الإمارات في عيدها الأربعين: سياسة خارجية فاعلة ومتوازنة

  • 8 ديسمبر 2011

تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأيام بذكرى مرور أربعين عاماً على تأسيسها، كدولة اتحادية مستقلة تكونت من سبع إمارات تحدّت واقع الفرقة والتشرذم لتصنع في الثاني من ديسمبر عام 1971 تجربة وحدوية رائدة، استطاعت أن تواجه كل المصاعب والتحديات، وأن ترسخ أركانها وتأخذ مكانها المتميز في تاريخ المنطقة كأنجح تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث. ولم يأت ذلك بطبيعة الحال من فراغ، وإنما جاء نتيجة جهد ومثابرة من قبل قيادات تاريخية استثنائية، عملت بدأب على بناء وترسيخ دولة مؤسسات قادرة على الوفاء بمتطلبات العصر وتجاوز أية سلبيات أو تحديات يمكن أن تعترض طريقها، ونسجت خيوط الثقة والتفاعل البنـّاء مع مواطنيها، مكرسة حالة فريدة من الانسجام الداخلي والتماسك والتلاحم الوطني النادر بين القادة والشعوب، مثلت ولا تزال قاعدة الاستقرار والأمن في دولة الإمارات.

وعلى مدى أربعة عقود تمكنت هذه الدولة الاتحادية من تحقيق إنجازات كبيرة في مختلف المجالات، رسخت من مكانتها وصورتها كدولة منفتحة على العالم، بمجتمع راق ومتسامح، وباقتصاد بدأ في التنويع بعيداً عن قطاع النفط الريعي، وبسياسة خارجية متوازنة ومسؤولة أكسبتها ثقة العالم واحترامه وتقديره.

وعلى عكس الاعتقاد السائد بين منظري العلاقات الدولية بأن الدول الصغيرة غير قادرة بحكم طبيعة تشكلها وقدراتها المحدودة على اتباع سياسة خارجية مستقلة، وبأنها تبني تحالفاتها على أساس علاقات متينة بالقوى الكبرى، نجحت دولة الإمارات بشكل كبير وملحوظ في أن تضع وتنفذ سياسة خارجية معتدلة ومتوازنة ومستقلة تعمل بالأساس على حماية مصالحها ومصالح مواطنيها من خلال بناء شبكة علاقات جيدة وقوية مع جميع القوى والمنظمات الدولية. وفيما يلي نظرة سريعة إلى مقومات هذه السياسة وإنجازاتها.

الأساس المحلي للسياسة الخارجية الناجحة:
ثمّة مجموعة من العوامل التي ساهمت، ولا تزال، في نجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات وتعزيز دورها في دعم المصالح الوطنية الإماراتية وحمايتها على الساحة الدولية، يأتي في مقدمتها الرؤية الحكيمة بعيدة المدى لدى صانعي القرار في الدولة، الذين ساهمت جهودهم البناءة في جعل الدولة عضواً بارزاً في المجموعة الدولية، يشارك في المبادرات الجماعية ويلتزم بالمسؤوليات الإنسانية، ويقدم نموذجاً للاعتدال المبني على احترام القوانين وقواعد السلوك الدولية.

العامل الآخر المهم يتمثل في التفاف الشعب الإماراتي حول قيادته السياسية الحكيمة والتعبير بشتى الطرق عن ولائه لها، وقد تعزز هذا الالتفاف الشعبي بفضل كاريزما مؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، صاحب الفضل الأول في تأسيس الاتحاد وتعزيز اللحمة الداخلية وتوطيد العلاقة بين الإمارات السبع، ووضع سياسة خارجية معتدلة ومبنية على مبادئ الحل السلمي للأزمات والوسطية والانفتاح. وهو الأمر الذي استمر بعد وفاته، ممثلاً بشخص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أطلق مرحلة التمكين بما شهدته من تعزيز المشاركة الشعبية في الشأن العام من خلال تغيير قواعد التمثيل الشعبي في المؤسسات التشريعية، وتجسد ذلك في إجراء أول انتخابات للمجلس الوطني الاتحادي عام 2006، قبل أن يتم توسيع قاعدة التمثيل في انتخابات عام 2011 التي ارتفع عدد أعضاء الهيئة الانتخابية فيها إلى أكثر من 130,000 ناخب إماراتي اختاروا عشرين عضواً من بين إجمالي أعضاء المجلس البالغ عددهم أربعين عضواً، وذلك وفق عملية تحديث سياسي متدرجة ومتوازنة تهدف بالأساس إلى تعزيز مشاركة الشعب الإماراتي في وضع سياسات الدولة.

