الاتفاقية الأمنية: خطوة للتقريب بين الأمريكيين والإيرانيين

د. هدى النعيمي: الاتفاقية الأمنية ... خطوة للتقريب بين الأمريكيين والإيرانيين

  • 16 يونيو 2008

احتدم النقاش مؤخراً حول الاتفاقية الأمنية التي تسعى إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى توقيعها مع نوري المالكي، رئيس الحكومة العراقية، وما يمكن أن تثيره من إشكالات، وما قد يتمخض عنها من نتائج، ترهن، في حال توقيعها، مستقبل العراق بالولايات المتحدة لعقود طويلة، وتضعه تحت سطوة استعمار دائم، يعيده إلى مناخ الاستعماريات التقليدية إبان القرن التاسع عشر، عندما كانت قوةٌ ما تستحوذ على مقدرات بلد آخر عبر غزوه وفرض سياساتها عليه من مدخل القوة والإكراه.

وكانت صفحة الاتفاقات بين العراق والولايات المتحدة قد بدأت بتوقيع الطرفين "إعلان مبادئ" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كخطوة تمهيدية للاتفاقية الأمنية التي من المقرر أن يعلن عنها في أواخر يونيو/حزيران الحالي (2008)، والتي تريد الولايات المتحدة من خلالها إرساء نمط خاص من العلاقات المشتركة، التي تذهب بعيداً في تلبية مصالح الأمريكيين والاستجابة لمطالبهم دون تمحيص أو اعتراض. ومن جانب آخر؛ فإن هذه الاتفاقية تأتي انعكاساً لتبعية نظام عاجز عن تحقيق مصالحه القومية، ولا يخفي استعداده لتلبية رغبات المحتل مقابل إشباع شهية طاقمه الحكومي من المال والامتيازات.

ويمكن النظر إلى هذه الاتفاقية بوصفها تمثل حصاداً للجهد العسكري الأمريكي؛ فالولايات المتحدة جاءت لتبقى في العراق، وعلى الرغم من أن احتلال هذا البلد قد أوقع القوات الأمريكية في مأزق عصيب على مستويات الاقتصاد والأمن والمكانة العالمية، فإن الرئيس الأمريكي يريد أن يكون له "إنجاز ما قبل مغادرة البيت الأبيض" في نوفمبر/تشرين الثاني القادم (2008)، ولعل ما تريد أن تقوله إدارة بوش للداخل والخارج هو أن "المهمة نجحت" وبدأت عملية قطف "ثمار التضحيات".

جوهر الأمر إذاً هو إيجاد تدابير ناجعة لتبرير وجود القوات الأمريكية في قواعد عسكرية دائمة، لن تكون خاضعة لسيادة عراقية، ومن دون تحديد لعدد هذه القوات، وهو ما يعطي الأمريكيين الحق في تغيير حجم هذا الوجود بين الحين والآخر، وفق مصالحهم في المنطقة، وإدخال قواتهم بالطريقة التي يشاؤون ومن أي منفذ دون حتى إشعار الحكومة أو التنسيق معها.

لا شك في أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تحقيق الإجماع الوطني، الذي شهد تآكلاً جراء فقدان المشروعية الأخلاقية التي تحدثت بها إدارة بوش قبيل احتلال العراق، وتبرير هذه الحرب باعتبارها ضرورة استراتيجية "لأمن وسلام العالم"، وهو التبرير الذي استندت فيه إلى أكاذيب وتضخيمات غير مقنعة، ولهذا فإن تراجيديا غزو العراق، لابد أن تنتهي بتوقيع اتفاقية أمنية تؤمن الهيمنة على بلد يوصف بأنه جوهرة المصالح الأمريكية في جغرافيته وثرواته وأدواره المستقبلية، وإعادة الاعتبار لقوة عظمى أنهكتها فلسفة الاستحواذ بالقوة، وهو الأمر الذي تحاول قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا وأوروبا، استغلاله لإعادة التوازن الدولي على نحو تعددي، والدفع باتجاه عالم جديد غير أحادي القوة.

