الإمارات في عيدها الوطني الأربعين…."روح الاتحاد" تزداد توهجا

  • 30 نوفمبر 2011

تبدو تجربة اتحاد دولة الإمارات العربية في الذكري الأربعين لتأسيسها، والتي توافق الثاني من ديسمبر 2011 أكثر نضجاً وقوة وتماسكاً، فيما تزداد "روح الاتحاد"، التي اختيرت شعارا وعنوانا لاحتفالات هذا العام توهجا ورسوخاً؛ فهذه "الروح" الوثابة تستحق بالفعل أن تكون عنواناً لإحساس وطني عالٍ ومتنام باتحادنا الذي هو مصدر فخرٍ واعتزاز لنا.

لقد توافرت لتجربة الاتحاد مقومات عدة أسهمت في إنجاحها وتطورها بشكل متواصل، حتى باتت نموذجاً وحدوياً ناجحاً قادراً على تعميق المرتكزات التي انطلق منها، وتحقيق طموحات مواطني دولة الإمارات على المستويات كافة. وقد استطاعت تلك التجربة الوحدوية الرائدة أن تواجه كل الصعاب والتحديات، وأن ترسخ أركانها طيلة السنوات الماضية، وتأخذ مكانها المتميز في تاريخ المنطقة والعالم، كنموذج يقتدي به لكل من أراد الوحدة والأمان والرغبة في البناء والتطور.

ثمة مرتكزات عدة قامت عليها تجربة اتحاد دولة الإمارات العربية، وكانت عاملاً مهماً في ضمان استمرارها، وهذه المرتكزات هي:

أولاً:  تستند تجربة الاتحاد إلى الثوابت التي أرساها المؤسس الأول المغفور له بإذن الله تعالى الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي تحمل عبء قيادة الاتحاد في ظروف صعبة، وأرسى الأسس والثوابت التي مكنته من البقاء والتطور، وفي مقدمتها الإيمان الحقيقي بالوحدة، باعتبارها الخيار الوحيد لمواجهة أية تحديات أو مخاطر.

ثانياً: تعتمد على قيادة حكيمة وواعية تتفاعل مع مطالب الشعب، وتستجيب لتطلعاته، في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية، وهو الأمر الذي جعل المواطنين يلتفون حولها، ويحرصون على الانخراط في العمل بكل تفان وحب في مختلف مواقع العمل والإنتاج. إن التفاعل الخلاق بين القيادة والشعب في دولة الإمارات والتفاف المواطنين حول قيادتهم، يقدم نموذجا للحكم الرشيد وما يؤدي إليه من تقدم المجتمعات واستقرارها ونموها على المستويات كافة، وهذا يعكس بوضوح فلسفة الحكم الإماراتية التي تقوم على قاعدة أساسية هي أن المواطن هو الهدف الأعلى الذي توجه إليه كل الجهود والخطط، وهذا هو الذي جعل من الإمارات نموذجاً في الحكم الرشيد يشار إليه بالبنان وتعمل أطراف عديدة على الاحتذاء به والاستفادة منه سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

ثالثاً: قامت هذه التجربة على أسس الفيدرالية والتطبيق الكونفيدرالي لمراعاة الخصوصية المختلفة لكل إمارة، وعلى الاحترام المتبادل والعطاء بين هذه الإمارات، فقد حرص الدستور الاتحادي للإمارات على محاولة التوفيق بين متطلبات تكوين دولة الاتحاد ، وبين حرص حكام الإمارات على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي. وأعطى الدستور حرية كبيرة للإمارات الأعضاء في الاتحاد لتنظيم شؤونها الداخلية، ولم يفرض عليها قيوداً كثيرة تحد من سلطاتها واختصاصاتها المحلية أو من الحرية المطلقة للحاكم في إدارة شؤون إمارته بما لا يتعارض مع أحكام الدستور. هذا التراضي لم يمنع كل إمارة من بلورة السياسات والخطط التي ترى أنها الأنسب لإدارة مواردها الذاتية، بشكل وإن بدا وكأنه تنافس فيما بينها، إلا أنه تنافس يصب في صالح المواطن الإماراتي عموماً، وهذا ما أكده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ، حفظه الله، بقوله "لكنه تنافس شريف لخدمة أبناء الإمارات‏ وتحسين الأداء وتطوير العمل، وهو تنافس يعبر عن الثقة بصلابة التجربة الاتحادية، وشكل من أشكال إدارة الموارد‏، وتوزيع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية والمحلية، بهدف الوصول إلى أقصى فائدة‏، تحقيقاً لمبدأ التنمية المتوازنة‏ التي تطول المواطنين في كل مكان علي أرض الإمارات".

