الإمارات.. ومستقبل المشاركة الشعبية

  • 22 نوفمبر 2011

الحديث الأهم في الإمارات هذه الأيام يتمحور حول مجموعة من الفعاليات الاحتفالية بمرور أربعين عاماً على قيام دولة الاتحاد، والنقلة النوعية التي حققتها هذه الدولة، التي أصبحت نموذجاً، في مختلف الميادين الحياتية. وعادة ما تلفت المشاركة السياسية والحديث عن "الحالة السياسية" في الإمارات أنظار المراقبين لها لاعتبارات مختلفة. وبمتابعة ما يحدث على الأرض يتأكد أن هناك انبعاثاً سياسياً حقيقياً ناتجاً عن رغبة القيادة السياسية الإماراتية، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في إشراك المواطنين بمختلف شرائحهم في العملية السياسية، وفي هذا الإطار يلاحظ أن هناك تدرجاً مدروساً للعملية للوصول بها إلى تجربة سياسية إماراتية متكاملة تلائم طبيعة المجتمع المحلي، وتتوازى أيضاً مع المرحلة التنموية في المجالات الأخرى التي باتت نموذجاً يسعى إليه الآخرون.

من المعروف أن المشاركة الشعبية في الإمارات قد أخذت شكلها الدستوري منذ إنشاء المجلس الوطني الاتحادي عام 1972، حيث يعد المجلس إحدى السلطات الاتحادية الخمس، وهي: المجلس الأعلى للاتحاد، ورئيس الدولة ونائبه، ومجلس الوزراء، والمجلس الوطني الاتحادي، والقضاء الاتحادي. ويتكون المجلس الوطني الاتحادي من 40 عضواً مقسمين على النحو التالي: ثمانية أعضاء لكلٍّ من أبوظبي ودبي، وستة أعضاء لكلٍّ من الشارقة ورأس الخيمة، وأربعة أعضاء لكلٍّ من عجمان والفجيرة وأم القيوين. ويستمر الفصل التشريعي للمجلس مدة سنتين، قابلة للتجديد. وقد مرت الفصول التشريعية للمجلس بخمس مراحل؛ وكانت المرحلة الأولى منها، هي المرحلة الدستورية الأولى الممتدة في الفترة (1971 – 1976)، حيث جُدد الدستور المؤقت فترة أخرى، واستمر التجديد للأعضاء حتى 2005. والآن نحن نعيش الفصل التشريعي الخامس عشر الذي افتتح مؤخراً.

بدأت الإمارات في ديسمبر عام 2006 أول تجربة انتخابية لاختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، من خلال هيئات انتخابية؛ حيث جاءت هذه الانتخابات؛ بوصفها مرحلة أولى لتنفيذ برنامج "التمكين" الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، في خطاب سموه بمناسبة اليوم الوطني عام 2005. ويهدف البرنامج إلى تعزيز المشاركة السياسية في الدولة، عبر خطوات تدريجية، وتفعيل دور المجلس الوطني. وقد نظمت الانتخابات لجنة وطنية للانتخابات باعتبارها الجهة المفوضة بالإشراف العام على العملية الانتخابية، ورأت اللجنة أن يتم اختيار ممثلي كل إمارة لشغل المقاعد المخصصة لها على مرحلتين: المرحلة الأولى، تقوم باختيار نصف الأعضاء، هيئة انتخابية، تشكل بواقع مئة ضعف لممثلي كل إمارة، في الحد الأدنى. والمرحلة الثانية، يتم تعيين النصف الآخر من ممثلي كل إمارة، عن طريق حاكم الإمارة. وحدث الأمر نفسه خلال التجربة الانتخابية الثانية التي جرت في سبتمبر الماضي، ولكن مع فارق إحداث طفرة هائلة في عدد أعضاء الهيئة الانتخابية.

