الإمارات والأزمة الاقتصادية العالمية

د. عبدالله العوضي: الإمارات والأزمة الاقتصادية العالمية

  • 14 أبريل 2009

لم تسلم أية دولة من الآثار السلبية للأزمة المالية والاقتصادية، التي اجتاحت العالم منذ خريف العام 2008، غير أن ثقل هذا الأثر يختلف نسبياً من دولة إلى أخرى. فعلى مستوى الدول، أعلنت "أيسلندا" رسمياً إفلاسها، ولم يجرؤ أحد على انتقادها أو التقليل من شأنها، باعتبار أنها ذهبت ضحية لهذه الأزمة التي لم يقع مثلها منذ العام 1929. بالمقابل كان تأثر دولة مثل "كندا" بهذه الأزمة الطاحنة محدوداً؛ لأنها اعتمدت في سياساتها الاقتصادية والمالية على كل ما هو تقليدي في عالم المال والأعمال، ولم تجازف بمقدراتها في الدخول إلى عالم الصفقات العقارية ورهوناتها الحارقة للديون الحالية والمعدومة.

هناك دول تقع في أقصى القارة الأسترالية تضررت من الأزمة، حتى عملاق الاقتصاد الآسيوي الناهض، الصين، والذي يمثل معجزة تنموية فريدة، لم يسلم من تبعات الأزمة الراهنة؛ حيث ضخ إلى السوق سيولة ضخمة تقدر بـ 500 مليار دولار، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولم يبتعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهو الاقتصاد الياباني كثيراً عن هذا الوضع المتردي. بل إن هذه الأزمة قصمت ظهر صاحبة أقوى اقتصاد، وأشهر ديمقراطية، وأضخم مصنع لبراءات الاختراع، في العالم المعاصر بلا منازع، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، التي استدعت كل طاقاتها الفكرية والعقلية، القديمة منها والجديدة، حتى ممن شاركوا في حل أزمات العالم السابقة، من أجل إنقاذ أمريكا ومن ورائها العالم.

وأسوة بغيرها من دول العالم المندمجة في العولمة، تأثرت دولة الإمارات بتداعيات هذه الأزمة العالمية، بحكم طبيعة الاقتصاد الإماراتي المنفتح على العالم، ولكن تأثرها كان محدوداً بالمقارنة بكثير من دول المنطقة والعالم؛ وبالرغم من ذلك، فإنها تعرضت لحملة تشويه كبيرة في بعض وسائل الإعلام بهدف النيل من سمعتها كمركز اقتصادي إقليمي رائد في المنطقة. وتحتّم الضرورة الوطنية في هذا الظرف الصعب على الجميع، أن تقوم الدولة بكل ما في وسعها بقيادة حملة مضادة ترد فيها على كل من يحاول اليوم الإساءة إلى مشاريعها النهضوية، سواء العمرانية منها أو الحضارية. واللافت أن هذه الحملة المغرضة التي تتعرض لها الدولة لا تأتي من مصادر موثوقة مثل مراكز الأبحاث العلمية والتقارير الرصينة التي تتحدث عن الحقائق، والتي مازالت تؤكد قوة الاقتصاد الإماراتي ومتانته، ولكنها تأتي من بعض المصادر الصحفية والإعلامية التي لا تمت للواقع بصلة.

ويبدو أن بعض المتشنجين من الكارهين لأي مشروع طموح يقوم على الرغبة في التطوير والتغيير للأفضل، لا يملكون اليوم زمام ألسنتهم، فضلاً عن بقية من الرشد في عقولهم وتفكيرهم، من أجل المساهمة الإيجابية في التصدي للأزمة، كما يفعل العالم من حولنا، بل وجدوا في هذه الأزمة الفرصة لبث سمومهم والتعبير عن كراهيتهم من خلال لغة الشماتة المستخدمة في التشفي والتقليل من شأن الوطن وإنجازاته، عبر بعض الصحف غير الرائجة والمواقع الإلكترونية السائبة، والتشكيك فيما يملكه الوطن من رافعات تأبى الخضوع والاستسلام لتخاريف شريحة تنتظر حدوث أية مشكلة كي ترقص على أوجاعها، حتى إن لم تجد من يصفق لها.