مبادئ السياسة الخارجية الإماراتية ومظاهرها:
تقوم السياسة الخارجية الإماراتية على مبادئ واضحة وثابتة لا تحيد عنها، قوامها: الاعتدال، والحل السلمي للأزمات، ونبذ العنف، وقدسية السيادة الوطنية، والالتزام بالحفاظ على استقرار إمدادات النفط وأسعاره، والالتزام بأمن منطقة الخليج العربي، وبالمواثيق والاتفاقيات الدولية. وفي سعيها لتحقيق أهدافها تعتمد هذه السياسة مزيجاً من أدوات القوة الصلبة والناعمة، التي مكنتها من تحقيق العديد من النجاحات والإنجازات المهمة وفق "سياسة ذكية" تنطلق من القراءة الموضوعية للواقع والظروف المحيطة لتخطط للمستقبل على نحو يصب في خدمة المصلحة الوطنية بعيدة المدى.

فمن ناحية لم تُغفل الدولة أهمية تأمين عناصر القوة الصلدة خلال العقود الأربعة الماضية، بل سعت إلى بناء وتطوير قواتها العسكرية والأمنية ورفع كفاءتها بشكل مستمر وعلى نحو يساعد على حماية أمنها الوطني، خاصة أنها تعيش في منطقة يسودها التوتر الدائم ومنطق الصراع والتنافس. كما أنها أمنت لنفسها منذ ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته الحلفاء الإقليميين والدوليين، من خلال اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف مثل اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية واتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، ومبادرة الشراكة الاستراتيجية مع فرنسا، إضافة إلى اتفاقية الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية.

ورغم ذلك، فقد ظلت أدوات القوة الناعمة هي العنصر الغالب والأكثر أهمية في تطبيق أهداف السياسة الخارجية الإماراتية. ومن أبرز هذه الأدوات تلك المتعلقة بالمساعدات الإنسانية للدول الفقيرة أو التي تعاني نكبات وكوارث. فحسب تقرير مكتب تنسيق المساعدات الخارجية لعام 2009، والصادر في يونيو 2010، بلغت المساعدات الخارجية لدولة الإمارات نحو 1% من إجمالي الناتج المحلي، وهي أعلى من نسبة 0.7% التي حددتها الأمم المتحدة للدول المانحة في تقرير أهداف الألفية. ووفقاً للتقرير فقد بلغت قيمة المساعدات الإنسانية والتنموية التي قدمتها دولة الإمارات في ذلك العام نحو 2.43 مليار دولار، استفادت منها 92 دولة حول العالم، وكان 95% منها على شكل منح، فيما قدّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خلال حفل إصدار التقرير، قيمة المساعدات الإنسانية التي قدمتها دولة الإمارات منذ تأسيسها عام 1971 بما يعادل نحو 44 مليار دولار. وتعدّ دولة الإمارات من أكبر الداعمين لأفغانستان (قدمت 250 مليون دولار عشية اجتماعات مجموعة أصدقاء أفغانستان في أغسطس الماضي) وباكستان واليمن. كما قدمت الدولة مساعدات إلى ضحايا تسونامي الذي ضرب سواحل المحيط الهادي عام 2008، وإلى اليابان بعد الزلزال الأخير، وإلى الصومال في أثناء موجة الجفاف الأخيرة، وإلى دول أفريقية أخرى.

وللإمارات أيضاً دور مهم في دعم القضايا البيئية الدولية وتطوير مصادر الطاقة البديلة والمتجددة، وكان اختيار العاصمة أبوظبي مقراً دائماً لـ"الوكالة الدولية للطاقة المتجددة" (أيرينا)، في يونيو 2009، شهادة اعتراف دولي لا تقبل الشك بدورها القيادي العالمي في هذا المجال، وبرهاناً قوياً على نجاحها في بناء شبكة علاقات دولية واسعة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بفضل دبلوماسيتها النشطة والفاعلة.