ولهذا يضغط مكتب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني من أجل التوقيع على هذه الاتفاقية بنهاية شهر يونيو/حزيران الحالي، لتبدو وكأنها أحد إنجازات إدارة بوش التي باتت توصف "بالبطة العرجاء"، والمراقب المتفرج الذي "يدعم ويساند" ليس إلا، بعد أن تضاءلت قدراته التأثيرية مع تصاعد القدرات التنافسية للاعبين الإقليميين الذين يعارضون توجهاته، ويعملون على إفشال سياساته ويناصبونه العداء. وتأسيساً على ذلك اتجه الطرف الأمريكي إلى خفض سقف مطالبه، في محاولة لعدم إحراج الشريك العراقي، الذي ما فتئ يردد الحديث عن ضرورة التوصل إلى اتفاق يرضي "الشعب ولا يضر بمصالحه"، مع أن هذا الأخير مغيب ولا يعرف شيئاً عن عقود إعادة الإعمار، وعمليات تهريب النفط التي تشرف عليها شخصيات حكومية وحزبية متنفذة، وأرصدة الساسة التي بلغت أرقاما فلكية.

وتقوم فكرة الاتفاقية على أن التسهيلات المفتوحة لقوات الاحتلال على الأرض وفي السماء والبحر، ومنح الحصانة للجنود الأمريكيين، إنما هي حق مشروع بعد ضريبة الدم التي دفعت ثمناً "لتحرير العراق"، ولهذا فإن عمر هذه الاتفاقية بحسب وجهة النظر الأمريكية لابد أن يصل إلى 100 عام، ليتناسب وحجم الخسائر التي لحقت بالعسكرية الأمريكية وميزانيتها التي تعاني عجزاً يتجاوز 250 بليون دولار، بعد أن كانت قد حققت خلال السنوات الماضية فائضاً وصل إلى نحو 100 بليون دولار، مضافاً إليه تكاليف حرب العراق وأفغانستان.

وللسياسة شروط يدركها الساسة وصناع القرار؛ فما بالنا بمن وقع عقوداً مع المحتل؟ فهو يعرف قبل غيره أن غزو العراق، ليس مشروعاً خيرياً لإحلال "الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وأن القوات الأمريكية لم تأت إلا لتحقيق مصالح استراتيجية لها، يقف على رأسها المتغير النفطي، إضافة إلى المزايا التي تتوافر في العراق، والتي يمكن أن تجعل منه قاعدة انطلاق مستقبلية للسياسة الأمريكية في المنطقة؛ فهو يقع في أعلى دول الخليج العربي وعلى مقربة من دول أسيا الوسطى؛ حيث الثروات الطبيعية الضخمة، كما أنه متاخم لإيران، التي تنظر لها واشنطن باعتبارها العدو الأبرز. يضاف إلى ذلك أن السيطرة على العراق يمكن أن تشكل ورقة ضغط على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج ومصدر قلق لهم بشأن إمكانية الاستغناء عنهم في لحظة معينة، وما قد يترتب على ذلك من دفعهم لتقديم تنازلات مهمة حفاظاً على روابطهم مع الولايات المتحدة.علاوة على أن هذا البلد لم يعد يؤرق إسرائيل، وبإمكان الأخيرة أن تستثمر في أسواقه، وأن تبدأ عهداً جديداً من الغزو الاقتصادي للمنطقة.

لا شك أن حكومة المالكي تقف الآن في وضع لا تحسد عليه؛ فهي بين حليف لولاه لما كان طاقمها السياسي والإداري على رأس السلطة في العراق، وثان ترتبط معه بوشائج مذهبية- طائفية، هو من يحمي ظهرها ويضمن استمرارها كحكومة شيعية، بيد أنها تدرك جيداً أن الأمريكيين لن يقبلوا بالمناورة والتقية السياسية التي يجيدها أعضاء الائتلاف الشيعي الموحد، وأن المفاوضات التي بدأت بين الجانبين العراقي والأمريكي، طالت أو قصرت، ستصل في نهاية المطاف إلى اتفاق.

والواقع أن ازدواجية بعض النواب المقربين من الحكومة تبدو صارخة، لجهة الحديث عن اتفاقية لابد لها أن تحفظ السيادة للعراق، رغم أنهم يصرحون ليل نهار بأن العراق "دولة سيدة ومستقلة"، وأن "القوات الصديقة"، قد جاءت بطلب عراقي، وستبقى بسبب هذا الطلب!! فأين كان الحديث عن سيادة العراق عندما ركبوا الدبابات وأتوا مع العسكر المحتل الأمريكي؟ وأين كانت الوطنية العراقية عندما اعتمدوا نظام التحصيص العرقي والطائفي الذي جاء به الاحتلال، ليتفرق أبناء الوطن الواحد شيعاً ومللاً؟ وكيف يمكن الوصول إلى الشفافية في بنود هذا الاتفاق، والقرارات المهمة تتخذ في طهران وقم وواشنطن، بعد أن أصبح العراق ساحة لصراعات الطرفين الأمريكي والإيراني.

ليس هذا فحسب، فالعلاقات الوطيدة التي تربط أحزاب الائتلاف الشيعي الموحد بالطرف الأمريكي ليست خافية على أحد؛ حيث تدار قضايا الأمن والسياسة والاقتصاد تحت مرأى ومسمع الأمريكيين وبإشرافهم، ومع هذا لا تذكر إيران هؤلاء الساسة بسوء أو تصفهم بالعمالة، كما اعتادت أن تطلق هذا الوصف على العرب الآخرين الذين يرتبطون بتحالفات مع الولايات المتحدة، وربما تجد إيران نفسها وقد ارتبطت بتحالف ثلاثي يجمعها بحكومة المالكي والولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن الإشارة هنا إلى الاتفاق الدفاعي الذي وقع بين العراق وإيران في 9/6/2008 والذي لم تعترض عليه واشنطن، والذي يمكن اعتباره دليلاً على بداية عهد جديد من التعاون الأمريكي-الإيراني بوساطة عراقية؛ حيث سيكون العراق مرتبطاً باتفاقيات دفاعية مع إيران والولايات المتحدة، ما يعني عملياً إمكانية حدوث تعاون أمني وعسكري بين طهران وواشنطن في العراق. وبهذا الصدد يقول داوود بافاند، أستاذ العلاقات الدولية، بجامعة العلامة الطباطبائي إن "المالكي يدرك أن مصير العراق مرتبط بالولايات المتحدة وإيران، لذا فإنه يحاول أن يحافظ على رضاء الطرفين".

قصص تبرير الاتفاق مع واشنطن التي اعتمدتها حكومة المالكي عديدة، ومن بينها أن هذا الاتفاق يسهم في الإفلات من الفصل السابع الذي اعتبر العراق مصدر "تهديد للأمن والاستقرار الدوليين"، وأجاز للأسرة الدولية ومجلس الأمن التدخل في النزاع العراقي-الكويتي وفق القرار 660 لعام 1990، والذي تبعه القرار 687 لعام 1991 القاضي بفرض الحصار على العراق لحين التأكد من خلوه من أسلحة الدمار الشامل، ثم القرار 1762 لعام 2007 الذي أكد، باعتراف لجان التفتيش، خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل ولكن بعد خضوعه للاحتلال غير المشروع. وبالتالي فمن خلال توقيع هذا الاتفاق تكون العلاقة مع مجلس الأمن قد انتهت، وانطوى ملف النزاع العراقي?الكويتي، وخرج العراق من تحت عباءة الفصل السابع، الذي بات كمسمار جحا، يثار كلما أراد طرف الحصول على مزيد من النفوذ والأفضلية، أو تقديم تبريرات وتفسيرات لسلوك غير مرحب به.

على أية حال ما زال يتوجب علينا الانتظار لنرى كيف تستطيع هذه الاتفاقية الأمنية أن تسهم في صيانة الأمن والاستقرار، على حد زعم الساسة العراقيين، في بلد كالعراق تتقاذفه الأهواء والمصالح، ويبقى السؤال الرئيس: هل نحن بصدد مرحلة جديدة من الصراع الأمريكي-الإيراني، أم بداية مرحلة من التعاون بينهما بوساطة عراقية؟ وماذا سيكون موقف الحكومة العراقية في حالة عدم اتفاق هذين الطرفين، خاصة أنها كانت قد وصفت نفسها بأنها حليف لأمريكا وصديق حميم لإيران؟

Share