الاتفاق الاستراتيجي الأمريكي- الأفغاني: نحو استراتيجية للخروج

  • 10 مايو 2012

فُسرت رحلة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى كابول، وتوقيعه خلالها على اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأفغانستان، باعتبارها خطوة في الاتجاه الصحيح، على الرغم من أنها لا تحل تماماً حالة الارتباك الموجودة على أرض الواقع. ويرى معظم الخبراء أن الاتفاق هو السبيل الوحيد المقبول لإحراز تقدم في ظل الظروف الراهنة، بينما يرى آخرون أنه يشكل خطوة مناسبة لوضع استراتيجية للخروج من أفغانستان في مناسبة الذكرى الأولى لمقتل أسامة بن لادن، ويحمل بصمات عام الانتخابات والاقتصاد ذي الأداء المتذبذب.

وقد هبطت طائرة الرئيس أوباما في أفغانستان مساء الأول من مايو الجاري، وقام بالتوقيع على اتفاق مع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، ووجه خطابه إلى الشعب الأمريكي من قاعدة باغرام الجوية التي تتمركز فيها القوات الأمريكية، ثم غادر قبل الفجر. وبالتالي، يرى بعض المراقبين أن العملية برمتها تم إعدادها خصوصاً لتكون بداية انطلاق لحملة أوباما الانتخابية.

يحدد الاتفاق جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بنهاية عام 2014، ويوفر إطاراً للتعاون الأمني بعد هذا التاريخ، قد يتفق الجانبان عليه أو لا يتفقان. كما يحدد العلاقة بين الطرفين بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي عام 2014، ويشمل التزام الولايات المتحدة بدعم جهود التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والأمن والمؤسسات في أفغانستان والتعاون الإقليمي حتى عام 2024.

وعلى الرغم من هذه المزايا الكبيرة، يشير العديد من المحللين إلى تناقضات مختلفة في الاتفاق. فمن ناحية ينص الاتفاق على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إقامة قواعد عسكرية دائمة في أفغانستان، لكنه يقول أيضاً إن أفغانستان ستوفر للأمريكيين إمكانية الحصول على تسهيلات واستخدامها في أفغانستان بعد عام 2014، علاوة على أن الاتفاق ينص على السماح للولايات المتحدة بإبقاء قواتها في أفغانستان بعد عام 2014 لأغراض تدريب القوات الأفغانية واستهداف تنظيم القاعدة. غير أن الولايات المتحدة لم تقم بالالتزام بأي مستوى محدد من القوات أو التمويل في المستقبل، حيث تركت هذه القرارات لعملية تشاور مع الكونغرس، "بما يتناسب مع الأهمية الاستراتيجية للشراكة بين الولايات المتحدة وأفغانستان".

إن الحديث عن أفغانستان بأنها "حليف رئيسي من خارج حلف الناتو" يدل أيضاً على شيء من الارتباك. فهذا المصطلح يهدف إلى تأكيد التزام الولايات المتحدة بالاستقرار في أفغانستان، ولكنه لا يلزمها تلقائياً بالدفاع عن أفغانستان إن تعرضت لهجوم. وبدلاً من ذلك، يقول الاتفاق إن الولايات المتحدة سوف "تنظر بقلق بالغ إلى أي اعتداء خارجي ضد أفغانستان". وقد وعد الاتفاق أيضاً بإجراء مشاورات عاجلة بشأن القيام باستجابة دبلوماسية أو عسكرية أو غيرها لأي عدوان محتمل. ويُذكر أن الاتفاق قد أغفل العديد من القضايا المهمة. وعلى سبيل المثال، اعتبرت حركة طالبان بأنها لا وجود لها، مع أن نشاطها زاد في الأشهر الأخيرة وفقاً لجميع التقديرات. وبالتالي، فقد تم وصف الاتفاق بأنه يفتقر إلى التفاصيل، وبوجود وعود كثيرة ولكن بضمانات قليلة.

وإضافة إلى ذلك، أثيرت تساؤلات بشأن بعض فقرات الاتفاق، وحقيقة أنه ليس كاملاً في حد ذاته. فهو يسمح لإحدى الدولتين بالانسحاب من الاتفاق مع إعطاء مهلة عام واحد. وهو ملزم قانوناً، لكنه لا يتمتع بقوة المعاهدة. ولا يتطرق الاتفاق للشروط المحددة لعلاقة عسكرية مستمرة. وبدلاً من ذلك اتفق الجانبان على العمل للتوصل إلى اتفاق أكثر تفصيلاً، وحددا عاماً واحداً لإنجاز ذلك. ومن المتوقع تحديد بعض هذه التفاصيل في مؤتمر حلف شمال الأطلنطي في شيكاغو في 20 مايو 2012.

