الإمارات في عيدها الأربعين: نموذج للتنمية الاقتصادية المتوازنة والمستدامة

  • 24 نوفمبر 2011

تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة في الذكرى الأربعين لقيام الاتحاد تجربة ناجحة على أكثر من صعيد، فهي أولاً التجربة الاتحادية العربية الوحيدة المستمرة منذ أربعة عقود، وثانياً، التجربة الاقتصادية التي تمثل نموذجاً رائداً للمنطقة بأسرها، والتي أصبحت محط أنظار العالم، باعتبارها تجربة أدت إلى انتقال المجتمع من مرحلة ما قبل النفط إلى مجتمع متقدم تتوافر فيه كافة متطلبات الحياة العصرية وأدواتها التقنية المتطورة.

عندما وضع القادة المؤسسون لدولة الإمارات بقيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أسس تكوين الدولة الحديثة قبل أربعين عاماً، كان الاقتصاد المحلي يقف في ترتيب متأخر نسبياً، مقارنة بالاقتصاديات العربية الأخرى، لكن الجهود الكبيرة التي بذلها هؤلاء القادة العظماء قادت الدولة إلى تحقيق تقدم هائل في البنية الاقتصادية والاجتماعية لدولة الإمارات، التي انتقلت بفضل تلك الجهود لتحتل المرتبة الثانية بين الدول العربية اقتصادياً، متخطية في ذلك اقتصاديات بلدان عربية كبيرة يبلغ عدد سكانها أضعاف عدد سكان الدولة.

وقد يتبادر للوهلة الأولى أن السبب في تحقيق هذا الإنجاز المميز يرجع إلى ما تمتلكه الدولة من موارد نفطية، ومع الاعتراف بالأهمية الاستثنائية لعائدات النفط في دفع عجلة النمو الاقتصادي، فإن ذلك لا يمثل السبب الوحيد أو الأساسي في تحقيق هذه الطفرة الاقتصادية والتنموية، فدولة الإمارات تمكنت من تجاوز بلدان نفطية كبيرة سبقتها بسنوات عديدة في إنتاج النفط وتصديره، ما يعني أن التجربة الإماراتية ليست تجربة نفطية فحسب، بل هي تجربة تنموية شاملة ورائدة، يقف خلفها مزيج من عوامل الحكمة والثروة والإخلاص والعزم على تحدي العقبات والمصاعب، وتسخير الثروة النفطية لإيجاد اقتصاد متنوع ومجتمع متقدم.

وإذ ما أخذنا بعض المؤشرات التنموية، فإننا سنجد أن دولة الإمارات حققت أعلى معدل للنمو بين بلدان المنطقة في الأربعين عاما الماضية، إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي ليتخطى حاجز 1100 مليار درهم (300 مليار دولار تقريباً) في الوقت الحاضر، وصاحب هذا النمو السريع تنوع كبير في هيكلية هذا الناتج؛ حيث تراجعت مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 75% عند قيام  الاتحاد إلى ما دون الـ 40% حالياً، مقابل ارتفاع حصة القطاعات غير النفطية لتتجاوز 60% في ظاهرة تميز دولة الإمارات عن غيرها من البلدان المنتجة للنفط في العالم.

وقد ساهم هذا التنوع الكبير في الناتج المحلي في تنمية القطاعات الاقتصادية التقليدية، كقطاع التجارة والعقارات، كما ساهم أيضاً في خلق قطاعات حديثة كان لها شأن كبير في تنويع القاعدة الاقتصادية للدولة. ويأتي القطاعان الصناعي والمالي في مقدمة هذه القطاعات؛ ففي الوقت الحاضر تملك دولة الإمارات واحداً من أكبر مصانع الألمنيوم في العالم؛ إذ يتوقع أن يبلغ إنتاج مؤسسة دبي للألمنيوم "دوبال" ومصنع الإمارات للألمنيوم "إيمال" 2.5 مليون طن سنوياً، لتصبح معه الدولة أكبر منتج للألمنيوم في منطقة الشرق الأوسط، وواحدة من أكبر منتجي الألمنيوم في العالم.

وفي الوقت الذي عززت فيه دولة الإمارات من موقعها، كأهم مركز تجاري في المنطقة، فقد تحولت خلال الأربعين عاماً الماضية إلى مركز مالي عالمي، وإلى نقطة ارتكاز حيوية لوسائل النقل والاتصالات بين القارات، وإلى مقصد سياحي عالمي يجتذب أهم المشاهير في مختلف المجالات، هذا بالإضافة إلى الإنجازات التي تحققت في مجال الخدمات كالتعليم والصحة، تلك التغيرات الكبيرة التي تم التحضير لها من خلال إقامة بنى تحتية تُعدّ من ضمن أفضل البنى التحتية في العالم.