رابعاً:  تقوم الدولة الاتحادية على مؤسسات قادرة على الوفاء بمتطلبات العصر، وتجاوز أي سلبيات أو تحديات يمكن أن تعترض مسيرة الاتحاد، فبعدما توافقت إرادة حكام الإمارات على ضرورة الوحدة فيما بينهم، تم تقنين هذه الإرادة في دستور مكتوب رسم ملامح النظام السياسي الإماراتي وحدود العلاقة بين سلطات الحكومة الاتحادية وسلطات الإمارات الداخلة في الاتحاد.

خامساً: تعتمد هذه التجربة على منهج التدرج والتأني، ليس فقط في بناء هياكل ومؤسسات الدولة، وإنما في تطور مسيرة الإصلاح السياسي، بحيث تأتي كل خطوة في وقتها دون تقديم أو تأخير، وهذا ما أسهم في تجنب الدولة الهزات المفاجئة أو التطورات غير المحسوبة التي قد تنجم عن الأخذ بمنهج التحول السريع غير المدروس.

وإذا كانت دولة الإمارات استطاعت ترسيخ أركانها بفضل زعامتها التاريخية، فإنها تواصل بخطى واثقة الانطلاق نحو مرحلة التمكين في ظل قيادة سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله،. وهذه المرحلة التي تعيشها الإمارات الآن تعد مؤشراً قوياً على نجاح تجربة الاتحاد، ليس لأنها تستهدف فقط تحقيق التنمية المستدامة والشاملة  بشرياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً فحسب، بل لأنها تعتمد في إنجاز ذلك على التكامل بين السياسات والاستراتيجيات المختلفة، وهذا ما يمكن تلمسه بوضوح في العديد من المبادرات والتوجيهات التي طرحها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ، خلال السنوات الماضية والتي أنتجت أثرها البناء في تحقيق أهداف مرحلة التمكين، من اهتمام كبير بالتعليم، والاستثمار في العنصر البشري، وتفعيل دور المؤسسات، وتطويرها، وتمكين فئات المجتمع المختلفة من المشاركة بفاعلية في حركة تنمية المجتمع وتطوره.

لقد حققت دولة الإمارات خلال السنوات القليلة الماضية العديد من الإنجازات في مختلف الجوانب، فاقتصادياً أصبح الاقتصاد الإماراتي واحداً من أقوى الاقتصادات في المنطقة، وأثبت قدرته ليس على التطور وحسب، بل وأيضاً على التماسك، واحتواء آثار الأزمات التي قد تواجهه، فقد استطاع مواجهة تداعيات الأزمة المالية التي عصفت بالعالم قبل ثلاث سنوات، وواصل بنجاح خططه ومشاريعه التنموية. لقد استطاعت دولة الإمارات أن تقدم نموذجاً في التنمية المستدامة، فعمدت إلى  تخفيف اعتماد اقتصادها الوطني على القطاع النفطي كمصدر رئيسي للدخل، فاستثمرت عائدات هذا القطاع في بناء اقتصاد متوازن وقادر على النمو والازدهار دون استنزاف الموارد، وتوسعت تدريجياً في القطاعات غير النفطية لضمان أعلى مستويات الاستقرار لاقتصادها؛ فحققت إنجازات استثنائية في قطاعات البنى التحتية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والتجارة الداخلية والخارجية والطاقة المتجددة والخدمات المالية والمصرفية،  وكانت نتيجة ذلك كله أن احتلت مرتبة متقدمة في سلم الترتيب التنموي على الصعيد العالمي.