من جانبه، قال الرئيس أوباما في خطابه إن الوضع قد تبدل في أفغانستان على مدى السنوات الثلاث الماضية؛ فقد "تم كسر زخم طالبان. وقمنا ببناء قوات أمن أفغانية قوية، ودمرنا قيادة تنظيم القاعدة، بالقضاء على ما يزيد عن 20 من خيرة قادتهم الثلاثين. وقبل عام واحد، ومن قاعدة في أفغانستان، شنت قواتنا العملية التي قتل فيها أسامة بن لادن. والهدف الذي حددته؛ وهو هزيمة القاعدة وحرمانها من فرصة إعادة بناء نفسها، قد غدا في متناول اليد".

ولكن العديد من المحللين الأميركيين أقل تفاؤلاً في تقييمهم من رئيسهم. فقد انتقد ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، أوباما لأنه كان مزدوجاً في أفكاره تجاه أفغانستان منذ بداية رئاسته، حيث قال: "في ديسمبر 2009، عندما كان في طريقه إلى مضاعفة الوجود العسكري الأميركي هناك ثلاثة أضعاف، إن القوات العسكرية الأميركية ستبدأ في الانسحاب من هذا البلد في غضون 18 شهراً. الآن وبعد مضي عامين ونصف العام، يصرح بأن القوات العسكرية الأمريكية ستمضي في مغادرة أفغانستان، غير أن الجنود الأمريكيين سيبقون في البلاد حتى عام 2024 على أقل تقدير".

وتحوم أيضاً شكوك حول جدوى الاتفاق في أعقاب التوتر في العلاقات بين الإدارتين. فقد أعربت الولايات المتحدة مراراً عن خيبة أملها من جهود حكومة كرزاي للحد من الفساد وتعزيز الشفافية. من جهة أخرى، حمل الرئيس كرزاي مراراً قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) المسؤولية عن سقوط ضحايا من المدنيين الأفغان. وقد ورد في تقرير وزارة الدفاع الأمريكية عن الأمن والاستقرار في أفغانستان، الصادر في أبريل 2012، أن استدامة حكومة كرزاي على المدى الطويل عرضة للخطر بفعل عوامل متعددة، بما في ذلك الفساد واسع النطاق، والاعتماد على المساعدات والدعم الاستشاري الدوليين، واختلال توازن القوى لصالح السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية. ووجه التقرير معظم الانتقاد إلى الحكومة الأفغانية بشأن قضية الفساد؛ حيث ورد فيه القول إنه "على الرغم من حملة مكافحة الفساد واسعة النطاق … بتعاون وثيق مع الحكومة الأفغانية، فإن جهود مكافحة الفساد تعتمد بشكل كبير على القدرة والإرادة السياسية للحكومة الأفغانية. خلال الفترة المشمولة بالتقرير، أحرز القادة الأفغان، بمن فيهم الرئيس كرزاي، تقدماً محدوداً في معالجة الفساد، وإجراء إصلاحات بالتعاون مع المجتمع الدولي". وقد ورد ذكر قضية الفساد فعلاً في الاتفاق، دون الإشارة إلى كيفية معالجتها.

وهناك أيضا أولئك الذين اعتبروا الاتفاق خطوة حيوية إلى الأمام في العلاقات بين كابول وواشنطن. ووفقاً لهم، فإن الاتفاق يؤكد دعم الولايات المتحدة لتعزيز قوات الأمن والاقتصاد في أفغانستان، وهذا كان أفضل ما يمكن تحقيقه خلال مهلة ضيقة. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعتبر الاتفاق أيضاً عملية لحفظ ماء الوجه، إذا أخذنا في الاعتبار أن إنفاقها في أفغانستان حالياً يقدر بـ 289 مليون دولار في اليوم، وقد أنفقت 634 مليار دولار هناك منذ عام 2001.

وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات، يعترف العديد من المراقبين بأن الرئيس أوباما سعى إلى إزالة حالة ظاهرة من الارتباك بنهج ذي شقين في سياسته حيال أفغانستان. فقد أعطى لأفغانستان، بطريقة تميزت بالدهاء، رسالة مفادها أن الأمريكيين موجودون هناك من أجلهم، حتى إلى ما بعد عام 2014. وأوحى إلى الجمهور الذي أصابه الضجر، وما زال يصارع المشكلات الاقتصادية في الولايات المتحدة، أن قواتهم ستعود أخيراً إلى الوطن.

لعل هذا على الأرجح هو رد فعل الرئيس الأميركي على التململ في أمريكا الذي لخصه أحد قدامى المحاربين في فيتنام الذي كتب مؤخراً في عمود بعنوان "لماذا ما نزال في في أفغانستان؟". ومن ناحية أخرى، قامت حركة طالبان بتوجيه ضربة في غضون ساعات من مغادرة أوباما، مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص بالقرب من كابول. وقال المتحدث باسمها إن الهجوم كان "رسالة لأوباما". والظاهر أن أوباما أكثر عزماً على الاستماع إلى رسائل ناخبيه من أية رسائل أخرى.

Share