لقد منح هذا التحول الهائل في الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية للدولة قوة اندفاع تنموية مستمرة جعلت هذا البناء يقف شامخاً ومعبراً عن إرادة فولاذية وتصميم كبير من مؤسس الدولة، المغفور له الشيخ زايد، الذي كانت تضمحل أمام إصراره أكبر العقبات وأشدها صعوبة، مما أوجد بنية اقتصادية صلبة تمكنت من تجاوز طرق وعرة، ومطبّات إقليمية وعالمية ألحقت ضرراً بالغاً باقتصاديات كبيرة وعريقة.

وليس أدل على هذا النجاح وهذا العزم من قدرة دولة الإمارات على الاستمرار في تحقيق التقدم المنشود، على الرغم من اندلاع حرب الخليج الأولى بعد عشر سنوات من قيام الاتحاد، ثمّ حربي الخليج الثانية والثالثة، ورغم انهيار أسعار النفط بصورة مفاجئة وكبيرة في عامي 1984 و1998، والتي تدنت فيهما أسعار النفط إلى اقل من 10 دولارات للبرميل، فعلى الرغم من ذلك كله استمر اقتصاد الدولة في تحقيق معدلات نمو إيجابية، مما يدل على قوة الاقتصاد المحلي وتحليه بالمرونة الناجمة عن التنوع وقوة الإرادة.

وشكلت تجربة تخطي هذه الصعوبات نموذجا آخر في قدرة الاقتصاد المحلي على تجاوز عقبات كبيرة كالأزمة المالية العالمية في عام 2008، وأزمة الديون الأوروبية في عامي 2010 و2011 والتي لا زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن.

وفي الوقت الذي انهارت فيه مؤسسات مالية واقتصادية عريقة، وكادت تنهار فيه اقتصاديات كبرى عديدة حول العالم بسبب ما نجم عن هذه الأزمة من كساد اقتصادي وانضمام ملايين جديدة لطوابير العاطلين عن العمل، شهدنا تماسك اقتصاد دولة الإمارات وسائر الاقتصاديات الخليجية، ونجاحها في تحقيق معدلات نمو جيدة على الرغم من تأثر بعض القطاعات الاقتصادية التي شهدت نمواً مفرطاً في فترة ما قبل الأزمة، كالقطاع العقاري على سبيل المثال.

ومرة أخرى، فإن ذلك لا يعود فقط إلى ارتفاع أسعار النفط في السنوات الثلاث الماضية، وإنما إلى تنوع القطاعات الاقتصادية الأخرى، وقدرتها على إضافة عوامل ديناميكية محفزة للاقتصاد الوطني، إلى جانب النفط، الذي ظل يؤدي دوراً مهماً كمحرك أساسي للنشاط الاقتصادي في الدولة. ودون هذا التنوع والقدرة على امتصاص الصدمات، سيكون النفط وحده عاجزاً عن انتشال الاقتصاد المحلي من تداعيات الأزمة المالية الخطيرة التي مر بها العالم.

ومع أن القطاع المالي تكبد بعض الخسائر، وذلك بحكم عولمة هذا القطاع وارتباط المؤسسات المالية والمصارف المحلية بمثيلاتها العالمية من جهة، وانكشاف البنوك الوطنية على بعض الديون  من جهة أخرى، إلا أن الهيكل العام للقطاع القطاع المالي ظل قوياً وقادراً على النمو وتحقيق الأرباح، مما يعكس متانة هذا القطاع بشكل خاص، ومتانة الاقتصاد المحلي بشكل عام.

وفي المقابل، كان لمحاصرة تداعيات الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون الأوروبية دور كبير في تحفيز النمو الاقتصادي وتجاوز هذه التداعيات، مما وضع دولة الإمارات ضمن البلدان الصاعدة التي يعول عليها في إنعاش الاقتصاد العالمي، وذلك بفضل قوة اقتصادها ومتانته، والذي حقق معدلات نمو مرتفعة على مدى العقود الماضية.

ونظرا لهذه الأهمية التي تعلقها بلدان العالم على الاقتصاد الإماراتي، فإن ذلك سيشكل دافعاً آخر لتحقيق معدلات نمو سريعة وإيجاد اقتصاد محلي أكثر تنوعاً في المستقبل، مما يضع التجربة  الإماراتية ضمن أهم التجارب التنموية في العالم، والتي يمكن أن تشكل نموذجاً ليس لمحيطها العربي فحسب، وإنما لبلدان العالم النامي بشكل عام.

Share