كما تمثل الإمارات نموذجاً للدولة الملتزمة بالمعايير الدولية المتعلقة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتطويرها. ففي عام 2009 توصلت الدولة إلى اتفاقية مع الولايات المتحدة لإنشاء برنامج نووي سلمي يطبق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومبادئها. كما عقدت اتفاقات مع كوريا الجنوبية، التي ستقوم إحدى شركاتها الكبرى ببناء أربعة مفاعلات نووية على الشاطئ الإماراتي بقيمة عشرين مليار دولار، وكذلك مع بريطانيا. وأكدّت الدولة منذ البداية أنها لا ترغب في القيام بعملية تخصيب اليورانيوم بنفسها، وإنما ستقوم بشرائه من السوق العالمية الحرة، وأنها لن تخزنه بل ستعيده إلى المصدر الأساسي، في تأكيد واضح على نهجها الشفاف في هذا الصدد.

دعم السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي:
يمثل العمل على حل الأزمات بشكل سلمي بعيداً عن العنف والتشنج، مع تأكيد الالتزام بمبادئ العدالة الدولية، أحد أهم توجهات السياسة الخارجية الإماراتية. فالإمارات، ومن منطلق حرصها على توفير البيئة المناسبة لتحقيق التنمية التي تصبّ في مصلحة الشعوب بدلاً من تبديد الجهد واستنزاف الموارد والطاقات في النزاعات والحروب، تقف دائماً إلى جانب أيّ جهد أو تحرك أو مبادرة تهدف إلى إقرار السلام والاستقرار في أي منطقة في العالم بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، فهي عضو في لجنة متابعة مبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي بُنيت على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، وتدافع عن حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولة مستقلة على أرضه عاصمتها القدس الشريف، وتدعو دائماً إلى إنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي، وتسويته سلمياً وفقاً للمرجعيات والمواثيق الدولية، الأمر الذي من شأنه أن يوجد واقعاً جديداً في المنطقة يقوم على التعايش والمصالح المشتركة بعيداً عن منهج القوة والعنف ومحاولات فرض الأمر الواقع.

وكان لدولة الإمارات دور بارز في تحقيق الاستقرار الإقليمي خلال الفترة الأخيرة التي شهدت اضطرابات واسعة في المنطقة العربية، تجسد بشكل خاص في اشتراكها بفعالية في وضع المبادرة الخليجية لتسوية الأزمة اليمنية، وفي إنهاء معاناة الشعب الليبي من خلال اشتراكها في تطبيق بنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 لعام 2011 لحماية المدنيين في ليبيا، وفي مكافحة القرصنة في بحر العرب وخليج عُمان، والمساعدة في إزالة الألغام في جنوب لبنان بعد حرب 2006. وقبل ذلك المشاركة في حرب تحرير الكويت عام 1991، والمشاركة في القوات الدولية في كوسوفو في التسعينيات، وغير ذلك من العمليات التي قوبلت بترحيب دولي واسع رسخ مكانة الدولة كبلد ملتزم بتحقيق الأمن والاستقرار في كل مناطق العالم.

ولا يقتصر دور الإمارات في تحقيق الاستقرار الإقليمي والعالمي على الجوانب السياسية والعسكرية فقط، فقد أدت الدولة دوراً مساعداً وداعماً للجهود الدولية المبذولة لتحقيق الاستقرار المالي العالمي بعد الأزمات المتتابعة التي ضربت الاقتصاد العالمي منذ عام 2008.

ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها الدبلوماسية الإماراتية في تعزيز مكانة الدولة الخارجية وتحقيق أهدافها الوطنية والقومية، ظلت قضية احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث – طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى– عام 1971 أحد أهم ملفات الدبلوماسية الإماراتية، التي تعالجها بهدوء وحنكة، فيما تتعسف إيران في رفضها لكل الحلول التي تحفظ الحقوق لأصحابها. فالإمارات طرحت بدائل للحل منها: المحادثات الثنائية، والوساطة الدولية، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية، إلا أن جميع محاولاتها وجهت بالتصلب والتعنت من جانب إيران. وعلى الرغم  من ذلك، ما تزال الإمارات متمسكة بنهجها القائم على ضرورة تسوية هذه المشكلة سلمياً.

Share