الإمارات والمغرب نموذجان لتحقيق التعايش بين الثقافات والأديان المختلفة

  • 7 مايو 2012

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع الدكتور محمد سعدي، الأستاذ المشارك بجامعة محمد الأول في المملكة المغربية، ركز خلالها على أهمية الدور الذي تؤديه الثقافة في تعزيز الحوار بين الحضارات المختلفة، والجهود التي تقوم بها كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية في تحقيق التعايش بين الثقافات والأديان المختلفة. وفيما يلي نص المقابلة:

س: كثرت الدعوات المنادية بضرورة تعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات المختلفة، ولاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. كيف تقيّم تجربة الحوار بين الثقافات منذ ذلك التاريخ؟ وماذا تقترح من أفكار وآليات لإنجاحها؟

ج: بالرغم من كل الجهود المبذولة في مجال تطوير الحوار بين الثقافات وتعزيزه، فإننا نلاحظ في كل مناطق العالم تزايداً متصاعداً لمظاهر العنف والإرهاب والتعصب والعنصرية والتطرف الديني وازدراء الأديان. ومن ثم يجب التفكير في إبداع مناهج جديدة لمنح فعالية ومردودية أكثر لحوار الثقافات؛ لأن الأساليب المستخدمة منذ سنوات عدة لم تعط إلا نتائج محدودة الآفاق.

هناك اليوم تضخم فكري وتناول نخبوي لمسألة حوار الثقافات، فهي لا تزال حبيسة الندوات والملتقيات الفكرية. علماً بأن هذه المسألة هي في جوهرها فكر وسلوك وممارسة. وعلى الرغم من أن خطابات الحوار الثقافي تتناسل بقوة، فإننا نلاحظ في الواقع العملي أن هناك حواجز ثقافية لا تسمح بتقبل ثقافة الآخرين، وبفتح حوار ملموس بين المنتمين إلى ثقافات مختلفة. لقد حان الوقت للانتقال من الطرح النخبوي لحوار الثقافات وجعله قضية مجتمعية، فلا يجب أن يبقى الحوار حكراً على القنوات الرسمية والنخب والمنتديات الأكاديمية، وينبغي إشراك قطاعات اجتماعية واسعة في نقاش عام حول قضايا الهوية، والعلاقة بالآخر، والتسامح، وذلك لتقريب مقاصد حوار الثقافات من وجدان الناس ووعيهم، وتنزيلها على أرض الواقع.

المطلوب من حوار الثقافات ليس صياغة توصيات حول التفاهم والتعايش بين الأمم والثقافات، بل إنتاج سياسات قابلة للتطبيق لتحقيق ذلك، والاهتمام بالموضوعات التي تشغل الإنسانية وتؤرق ضميرها: التنمية؛ العولمة؛ التطرف؛ اختلال البيئة، والفراغ الأخلاقي…إلخ.

س: هل تعتقد أن عالم الأحداث وعالم الأفكار قد تجاوزا أطروحة "صدام الحضارات" أم لا يزال لها مناصروها؟

ج: أطروحة "صدام الحضارات" لا تمتلك قدرة تفسيرية أو استشرافية حقيقية لواقع العلاقات بين الثقافات والأمم. وفي الوقت الراهن، لا توجد إلا حضارة إنسانية واحدة تقوم على أسس الثورة العلمية والتقنية والإعلامية. وهذه الحضارة الإنسانية الموحدة هي حصيلة مساهمات فاعلة من مختلف الثقافات. وهنا يجب التمييز بين الثقافة والحضارة، فنحن نعيش في ظل حضارة كونية واحدة تعبر عن الكسب الإنساني العام في مختلف المجالات، ومن جهة أخرى، في ظل ثقافات متعددة، لكل منها رؤيتها المتميزة للعالم واستراتيجياتها الخاصة في تعاملها وتفاعلها مع مختلف مكونات الحضارة العالمية. والثقافات كمنابع للمعنى والقيم هي مصدر للتنوع والتعدد والاختلاف.

إن أطروحة "صدام الحضارات" تفترض وجود صراع بين حضارات متراصة موحدة لها رؤي وقيم ثابتة. وهذا لم يعد مقبولاً اليوم، فكل الهويات الثقافية منفتحة على محيطها ومتفاعلة مع الثقافات الأخرى، والاختلافات والصراعات داخل الثقافة الواحدة تكون أحياناً أكثر حدة من الصراع مع الثقافات الأخرى. لذا فإن الثقافات ليست كيانات جامدة لا تخضع لتحولات الزمن والمكان، وهي ليست إرثاً جاهزاً وبنية مغلقة لها ماهيتها الخالصة، إنما هي بناء وتحول متواصلان، وحصيلة تاريخ مستمر من التفاعل والتعدد والتنوع. وكل ثقافة حية توجد في صدام مع ذاتها من خلال تدبير أزمانها والاستجابة لحاجياتها وتحدياتها.

وبالطبع مازال هناك من يود أن تتحقق نبوءة "صدام الحضارات"؛ إنهم المتطرفون في جميع الأديان والثقافات والقوميات. فهم يؤمنون بالهويات القاتلة القائمة على الانغلاق والإقصاء والعنف والإرهاب وتشجيع اليأس، ولا مكان داخلها للحب والتعايش وقبول الاختلاف.

س: ما تأثير "العولمة الثقافية" في حوار الثقافات؟

ج: يبدو أن تكاثف تيارات العولمة عمّق أزمة الثقافات، فالأفراد والجماعات فقدوا الحدود الواضحة لهوياتهم الثقافية. وحتى وقت قريب كان من المشروع التساؤل عما يميزنا عن الآخر، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. أما اليوم فقد تعددت انتماءات الأفراد ومرجعياتهم، وصار الحديث عن مرجعية ثقافية واحدة وبسيطة أمراً لا يتطابق مع الواقع التعددي والمركب لمختلف الهويات الثقافية.

بفعل العولمة الرقمية تغيّرت بشكل كلي وسائط انتقال القيّم الثقافية؛ حيث سيطرت ثقافة الصورة والمعلوماتية والتفاعل الرقمي على المنظومة الثقافية. وهذا المنعطف التاريخي لابد له من أن يؤثر في مضمون الثقافات وقيمها ويتفاعل معها. فقد أحدث التطور المستمر في تقنيات الاتصال تغييراً مهماً في جغرافية الثقافات وعلاقتها بمحيطها وبمفاهيم الزمن والمكان والمعرفة والهوية، وغيّر أنماط العيش داخل كل الثقافات. وبقدر ما ساهمت العولمة في تحقيق التقارب بين الشعوب وانفتاح الثقافات على بعضها بعضاً، بقدر ما أدت إلى التعصب الديني والانغلاق على الذات. وكلما اتجه العالم نحو مزيد من التجانس، انبعثت وتعززت الاختلافات والتمايزات. لهذا فإن ثنائية الثقافة والعولمة أضحت مدار السجال الفكري والسياسي في كل مناطق العالم، ويتجلى ذلك من خلال سيل المؤلفات والدراسات التي تتناول العولمة من زاوية تأثيرها على الهويات الثقافية.

س: كيف تنظر إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تحقيق التعايش بين الثقافات والأديان؟

ج: أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة تشكل حلقة وصل أساسية بين الشرق والغرب، وبين كل الثقافات العالمية. والقيادة الحكيمة للدولة، نجحت بفضل سياساتها الرشيدة على المستوىين الاقتصادي والثقافي، في أن تجعل الإمارات تتبوأ مكانة رائدة في دعم الحوار والتقارب بين مختلف الثقافات.

إن تعايش مجموعة واسعة من الثقافات والجاليات الأجنبية في ود وسلام ضمن النسيج المجتمعي للدولة، حوّل الإمارات العربية المتحدة إلى مركز كوزموبوليتي عالمي نموذجي. كما سمح الانفتاح الثقافي والاندماج الاقتصادي الناجح في المحيط العالمي للإمارات بأن تصبح نموذجاً يحتذى به في مجال التسامح والتعايش على المستويين الإقليمي والعالمي. هذا الحضور الثقافي والاقتصادي الفاعل لم يحل دون اعتزاز الدولة بهويتها الثقافية، وذلك من منطلق إيمانها بأن قوة الإنجاز والفعل والتفاعل مع الآخر ينبغي أن تتأسس على قوة الوجود الثقافي الذاتي، واستيعاب مختلف المتغيرات العالمية.

س: نجحت المملكة المغربية من خلال مشروعها الإصلاحي في تجنب مصير كثير من دول المنطقة التي شهدت ثورات واحتجاجات شعبية منادية بالإصلاح والتغيير، فما هي أبرز ملامح هذا المشروع الإصلاحي؟ وكيف تنظرون إلى المستقبل؟

ج: عرف المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي مجموعة من الإصلاحات المهمة أدت إلى انفتاح الدولة على مختلف الفاعلين السياسيين في الداخل. ومنح وصول الملك محمد السادس للسلطة نفساً قوياً للورش الإصلاحية بالمغرب، سواء على المستوى السياسي أو الحقوقي أو الاقتصادي. وعبر تبنيه لسياسة الإصلاح الهادئ والتدريجي، نجح الملك في تحصين البلاد من رياح الربيع العربي وتأثيره. كما عززت السياسات التي اعتمدتها الدولة في مجال دعم المؤسسات والنهوض بحقوق الإنسان والتنمية الإنسانية علاقة الثقة بين المواطن المغربي والسلطة الحاكمة، مما دعم الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل البلد.

س: كيف تصف مستوى العلاقات بين المملكة المغربية ودول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي آفاقها المستقبلية؟

ج: هناك علاقات تاريخية متميزة ووطيدة بين المغرب ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد طرحت مؤخراَ فكرة انضمام المغرب إلى مجلس التعاون الخليجي، وهذا يؤكد حجم الثقة المتبادلة بين الطرفين. وتؤكد كل المؤشرات أن هذه العلاقات مرشحة للانتقال لمرحلة جديدة تتعزز فيها سبل التعاون المتبادل بقصد إرساء شراكة حقيقية على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي بين الطرفين، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الباب لآفاق جديدة في تاريخ العلاقات بين المغرب ودول الخليج العربية.

س: ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به المغرب كجسر للتفاعل بين الحضارتين الإسلامية والغربية؟

ج: المغرب بحكم موقعه الجغرافي وإرثه الثقافي يشكل ملتقي الثقافات والأديان، فهو صلة وصل بين أوروبا والعالم العربي وإفريقيا، كما أن روافده الثقافية وهويته متعددة المصادر: الإسلامية، العربية، الأمازيغية، الأندلسية، الإفريقية، المتوسطية، والعبرية تجعل منه بحق بلداً نموذجياً في مجال حوار الثقافات والتعايش بين الأديان. وفي تصوري أن كل من الإمارات والمغرب يمكن لهما أن يؤديا دوراً رائداً على مستوى الدفع والنهوض بدبلوماسية حوار الثقافات داخل المؤسسات الدولية.

Share