في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وصف مسؤول في الأمم المتحدة، بعد زيارة له إلى دبي، المدينة بأنها من أشهر المدن العالمية، وأكثرها تطوراً فيما يتعلق بقوة البنية الأساسية وحداثتها وعراقتها، والتي تم تأسيسها وفق أرقى المواصفات المعروفة في هذا المجال. والآن، وبعد أكثر من ربع قرن على هذا الوصف، يبدو أن الشامتين لم يروا ما وصلت إليه دبي من تطور يقترب من درجة المعجزة، ولم يلجم هذا التطور ألسنتهم عن إطلاق الشائعات المغرضة القائمة على قول الزور والبهتان.

ويكفي دبي من اسمها رداً على تلك الشائعات التي خرجت من أُناس مستهترين حتى النخاع؛ فمن معانيها الغنى والسعة، فلم يدخل إليها إنسان فقير إلا زال فقره، ولا غني إلا ازداد غناه، وكثير من هؤلاء من الذين غادروا العيش وسط هذه الزمردة مازالوا شهوداً أحياء باستثماراتهم التي تكونت في قلب دبي النابض بالحياة الدائمة، وكانت قبل ذلك مجرد أصفار لا قيمة لها.

دبي، ومعها باقي الإمارات ليست مالاً واقتصاداً وتجارة فقط، فهي قبل كل شيء وبعده، واحة للأمن والأمان، وهو ما يفتقد إليه تجار هذه البضاعة التي لا تُشترى عبر الشركات الأمنية العالمية، بل هي صناعة محلية أتقنها صانعوها منذ آلاف السنين. فقبل وقت ليس ببعيد، شارك أحد كبار المسؤولين في إحدى مؤسسات الأمن الأمريكية في أحد المؤتمرات الأمنية بدبي، وبدأ حديثه قبل إلقاء ورقته قائلاً: "إنني بُهرت حقاً بدرجة الأمن والأمان التي تنعم بها دولة الإمارات، ودبي بالذات، فقد مكثت في صحرائها على مدار الساعة ولم أجد من يتعرض لي بكلمة فضلاً عن الاعتداء عليّ، وأقسم لو أنني قمت بهذه الرحلة في صحاري بلدي أمريكا بالأسلوب نفسه، لما نجوت من الاعتداء أو القتل؛ لأن درجة الأمان في مجتمعي متدنية جداً"، أما الدراسات الأمنية المقارنة فهي تثبت أن نسبة الأمن في دولة الإمارات مازالت مرتفعة جداً، وفق الأرقام والنسب المتاحة، مقارنة بالدول العظمى، والتي تعيش هذا الهاجس بشكل متواصل.

أتمنى من النبتات الطفيلية الضارة التي تسيء إلى الدولة في وسائل ومواقع إعلامية شتى أن تنزع الاعتبارات الشخصية من حساباتها، وتقترب قليلاً من مصادر المعلومات الجادة التي تنشر دورياً على المستوى العالمي عن حالة الاقتصاد الإماراتي الذي تأثر بلا شك بأزمة بتداعيات الأزمة المالية، ولكن من دون أن ينال ذلك من الأسس القوية للاقتصاد الوطني. كما أن القيادة الرشيدة والواعية في الدولة لم تترك الأمور تمضي على علاتها، فقد وضعت حتى اليوم قرابة ربع تريليون درهم تحت تصرف البنوك إذا احتاج السوق إلى التدخل السريع، وهو مبلغ لا يستهان به في ظل الأوضاع الحالية.

إن ما تشير إليه بعض التقارير الاقتصادية المعتمدة، بشأن وجود انخفاض في نسب إنجاز بعض المشاريع في القطاع الخاص، هو أمر لا غبار عليه، وهو موجود في الإمارات وكثير من بلدان العالم التي تأثرت بالأزمة ووضعت برامج صارمة لإعادة هيكلة أوضاعها وفقاً للمستجدات العالمية، وهو عين العقل وقمة الرشد، فالإمارات لم تضع قدماً على أخرى في قافلة الانتظار، بل قامت وبادرت بالمساهمة الفعلية للتخفيف من الأزمة المالية ليس فقط في الداخل، ولكن أيضاً على المستوى العالمي، والشجاع هنا من أقرَّ بالأزمة، ومن ثم قام بالمساهمة في علاجها، أما من جعل من قلمه المكسور وفكره الموتور سلاحاً مسلطاً على أهل الإنجاز والتحدي، فإن الأيام كفيلة بلفهم في أكفان التاريخ.

إن الدولة اليوم بحاجة إلى كل جهد، ولو كان ضئيلاً، للوقوف سداً منيعاً ضد وصول هذه الأزمة إلى درجة الخطر؛ فالقلم له دوره الإيجابي، وللفكر اللامع دور، وللمال الذي يخلقه الرجال وليس العكس، دور آخر، وكلما تلاقت الأدوار جميعها في منظومة واحدة، كان الوصول إلى بر الأمان لنا وللعالم أجمع، أسرع.

ما أسهل النقد الجارح والهدام في وقت اشتداد الأزمات، وما أصعب النقد البناء الذي تخرج من خلاله آراء وسياسات وخطط يمكن الاعتماد عليها لإصلاح الشأن، والخروج من الأزمة التي حلَّت علينا كجزء من انفتاحنا على العالم، الذي لا يمكن تجاهله أو الهروب من وراء جدرانه، فالخروج منها ونحن أقوى من السابق هو الهدف النهائي الذي يتعين أن نسعى جميعاً لتحقيقه، وهو ما يدعو إليه كافة المتخصصين والخبراء الاقتصاديين والماليين. فالأزمة وقعت ولا مجال لتركها خلف ظهورنا، وتداعياتها بارزة للعيان، إلا أنها ليست نهاية الكون، كما أنها ليست أول أزمة، ولن تكون الأخيرة، وذلك لأن سنة الحياة في تقلب الحال وليس في ثباته. والفرق الوحيد في مثل هذه التقلبات هو في درجة الاستعداد لها، وأخذ كل سبل الحيطة لعدم تفاقم الأزمات حين حدوثها، والسعي لإخراج عنصر المفاجأة من المعادلة.

وبما أننا جزء من هذا العالم المترامي الأطراف، وبما أن التوقعات التي ترد إلى الساحة تشير إلى أن زمن العلاج قد يأخذ وقتاً، لا يقل عن خمس إلى عشر سنوات، فإنه بالإمكان تقليص هذه المدة وفقاً لأوضاع كل مجتمع على حدة، وذلك حسب درجة التأثر الفعلي بالأزمة، وليس بحسب السيناريوهات التي تحمل بروباجندا إعلامية، وهذا يعني أن الإمارات ستكون أسرع دول المنطقة خروجاً من هذه الأزمة؛ فالشفافية والمصداقية والقرارات والسياسات الرشيدة والحكيمة التي اتخذتها وستتخذها الدولة سيكون لها دور حاسم في تقليل المدة الزمنية اللازمة للخروج من هذه الأزمة الطاحنة.

والأهم من ذلك كله هو قيام الجهات المعنية في الدولة هو مواجهة الحملات الإعلامية التي تستهدف النيل من صورتها كمركز اقتصادي للمنطقة، وذلك من خلال ضخ جرعات من المعلومات الموثقة في هذا الشأن، والتي يمكن من خلالها إسكات أبواق المغرضين والشامتين، وترك المجال لأهل الحل والعقد بالدولة، وهم أهل للثقة في اتخاذ ما يرونه الأنسب للوطن في هذه المرحلة التي جعلت القيادة من التمكين شعاراً لها. وكلنا ثقة بأن الأزمات، وإن هدَّت الجبال فلن تؤثر في عزيمة الرجال أهل القدرة والأفعال.

Share