ولو استعرضنا أبرز سمات التجربتين الانتخابيتين في المرحلتين لوجدنا أنها تشابهت في بعض الجوانب؛ فقد تم انتخاب 20 عضواً، منهم سيدة واحدة و19 رجلاً من مختلف إمارات الدولة، وتعيين حـكام الإمارات 20 آخرين، بينما تباينت في نقاط أخرى، أهمها أنه خلال التجربة الأولى حصلت المرأة على تسعة مقاعد في المجلس، فيما جاءت ثماني عضوات لشغلها عن طريق التعيين، وواحدة عن طريق الانتخابات من إمارة أبوظبي. أما في التجربة الثانية فقد شغلت المجلس سبع عضوات، منهن ستٌّ عن طريق التعيين وواحدة من إمارة أم القيوين عن طريق الانتخاب. المهم في الأمر أن المرأة الإماراتية -من وجهة نظري- أكدت عضويتها في المجلس الوطني الاتحادي، وساهمت في تحقيق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ولاسيما أن المرأة لم تكن في المجلس سابقاً، فكانت مكسباً كبيراً لدولة الإمارات.

النقطة التي يمكن استخلاصها من هذا العرض أن منطلقات فتح باب المشاركة الشعبية تتمثل في قناعة القيادة السياسية في الإمارات بأن هذه الخطوة تمثل حجراً أساسياً في بنية الأمن الوطني في أي دولة في العالم، وأن الأمر مرتبط بسياسة الدولة ورغبتها في ترسيخ عملية التمكين السياسي بأسلوب متدرج ومتوازن. ويقين قيادتنا أن المشاركة تعمل على تأسيس روح المواطنة الحقيقية؛ فهي تسهم في إشراك المواطنين في عملية صناعة القرار في الدولة؛ كما يمكن النظر إليها باعتبارها "تحصيناً ذاتياً" للأمن الوطني. كما يمكن فهم مسألة إصرار القيادة السياسية في الدولة على تفعيل المجلس الوطني منذ بدء الاتحاد والتدرج بشأن الوصول إلى المشاركة الكاملة بأن ذلك يعني أن هناك رغبة لإنجاح التجربة، ولكن بعيداً عن تأثير المال أو القبلية .

وفي تقييمنا للتجربة الأولى، فهي ناجحة نسبياً كونها مازالت في البداية، وتسير في الطريق الصحيح؛ حيث حصلت تعديلات دستورية كثيرة منها: التمديد في عضوية أعضاء المجلس الوطني الاتحادي لتصبح أربع سنوات، بدلاً من سنتين، وكذلك التعديل الدستوري الذي نص أن تكون للمجلس أمانة عامة، يترأسها أمين عام. أما التعديل الثالث فهو يرتبط بموضوع تولي الحكومة إبلاغ المجلس الوطني الاتحادي بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تجريها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية المختلفة؛ وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام مزيد من الصلاحيات للسـلطة التشريعية في الإمارات.

فعلياً هناك تغير ملموس في مساحة المشاركة السياسية، وهي مسألة ذات معنى ودلالات بالنسبة للتطور التنموي للإمارات، وعلى الرغم مما سجل من ملاحظات خلال التجربة الانتخابية الثانية، فإن هناك من المراقبين -وأنا منهم – من يرى أن هذه الملاحظات أمر طبيعي في كل عمل يسعى إلى أن يوجد لنفسه تجربته الخاصة التي تتناسب والخصوصية المجتمعية، خاصة أن الإمارات نجحت في أن يكون لها نموذجها التنموي في المجال الاقتصادي والإنساني.