وسياسياً قطعت دولة الإمارات مرحلة مهمة نحو الإصلاح السياسي، ظهرت ثمارها في تطوير تجربة المجلس الوطني الاتحادي الذي أصبح يقوم بدور تشريعي ورقابي مهم، يكمل عمل الحكومة، ويتعاون معها بما يخدم مصلحة الوطن. ومثلت انتخابات المجلس الوطني التي جرت في شهر سبتمبر الماضي إحدى المراحل المهمة في برنامج تمكين المجلس الوطني الاتحادي، وتفعيل دوره،  من منطلق أنه يجسد العلاقة السليمة بين الحكومة والشعب، ويعتبر منصّة قوية للمشاركة السياسية والتأثير الإيجابي في عملية صنع القرار في البلاد، وهذا ما عبرت عنه بوضوح كلمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- بمناسبة إجراء هذه الانتخابات، والتي أكد  فيها أن "المشاركة السياسية جزء لا يتجزأ من تقدّم الدولة والتنمية الشاملة التي نعيشها".

أما أمنياً فتتمتع دولة الإمارات بدرجة عالية من الاستقرار الأمني، وهذا يرجع بالأساس إلى إيمان القيادة في دولة الإمارات بأن الأمن هو أساس التنمية والتقدم إلى الأمام، الأمر الذي جعلها تعمل على توفير كل ما من شأنه تحقيق الأمن وفق أعلى المعايير العالمية والوقوف بكل قوة في وجه أي إخلال به.

وبالتوازي مع هذه الإنجازات الداخلية، حققت السياسة الخارجية الإماراتية نجاحات عدة، ضمنت لدولة الإمارات حضوراً سياسياً واقتصادياً وثقافياً فاعلاً على الساحتين الإقليمية والدولية، وجعلتها عنوانا للاعتدال والحكمة والسياسة المتزنة، وظهر هذا  التقدير بوضوح في نجاحها في استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا"، واختيارها في عضوية العديد من المنظمات الدولية.

إن الإنجازات العديدة التي حققتها دولة الإمارات في ظل مرحلة التمكين، لا يمكن الفصل فيما بينها، فالنجاح في بناء اقتصاد قوي ما كان ليتحقق لولا المناخ الأمني المستقر الذي تنعم به الدولة، وتمتعها بدرجة عالية من الاستقرار السياسي، كما أن الأوضاع السياسية والاقتصادية المتطورة في الإمارات قد أنتجت سياسة خارجية متزنة بعيدة عن أي توترات أو افتعال للأزمات، وهو ما أكسبها احترام الجميع في الداخل والخارج، كما أن هذه السياسة الخارجية التي تحظى بالقبول والمصداقية على الساحتين الإقليمية والدولية، جعلها داعماً لخطط التنمية في الداخل وأهدافها، فبفضل التحركات المختلفة التي قامت بها الدبلوماسية الإماراتية، استطاعت الدولة أن تحتل موقعا دوليا متقدما في خارطة الاستثمار العالمي، واستقطاب عدد كبير من مؤسسات الاستثمار العالمية لإقامة مشاريع ضخمة في مختلف إمارات الدولة.

دولة الإمارات في عيدها الوطني الأربعين تبدو نموذجاً وحدوياً قادراً على البناء والتطور، فما تحقق من إنجازات في الداخل والخارج يشير إلى أنها على موعد حقيقي مع مستقبل أكثر تطوراً، وفي انتظار مزيد من الإنجازات، التي تضمن لها تثبيت موقعها ومكانها المتميز وحضورها الفاعل على الساحتين الإقليمية والدولية؛ لأن هناك قيادة حكيمة ورشيدة تنظر بتفاؤل لهذا المستقبل، وتحرص على الاستثمار فيه بفاعلية، سواء كان ذلك الاستثمار موجهاً إلى البشر، الذين يعتبرون أغلى ثروات الوطن الحقيقية، أو موجهاً إلى عناصر التنمية الأخرى، من تعليم وبنية تحتية ومشروعات عملاقة في المجالات كافة، وهي العناصر التي تشكل معاً ركائز التنمية الشاملة والمستدامة التي تميز دولة الإمارات.

Share