتيجي نحو آسيا لمواجهة المدّ الصيني والحدّ من رهانات روسيا على إيران. ولا شك في أن هذا الهدف الذي سيقلّص عملياً الانخراط الأمريكي المباشر في الشرق الأوسط لا يستطيع إسقاط اعتبارين مهمين كانا حتى الآن من ثوابت السياسة الأمريكية: أولهما، تبنيها الدائم لـ "أمن إسرائيل" مهما كانت الظروف في الشرق الأوسط. والثاني، الحفاظ على استقرار منطقة الخليج، ليس فقط من أجل النفط وإنما أيضاً لأن هذه المنطقة تدخل في استراتيجيتها الجديدة. فالاعتماد على إيران وحدها لن يكون متيسراً بالسرعة أو السهولة اللتين تتوخّاهما واشنطن، وحتى لو تأمن لها ذلك لا يمكنها الفصل بين الخليج وإيران أياً كانت الإمكانات التي تتوافر عليها هذه الأخيرة. لكن الأكيد أن السياسات الكبرى المقبلة ستتمحور حول الاقتصاد وليس على الحروب والصراعات العسكرية. فهذا هو جوهر "عقيدة أوباما" التي لا يُعرف ماذا سيبقى منها بعد الانتهاء القريب لولايته الثانية، ولا ماذا سيأخذ منها الرئيس الأمريكي المقبل.   

والواقع أن لدى إيران أسباباً للتعامل الإيجابي مع الأهداف الأمريكية، لكن بما يناسب أهدافها هي أيضاً، إذ يعتبر الإيرانيون أن الأزمة النووية، عدا مضمونها العلمي، أفادتهم في مجالات عدّة: فمن جهة أثارت العزلة والعقوبات على مدى أعوام بحثاً دؤوباً عن استثمار الطاقات الداخلية وعززت النزعة إلى الاستقلالية مع استعداد لانفتاح محسوب وتحت السيطرة، ومن جهة أخرى دفعت الأزمة النظام الإيراني إلى التركيز على الشأن الدفاعي وتسخير معظم الموارد للتسلّح واعتماد مخططات هجومية عبر عسكرة الفئات الشيعية حيثما وُجدت في مجتمعاتها، ولم يكن هذا التوجّه أيديولوجيا – مذهبياً فحسب، كما هي الحال مع "حزب الله" اللبناني أو جماعة الحوثيين في اليمن، بل دُعم بتحالفات ذات طابع سياسي – مصلحي مع النظام البعثي السوري (والبعض يصنّفه علمانياً) أو النظام السوداني وحركة "حماس" الفلسطينية (القريبين من أطروحات "الإخوان المسلمين"). كما ذهبت إيران إلى أقصى حدٍّ في استغلال حال غياب الدولة أو ضعفها في العراق تحت الاحتلال الأمريكي وما بعده، وكذلك حال الفوضى والاضطراب التي تلت الانتفاضات العربية منذ عام 2011، ما مكّنها من إقامة نفوذ في أربع دول عربية على الأقل.

قبل إنجاز الاتفاق، وخصوصاً بعده، تبيّن أن الخطر النووي كان عنوان المشكلة فيما كان جوهرها ولا يزال سياسياً – "بزنسياً" ويخفي وراءه صراعاً وتنافساً بين الدول الست على موارد إيران من نفط وغاز ومعادن، فضلاً عن السوق التي تضم نحو ثمانين مليون شخص. وفيما بدت روسيا والصين وتركيا واليابان كما لو أنها حجزت لها أمكنة في هذا التنافس بحكم الاستثناءات والخروق للعقوبات، ولكونها أقامت علاقات مع إيران بمعزل عن طبيعة نظامها وبتجاهل أو تأييد (روسيا والصين، تحديداً) لمغامراتها الإقليمية، تبدو أمريكا والدول الغربية مقبلة على معترك تراهن فيه على وضع جديد منحته لإيران، وهو الاعتراف بنظامها وقبولها في الأسرة الدولية والإقرار بنفوذها الإقليمي. لعل هذا أبرز المكاسب التي حصلت عليها إيران من الاتفاق الذي قدّمت كل التنازلات اللازمة للحصول عليه.

