الإمارات نموذجاً لتحقيق التنمية البشرية المستدامة

  • 29 نوفمبر 2011

تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام بعيدها الوطني الأربعين، وهي تشهد واحداً من أزهى عصورها التنموية بفضل حكمة القيادة الرشيدة التي آمنت منذ البداية بأن الإنسان الإماراتي هو الثروة الحقيقية، وعنصر التنمية الأساسي والمحوري، ولذا منحته جلّ اهتمامها، وركزت عليه جهودها كلها للنهوض به في مختلف المجالات، حتى وصلت إلى أعلى سلم التنمية البشرية، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم كله. وهذا العامل هو السر أو الإكسير الذي جعل من مسارات التنمية في الدولة تأخذ أبعاداً عالمية وإقليمية حتى باتت الدولة تمثل نموذجاً تنموياً لكل بلدان العالم النامي.

وتؤكد تصريحات القيادة الحكيمة لدولة الإمارات ومواقفها بوضوح أن المبدأ الأساسي والثابت الذي يحكم عملية التنمية في الدولة هو المواطن، وأن جميع برامج التنمية وخططها في المجالات المختلفة تهدف إلى رفع مستواه والارتقاء بمختلف جوانب حياته، ويذكر الجميع للمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، قوله: "الإنسان هو أساس أي عملية حضارية .. واهتمامنا بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر، ومهما أقمنا من مبان ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه.. وغير قادر على الاستمرار.. إن روح كل ذلك هو الإنسان.. الإنسان القادر بفكره وبفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المنشآت والتقدم والنمو معها". ويؤكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، حفظه الله، استمرار هذا النهج كهدف مستمر بقوله: "إن الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا البلد قبل النفط وبعده، كما أن مصلحة المواطن هي الهدف الذي نعمل من أجله ليل نهار، إن بناء الإنسان يختلف تماماً عن كل عمليات البناء العادية الأخرى؛ لأنه الركيزة الأساسية لعملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، وعليه مسؤولية دفع مسيرة هذه الأمة". كما تبنى سائر قادة الإمارات وحكامها النهج ذاته الذي يرى أن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الرئيس لتحقيق التنمية الشاملة، وأن العائد المرجو من هذا الاستثمار سينعكس بصورة مباشرة على مستقبل الدولة وعلى قطاعاتها المختلفة.

انطلاقاً من هذه الرؤية الحكيمة لقيادتنا السياسية التي تؤمن بأن العنصر البشري هو أغلى الموارد وأهمها، وبأنه لا يمكن للوطن أن ينهض أو يتقدّم إلى الأمام إلا من خلال مشاركة المواطن الإماراتي الفاعلة والإيجابية في عملية التنمية، عملت الدولة بكل إخلاص على توظيف الموارد كلها من أجل الارتقاء بقدرات مواطنيها، وتوفير المقوّمات التي تساعدهم على تحقيق هذا الهدف. ففي مجال التعليم، أولت الدولة اهتماماً كبيراً لقيمة التعليم باعتباره المدخل الذي يمكن من خلاله إعداد أجيال مفكرة ومبدعة قادرة على تنفيذ أهداف التنمية.

وقد واكبت مسيرة التعليم بكل تفريعاته العام والعالي قفزات متتالية؛ فقد بلغ عدد المدارس الحكومية والخاصة في العام الدراسي 2008-2009 أكثر من 1350 مدرسة، تضم أكثر من 700 ألف طالب وطالبة، بالمقارنة مع 74 مدرسة فقط في العام 1971 كانت تضم 32 ألفاً و800 طالب وطالبة، وهو ما يقارب 36 ضعف عدد الطلبة، ونحو 18 ضعف عدد المدارس.
 
وفي مجال التعليم العالي، وبعد أن كان يقتصر حتى العام 1977 على جامعة واحدة فقط، هي جامعة الإمارات بالعين، ارتفع عدد مؤسسات التعليم العالي في الدولة إلى أكثر من 50 مؤسسة تعليمية موزعة على إمارات الدولة، من بينها جامعات عالمية كجامعة باريس السوربون- أبوظبي، كما ارتفع عدد الدارسين فيها إلى نحو 47 ألف طالب وطالبة.

وفي مجال الخدمات الصحية مضت الدولة قدماً في جهودها من أجل أن تغطي خدمات الرعاية الصحية جميع المناطق المأهولة بالسكان. وقد شهدت هذه الخدمات تطورات ملحوظة في المرافق ومستوى الجودة نتيجة التحسين المستمر في كفاءة أطقم الرعاية الطبية. وطبقاً لإحصاءات العام 2009 فقد بلغ عدد المستشفيات بالدولة نحو 40 مستشفى وأكثر من 115 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، من بينها 14 مستشفى، و67 مركزاً تابعاً لوزارة الصحة، إضافة إلى 11 مركزاً رئيسياً للصحة المدرسية، و10 مراكز لرعاية الأمومة والطفولة، و110 وحدات متخصصة للأمومة والطفولة داخل مراكز الرعاية الأولية والمستشفيات، عدا العشرات من المستشفيات الكبيرة والآلاف من العيادات الطبية الخاصة، وذلك مقارنة مع 7 مستشفيات و12 مركزاً صحياً فقط عند قيام الاتحاد في العام 1971.

وفي مجال الإسكان حرصت الدولة من خلال كافة مؤسساتها الاتحادية والمحلية على وضع استراتيجية طويلة المدى تضمن لكل مواطن الحصول على السكن المريح الذي يلائم احتياجاته، كما قامت الدولة بتأمين كافة الخدمات المطلوبة لذلك من مواصلات وطرق واتصالات ومؤسسات تعليمية وصحية وغير ذلك، وهو ما يتجلى في حرصها على زيارة مواقع البناء للاطلاع على نماذج مساكن المواطنين، والتأكد من أنها تلبي احتياجاتهم، وتتوافر فيها كل المعايير التي تساهم في تحقيق الأمن الاجتماعي والنفسي لهم، الأمر الذي يسهم في زيادة عطائهم وتحفيز طاقاتهم الإنتاجية للصالح العام في المجتمع.

وفي هذا الإطار أعلنت وزارة الأشغال العامة في العام 2007 عن قيامها بوضع خطة وطنية للإسكان للعقدين القادمين بحيث تغطي احتياجات المواطنين في الدولة، كما قامت حكومة أبوظبي بإطلاق رؤية عصرية جديدة لإسكان المواطنين تقوم على مفهوم المجمعات السكنية المتكاملة كبديل لمفهوم المساكن الشعبية من خلال بناء 18 ألف وحدة سكنية عصرية في الإمارة بتكلفة 33 مليار درهم.

ولم تقف هذه الجهود عند إمارة معينة، فقد أسهمت مؤسسة محمد بن راشد للإسكان التي تأسست في أكتوبر 2006 برأسمال قدره 15 مليار درهم في توفير احتياجات المواطنين من الإسكان العصري؛ حيث وصلت القيمة الإجمالية للأراضي والمساكن التي أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بتوزيعها على المواطنين إلى نحو 9 مليارات درهم، كما أمر سموه ببناء 40 ألف فيلا سكنية وتجهيزها للمواطنين المحتاجين لسكن عائلي في مختلف مناطق الدولة خلال ثلاث سنوات أو أربع كحدٍّ أفصى، وبمضاعفة برنامج الشيخ زايد للإسكان من نحو 640 مليون درهم إلى مليار و280 مليون درهم، وأعلن البرنامج الذي تأسس في العام 2002 بأن هذا الدعم سيحقق قفزة نوعية كبيرة تمكنه من تلبية احتياجات 8 آلاف مواطن في العام، وهو يمثل زيادة تصل إلى ستة أضعاف مقارنة بالسنوات الماضية.

ويلاحظ في كل المجالات التي تم التطرق إليها أن رفاهية المواطن كانت هدفاً لكل تلك المشاريع التعليمية والصحية والإسكانية، الأمر الذي كان محط تقدير مواطني الدولة كافة ورضاهم، وساهم في تعزيز علاقة الولاء والانتماء التي تربط المواطنين بالقيادة الحكيمة، وفي هذا السياق رصد تقرير التنمية البشرية العالمي لعام 2010، أن المتوسط العام لسعادة الأفراد ورفاهيتهم في الدولة بلغ 82.3% للفترة (2006-2010)، وهو من أعلى المعدلات في العالم، وتفصيلياً بلغ معدل الرضا بالأبعاد الشخصية للرفاهية من وظيفة وصحة شخصية ومستوى معيشة 85%، فيما قدر متوسط الإحساس بالسعادة فيما يتعلق بالعيش حياة هادفة وتلقي معاملة محترمة ودعم اجتماعي عند الحاجة بنحو 91.7%. كما كشف التقرير الأول الصادر عن مركز "غالوب أبوظبي" في 25 مايو الماضي (2011)، أن دولة الإمارات جاءت في المركز الأول في مستوى رفاهية مواطنيها بين الدول الخليجية والعربية؛ إذ بلغت نسبة المواطنين مرتفعي الدخول 63٪، مقارنة بقطر التي تحتل المركز الثاني بنسبة 56٪، وحلت الكويت في المركز الثالث بنسبة 44٪، تلتها السعودية بنسبة 43٪ ثم البحرين بنسبة 27٪. في حين بلغ المتوسط في الدول المتقدمة نحو 43٪، وفي باقي أعضاء جامعة الدول العربية نحو 14٪.
 
وكنتيجة لكل تلك الجهود، حققت دولة الإمارات العربية المتحدة مرتبة متقدمة بين دول العالم في مجال التنمية البشرية، فوفقاً لتقرير التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة، حققت الدولة مستوى عالياً جداً من التنمية البشرية عام 2011؛ حيث جاء ترتيبها في المركز الـ 30 في دليل التنمية البشرية من بين 169 دولة شملها التقرير، والأول على مستوى الدول العربية، تلتها قطر في المرتبة 37 والبحرين في المرتبة 42. وتقدمت الدولة بذلك مركزين في سلم الترتيب العالمي مقارنة بعام 2010 حيث كانت تحتل المرتبة الـ 32، وهذا في حد ذاته يعني أن التنمية البشرية في الدولة عملية مستمرة لا تتوقف، وأنها أصبحت جزءاً أساسياً في عملية التنمية الشاملة والمستدامة.

ويلاحظ أن الدولة قفزت 25 مركزاً في ترتيبها على دليل التنمية البشرية، في الفترة (1980-2010)، وهو ما يدل على حجم الإنجاز الذي حققته الدولة على صعيد التنمية البشرية خلال تلك الفترة. كما يلاحظ أن متوسط معدل نمو دليل التنمية البشرية في الإمارات، في الفترة نفسها، بلغ 87%. وأظهر التقرير كذلك أنه بين عامي 1980 و2010 ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة في الدولة بمقدار 10 سنوات، وفي ذلك دلالة واضحة على النتائج الإيجابية لخدمات الرعاية الصحية التي يحصل الفرد عليها منذ اللحظة الأولى لخروجه إلى الحياة.

هذه الإنجازات المتحققة في مجال التنمية البشرية تعكس مدى التزام دولة الإمارات منذ تأسيسها عام 1971 بالعمل على تنمية مواطنيها، وتؤكد بوضوح سلامة الرؤية الحكيمة التي أرسى دعائمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة وباني نهضتها الحديثة، والتي هدفت دائماً إلى بناء الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للوطن وأداة التنمية وغايتها.

Share