فعلى سبيل المثال، ثمّة من وجد في تدني نسبة المشاركة من أعضاء الهيئات الانتخابية في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي الأخير، والتي سجلت 28٪ فقط مقارنة بالمشاركة الأولى التي سجلت حوالي 74٪، إخفاقاً للتوقعات والتكهنات التي تداولها المراقبون الذين افترضوا مسبقاً أن التجربة الثانية ستشهد مزيداً من الإقبال الجماهيري، وأن حماسة الناخبين من أعضاء الهيئات الانتخابية يفترض أن تزيد وتتصاعد في التجربة الثانية. بعض هؤلاء المراقبين رأى أن العامل القبلي تسبب في حسم الأمور في اتجاه محدد بعدما أظهرت النتائج أن معظم الفائزين استندوا إلى القبيلة. ورأى المراقبون أيضاً أن غياب المرأة يعني بنظرهم أن التجربة تعكس سيطرة الثقافة الذكورية على اختيارات الناخب الإماراتي. وتراوحت تفسيراتهم لضعف المشاركة في الانتخابات الحالية بين ضعف مردود المجلس السابق مقارنة بسقف الوعود التي قطعها المرشحون السابقون أمام الناخبين، وبين عدم تقدير بعض أعضاء الهيئة الانتخابية لحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم. ومثل هذه الملاحظات نجدها طبيعية، بل إنها تخدم أي تجربة انتخابية مقبلة؛ فقد كشفت التجربة الثانية عن ضعف نسبي في الوعي السياسي، وربما يجد هذا الأمر تفسيره في أن أكبر نسبة من أعضاء الهيئة الانتخابية كانت من جيل الشباب، وربما ينطبق التفسير ذاته على دور المرأة التي مثلت نسبتها في إمارة أبوظبي 55٪، ولكنها لم تشارك بالفاعلية المأمولة.

المنطق يقول إن هذه المجادلات والنقاشات هي أحد روافد أي عملية انتخابية في أي دولة في العالم.، وقد اختارت دولة الإمارات أن تضع العملية الانتخابية بمراحلها المختلفة في إطار تجريبي متدرج في دلالة على الرغبة في التوصل إلى تصور سياسي يناسب التركيبة المجتمعية لها، وبالتالي فإن إطلاق الأحكام التي تقطع بإخفاق العملية الانتخابية سيكون مجحفاً ومبالغاً فيه، كون التجربة لم تزعم المثالية، كما لم يردد القائمون على تنظيمها مؤشرات تجافي الحقائق على الأرض. وبحيادية المراقب نرى أن رصد هذه الملاحظات يبدو مطلوباً في المراحل التجريبية لتدارسها من أجل تعظيم الفائدة وتقليل السلبيات. وينبغي منا، ونحن نراقب التجربة، أن نفسح المجال للملاحظات التي يمكن أن تفرزها العملية الانتخابية لنعرف أكثر.

يدرك الجميع أن دولة الإمارات، منذ تأسيسها، قد اعتادت تفادي سياسة حرق المراحل أو القفز عليها خاصة في مجال التنمية، كما أن لديها المقدرة على التوقف إذا وجدت أن الأمور لا تمضي كما تريد، بل لديها أيضا جرأة تصحيح المسار وشجاعة الاعتراف بأي سلبيات، وهذا الأمر ربما كان أحد مقومات تفرُّد تجربتها التنموية في المجالات كافة؛ وإذا كنا نريد إيجاد نموذج ناجح فلا بدّ من فهم المشكلات والعقبات التي يمكن أن نواجهها خلال الانتخابات الكاملة، بل إن تدارك المشكلات خلال مرحلة التجربة أفضل من أن نتعرض لإفرازاتها وأعراضها الجانبية خلال مراحل تالية، وأعتقد أن الساحة تزخر بكثير من الأمثلة العربية التي قفزت على المراحل الانتخابية، فكانت العواقب غير جيدة!

كل المؤشرات المحلية والدولية تؤكد أن مستقبل المشاركة السياسية في الإمارات يسير وفق ما هو مخطط له. وأن هناك توسعة حقيقية في مجال إشراك أكبر شريحة ممكنة من مجتمع الإمارات، الذي له ظروفه السكانية الخاصة التي تختلف عن أي مجتمع في العالم، وإن كان هناك حذر واضح يستهدف بالأساس عدم التأثير في مقومات النموذج التنموي الاقتصادي من واقع ما يحدث في الإقليم . هذه المؤشرات تدعم قراءاتنا بأن مستقبل المشاركة السياسية مطمئن، وإن أخذ وقتاً فهو من أجل التوصل إلى صيغة إماراتية خالصة، باعتبار أن المشاركة الشعبية ليست ديكوراً سياسياً ولا خطوة لتجميل واقع ما، بل هي بالأساس تستهدف تعزيز روح الانتماء والولاء للوطن.

Share