ماذا يؤمل من هذا الاتفاق؟ كانت إدارة أوباما جمّدت عملياً كل سياساتها للخليج والشرق الأوسط رهن المفاوضات النووية وإنجاحها، أما طهران فمررت أكثر مشاريعها للهيمنة في سياق الأزمة ثم المفاوضات. والنتيجة اليوم أن هناك اتفاقاً يعالج الخطر النووي بتأجيله، وفي المقابل هناك لائحة طويلة من الإخفاقات الأمريكية (و"النجاحات" الإيرانية!) تبدأ من الفشل الأمريكي في تحريك المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية (ما سمح لإيران باستثمار هذا الملف سياسياً وعسكرياً) وتمتد إلى سلسلة من المقاربات الأمريكية المتفاوتة في سلبيتها لأزمات العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان، حيث لمس حلفاء أمريكا وأصدقاؤها من العرب أنها تتعمّد الغموض وغضّ النظر عن تدخلات إيران بغية تشجيعها على تفاوض إيجابي في الملف النووي.

لذلك تعمّ التساؤلات الآن عمّا بعد الاتفاق، وهل ستواصل أمريكا سلبيتها أم تبدي الحزم اللازم لإيجاد حلول لهذه الأزمات، وهل ستقلع إيران عن المغامرات لتصبح دولة مساهمة في الاستقرار الإقليمي؟ الجواب هو أن الدولتين لا تعطيان أولوية لهذه الملفات برغم إلحاحها عليهما، أما الأولوية فستكون لتطبيع علاقاتهما، وأمام أوباما وإدارته بضعة أشهر لإحداث اختراق في هذا المجال، فيما لا تزال أمام روحاني وحكومته فترة سنتين، وكلاهما لديه متشددون يسعون إلى العرقلة أو الفرملة. ولعل أسوأ ما في الاتفاق أنه يركن إلى منطق المراهنة، إذ تعتقد واشنطن أن إزالة العقبة النووية والعقوبات من شأنها أن تدفع إيران "تلقائياً" إلى تغيير سلوكها الأيديولوجي، وهذا ينطوي على احتمالين كما لو أن المسألة متروكة للأمزجة. ولن يمكن التعرّف إلى أي "جديد" واقعي في التوجّهات الإيرانية إلا عند الشروع في خطوات "التطبيع" بالتوازي والتزامن مع طرح مشاريع لحل الأزمات.

ثمة اعتقاد بأن إيران ستكون موضع اختبار حقيقي عندما تُدعى لأن تكون جزءاً من الحلول بعدما كانت طويلاً جزءاً من التأزيم، إذ لا يمكنها أن تنخرط في الدور الجديد بالأفكار والعقلية السياسية نفسيهما. ولعل البداية ستكون من العراق واليمن، والتغيير المؤمل في تصرّف إيران في مسألتي تحرير المحافظات العراقية السنّية من سيطرة تنظيم "داعش" وإطلاق الحل السياسي اليمني، بالاستناد إلى الحكومة الشرعية. إذا أبدت طهران واقعية وعقلانية في هذين الملفّين العاجلين فإنها تعزّز تأهلها لدور في حل الأزمة السورية. لكن شيئاً لن يمنع أمريكا وإيران من إخضاع التقدّم في هذه الحلول وربطه بلعبة "التطبيع" بينهما. فأمريكا الساعية إلى جذب إيران إلى استراتيجيتها تعلم أن لهذا الهدف ثمناً يمكن أن تدفعه بمكاسب إقليمية لإيران، لكن هذا الأسلوب المحتمل والمتوقّع لن يكون وصفة جيّدة للاستقرار.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات