الإمارات قد تصبح محور طريق الحرير العالمي الجديد

مقابلة مع الدكتور جين فرانسوا سيزنك: الإمارات قد تصبح محور طريق الحرير العالمي الجديد

  • 1 أبريل 2008

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلة مع الدكتور "جين فرانسوا سيزنك"، والذي يعمل أستاذاً مشاركاً زائراً في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون، وهو متخصص في مجال دراسة تأثير المتغيرات السياسية والاجتماعية في الخليج العربي على أسواق النفط والمال في المنطقة، وذلك على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي الثالث عشر للمركز، والذي عقد خلال الفترة من 31 مارس/آذار إلى 2 أبريل/ نيسان 2008 تحت عنوان "الخليج العربي بين المحافظة والتغيير". وتعرض الدكتور سيزنك للعديد من القضايا الاقتصادية التي تواجه المنطقة، لاسيما فيما يتعلق بكيفية انتقالها من اقتصاديات نفطية محافظة إلى اقتصاديات متنوعة تؤدي دوراً مهماً على المسرح العالمي، وفيما يلي نص المقابلة:

س1: ثمة أسباب عدة يتم تقديمها لتفسير سبب الزيادة الحالية في أسعار النفط، هل يمكن أن توضح لنا السبب الحقيقي وراء هذا الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط؟

 ـ هناك أسباب عدة بالفعل، لكن ضعف الدولار يعد بالتأكيد أحد الأسباب الرئيسية لهذا الارتفاع في أسعار النفط، كما تستخدم صناديق التحوط النفط باعتباره حصناً لها ضد التضخم، وبالتالي تطول مدة اعتمادهم على النفط، وتستمر الأسعار في الارتفاع، رغم أنه لم تحدث زيادة مماثلة في العرض والطلب.. نعم هناك زيادة على الطلب من قبل الصين والهند؛ لأن نموهما كبير جداً ويتطلب نفط أكثر، لكن من الناحية الأخرى هناك إمدادات كافية، وبالتالي فمن الممكن أن تكون هناك زيادة بطيئة وثابتة في أسعار النفط، لكن هذا بالطبع لا يفسر الزيادة التي قفزت من 50 إلى 110 دولاراً أمريكياً للبرميل.

س2: هل هناك مشكلة في المخزون الاحتياطي النفطي؟

 ـ نعم، ثمة مشكلة في المخزون الاحتياطي النفطي، ومع ذلك، فهناك بعض المخزون الاحتياطي متوفر الآن. وفي حال أصبح العراق أكثر أمنا فإن مخزونه الاحتياطي من النفط، سيكون متوافراً بشكل كبير وسريع نسبياً. وبالرغم من ذلك، فأنا أعتقد أن القضية الرئيسية تتمثل في ضعف الدولار، الذي يعود بصورة جزئية إلى محاولات الخزانة الأمريكية إبقاء مستوى أسعار الفائدة منخفضة لتفادي الكساد. لكننا يجب أن نذهب خطوة واحدة إلى الأمام ونتساءل: ما هو سبب الكساد؟ ولاختصار قصة طويلة بكلمات قليلة يمكن القول بأن الإدارة الأمريكية الحالية هي التي تسببت في حدوث عجز هائل في الميزانية تجاوز تريليونات الدولارات، وهذه الأموال خرجت إلى السوق وتم استخدامها من قبل المواطنين الأمريكيين في شراء أشياء أدت إلى هذا العجز التجاري الهائل. وقد ذهبت الأموال إلى الصين وأصبحت الولايات المتحدة لا تملك سوى سيطرة محدودة جداً على عملتها الوطنية وعلى أسعار فائدتها طويلة المدى. وبما أنه قد أصبح معروفاً أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع السيطرة على عملتها، فإن العجز خرج كلياً عن نطاق السيطرة. وبالتالي يستمر ارتفاع أسعار النفط، وتستمر الدول الأعضاء في منظمة أوبك في الشكوى من ذلك. وأعتقد أن السعوديين يرون خطراً في أن يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل.

س3: أين يكمن الخطر؟

 ـ يتمثل الخطر في أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يمكن أن يساهم في إيجاد حوافز كافية لتطوير كل أنواع الاستثمارات الأخرى في مصادر الطاقة البديلة، وهو أمر لن يحدث بالطبع بين عشية وضحاها. لا يزال السعوديون يفضلون رؤية أسعار النفط منخفضة بين 80 و70 دولاراً أمريكياً للبرميل، ولكن إذا استمرت قيمة الدولار في التهاوي، فسيتعين عليهم تعويض ذلك، إنها حلقة مفرغة.

س4: نرى كذلك أن ثمة اتجاهات تضخمية عالمية وارتفاعاً في أسعار الغذاء والسلع الضرورية الأخرى، هل يرتبط ذلك أيضا بالعوامل المذكورة آنفا؟

 ـ نعم، لقد دخلت كل هذه السيولة إلى الولايات المتحدة، ثم انتقلت منها إلى كل أولئك الباعة في الهند والصين وكلّ المصدّرين الآخرين، مما أدى إلى وجود سيولة كبيرة في بلادهم، ومن ثم تزايد الطلب على السلع، الأمر الذي أدى بدوره إلى زيادة سعر السلعة. أنا لا أقول إن السبب الوحيد هو العجز في الميزانية الأمريكية، لكن هذا العجز هو المحرك لجميع الأسباب الأخرى.

س5: هل تعتقد أن فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي سيفيد دول الخليج في مواجهة الاتجاهات التضخمية لديها، وهل يسبب ذلك ضرراً للاقتصاد الأمريكي؟

 ـ لا! لن يسبب هذا الأمر ضرراً للاقتصاد الأمريكي، ولن يكون فاعلاً بما فيه الكفاية لمواجهة التضخم، سيؤدي فقط إلى زيادة قيمة العملات الخليجية مقابل الدولار، لكن هذا الأمر سيجعل من قيمة السلع الأمريكية أقل من الماضي، وهو أمر يصب في مصلحة الولايات المتحدة. ولن يؤثر ذلك البتة في عملية تسعير النفط التي ستكون دوماً بالدولار.. التضخم في بلدان الخليج ليس نتيجة تهاوي الدولار، وإنما بسبب السرعة الكبيرة في معدلات النمو، وحتى في حالة فك الارتباط بالدولار، فإن التضخم سيتأثر فقط بمقدار نقطتين مئويتين.

س6: أنت متخصص في صناعة النفط ومع ذلك أنت هنا لإلقاء محاضرة عن العولمة واتفاقيات التجارة الحرة، كيف يستقيم ذلك؟

 ـ اهتمامي ينصب على الاقتصاد الصناعي، وأنا أدرس النفط لأنه جزء من قضايا التصنيع في منطقة الخليج العربي، ولكن اهتمامي الحقيقي ينصب على مجال التصنيع في هذه المنطقة، وأي شيء يتعلق بالصناعات التي تعتمد على الطاقة مثل البتروكيماويات والألمنيوم والمعادن .. وغيرها من الصناعات التي تتمتع فيها دول الخليج بمزايا طبيعية. وبما أن منطقة الخليج تقوم بتطوير هذه الصناعات، فإنها قد تصبح قوة كبرى، وربما تقودها هذه الصناعات لتصل بها إلى درجة أسميها في ورقتي "النمو الصاروخي".

 إن الإيرادات النفطية مهمة حقاً، لكنها بمفردها لا تمثل كل شيء؛ فإيران لديها الكثير من الإيرادات النفطية ولا يحدث بها أي تطور، والعراق عنده إيرادات نفطية كبيرة، لكن العراقيين مستمرون في التناحر، وفنزويلا أيضاً لديها إيرادات نفطية لكنها تذهب هباءً، ولا شك أن العولمة بما تعنيه من انفتاح كل شخص على العالم يمكن أن تؤمن فرصة مهمة لاستثمار هذه العائدات النفطية وتوظيفها بشكل صحيح. واستناداً إلى حقيقة أن بلدان الخليج أصبحت تمثل جزءًا من منظمة التجارة العالمية، خصوصاً المملكة العربية السعودية، التي باتت ملتزمة بتغيير قوانينها وفتح المجال أمام الشركات الأجنبية، فإن العولمة يمكن أن يكون لها كثير من "التأثيرات الصاروخية" على عملية النمو في المنطقة، ولاسيما أنه كانت قد برزت فجأة خلال السنوات العشرة الماضية رؤية لدى القيادات، ليس فقط من الحكام، لكن أيضاً على مستوى النخبة، مفادها أن تصبح دول الخليج القوة الاقتصادية الأكثر أهمية في العالم.

 لا تريد المملكة العربية السعودية أن تكون فقط دولة منتجة للنفط، إنما ترغب كذلك في أن تصبح المزود الأكبر للمنتجات الكيميائية في العالم بحلول عام 2020، ولا أعني هنا البتروكيماويات وإنما أقصد المنتجات الكيميائية، وبالتالي فهم ينتقلون من النفط إلى الغاز ثم إلى البيتروكيماويات والمواد الكيميائية، أي إنهم يتحركون نحو السلسلة كاملة. ومن وجهة نظري، أعتقد أنهم قد يصبحون من المنتجين البارزين للمنتجات الكيميائية بحلول عام 2015، وقد يتفوقون على ألمانيا باعتبارهم الدولة الرئيسية المنتجة للمنتجات الكيميائية في العالم، والسوق موجود في الصين والهند وهلمّ جرا. وتريد دولة الإمارات العربية المتحدة أن تصبح محور طريق الحرير العالمي الجديد؛ فكل هذا التصنيع الذي نراه يعني أنك تفتح طرق تجارة هائلة إلى الصين وإلى الهند وإلى آسيا بشكل عام، لكنك ما زلت تشتري كافة الآلات من أوروبا. فلماذا تشتري دول الخليج طائرات إيرباص بما قيمته 34 بليون دولار أمريكي؟ إنهم يريدون أن يكونوا قادرين على جذب 120 مليون مسافر في السنة ممن سيدخلون ويخرجون من منطقة الخليج. وتضع شركة موانئ دبي العالمية ميناءها بجانب مطار دبي حتى يتمكنوا من حمل حاوياتهم إلى الطائرات والعكس بالعكس. وبالتالي، فإن رؤية القيادة الإماراتية هي أن تصبح الإمارات محور العالم. ولا يدرك الغرب أنه في الجيل القادم أو الذي بعده لن تكون دول الخليج راغبة في أن تكون الدول الرائدة في إنتاج المواد الخام مثل النفط، إنما سيكونون المزود الرئيسي للمنتجات ذات القيمة المضافة والتي ستعتمد على الطاقة، وهي ميزة طبيعية يتمتعون بها.

س7. عندما نرى مثل هذه التغييرات تحدث في الخليج، أليس صحيحاً أن العولمة يمكن أن تصبح كلمة سيئة في الولايات المتحدة؟

 ـ هذا صحيح، "التجارة الحرة جيدة دائما إذا كانت مفيدة لي، أما إذا كانت غير ذلك فأنا لا أحب التجارة الحرة". لقد كان موقف الولايات المتحدة وأوروبا في دورة منظمة التجارة العالمية بالدوحة مضحكاً؛ فهم لا يريدون حتى التوقف عن تقديم الإعانات المالية لمزارعيهم، مع أن ذلك قد يلحق بهم الضرر. لقد فعلت منظمة التجارة العالمية الكثير في سبيل دفع النشاط الاقتصادي في العالم، وفي حالة المملكة العربية السعودية، نجد أنها أجبرت السعوديين بالفعل على الوصول إلى القرن الحادي والعشرين، وكان لذلك تأثير اجتماعي هائل، مع اتجاه كثير من الشباب نحو الصناعة والتجارة.

 ومع ذلك، فلديّ كثير من الهواجس حيال اتفاقيات التجارة الحرة التي تشهدها المنطقة؛ فهناك نوعان من اتفاقيات التجارة الحرة في الخليج، يتجسد النوع الأول في تلك الاتفاقيات التي تفاوضت الولايات المتحدة بشأنها مع البحرين وعمان ودول أخرى، أما النوع الثاني فيتمثل في الاتفاقيات التي تتفاوض فيها دول الخليج بشكل جماعي مع الاتحاد الأوروبي والصين. وفيما يتعلق بالنوع الأول المتمثل في اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وبعض بلدان الخليج فرادى نجد أن المستفيد الوحيد هو الولايات المتحدة. أما في الناحية الأخرى، فنجد أن دول مجلس التعاون الخليجي واجهت مشكلات عدة في تفاوضها مع الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس الماضية، وما زلنا نسمع حتى الآن أنهم سيوقعون الاتفاقية غدا! .. لقد تحسن الأمر إلى حد ما الآن بعد تشكيل الاتحاد الجمركي الخليجي، ولكن دول مجلس التعاون الخليجي مازالت لا تمثل كياناً موحداً ومتكاملاً بشكل جيد يمكنها من التفاوض بشكل صحيح مع الاتحاد الأوروبي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات