الإمارات… دولة المستقبل

د. عبدالله العوضي: الإمارات... دولة المستقبل

  • 1 ديسمبر 2008

بعد مرور سبعة وثلاثين عاماً على انطلاق المسيرة الاتحادية لدولة الإمارات، يحق لنا توضيح مجموعة من الحقائق التي لا تخفى على البعيد قبل القريب، وعلى الصديق قبل الشقيق، ولا سيما أن ثمار هذا الاتحاد، الذي بذل القادة الأوائل المؤسسون من أجله كل التضحيات ليصبح واقعاً ملموساً، باتت واضحة للجميع وفي متناول أيديهم.

على رأس هذه الحقائق تأتي حقيقة أن الإمارات ظهرت على الساحة الدولية لتكون دولة المستقبل بكل ما تحمل من تحديات وتبعات المشاركة الفاعلة في الأحداث الدولية المهمة، بما فيها من أزمات، كان آخرها الأزمة المالية الراهنة، التي وقفت فيها الدولة وقفة مسؤولة للمساهمة في إخراج العالم من مأزقه مهما كلف ذلك من جهد وأموال، المهم في النهاية أن يكون الحل تشاركياً وليس انفرادياً كما حصل في قمة "العشرين" بواشنطن.

وعلى المستوى المحلي، تبدو ملامح المستقبل، الذي تريد الدولة في عهد تمكينها الوصول إليه، واضحة في الإنجازات الماثلة التي تشهدها، والتي تؤسس لمرحلة جديدة من التطور والرقي في المستقبل، والدخول في زمرة الدول التي يشهد لها دائماً بالسبق سواء في مجال المعرفة أو الاقتصاد أو غيرها من المجالات المستجدة. فالدولة تُدار اليوم وفق استراتيجيات وخطط مدروسة وواضحة المعالم على مستوى كل إمارة، ووفق منظومة اتحادية متناسقة ومتجانسة الخطوات والأهداف، وبعيدة عن التصادم، مع توافر قدر كبير من المرونة في التفاصيل الدقيقة لأي مشروع يطرح على المستوى الاتحادي لإنزاله وتنفيذه محلياً.

فمن الآن وحتى سنة 2015، تبدو كل متطلبات واستحقاقات المرحلة القادمة واضحة ومحددة ضمن الخطة الاستراتيجية العامة للدولة، كما استحدثت الحكومة بقيادتها الرشيدة المؤسسات التي تساعد في إنجاز هذه الخطة ووضعها موضع التطبيق، وقامت خلال هذا العام بالإعلان مبكراً عن الميزانية الاتحادية قبل موعدها الرسمي بقرابة ثلاثة أشهر، وبزيادة واضحة مقارنة بميزانية العام الماضي، وهذا في حد ذاته دليل على أن كثيرا من المستجدات قد تؤخذ بعين الاعتبار عندما يتعلق الأمر بالشأن المجتمعي العام. وهذه سابقة مالية تحسب من باب الإنجاز المبكر والإيفاء بالتزام الحكومة تجاه الشعب في معاشه وأدق تفاصيل حراكه.

المعلم الآخر لهذه الحقيقة المستقبلية، أن الدولة لم تعد تتكئ على مبدأ الدخل الأوحد، وهو النفط، رغم استمرار أهميته ومساهمته المركزية في تطوير المستقبل؛ حيث نجحت الإمارات إلى حد كبير في تنويع مصادر دخلها الوطني، من خلال الاستثمار بقوة في القطاعات الاقتصادية الأخرى، وفي مقدمتها القطاع السياحي الذي تحاول الدولة زيادة وزنه ونسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، والدفع به ليكون منافساً لقطاع النفط إن لم يبزه في المستقبل القريب كما هو مخطط. ولا ننسى هنا مساهمات القطاعات الاقتصادية الأخرى التي تعمل الدولة على تنميتها، كالتجارة وإعادة التصدير، الذي يعد عصب الاقتصاد في بعض إمارات الدولة. ومن شأن هذه السياسة أن تُبعد عن نفوسنا شبح الخوف من نضوب النفط في المستقبل، كما أن لها حساباتها الخاصة في البعد الاستراتيجي لمستقبل الموارد المالية الإضافية للدولة.

ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى الحراك السياسي الذي حدث منذ أن انتهجت الدولة مبدأ الانتخابات في اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان)، فقد أثارت هذه الخطوة، التي تمثل تطوراً نوعياً مهماً في مسيرة التطور السياسي في الدولة، موجة استحسان عالمي، خاصة أنها جاءت بعد سنوات طويلة من الأخذ بأسلوب التعيين في شغل مقاعد هذا المجلس، وعكست إدراك القيادة الرشيدة لمتطلبات المرحلة الحالية، الأمر الذي دفعها إلى إرساء دعائم راسخة للبدء في هذا التطوير السياسي الذي يُراد له أن يتحول من مسار الانتخاب النصفي لأعضاء البرلمان إلى انتخاب كلي، وهو جزء لصيق بالأجندة المستقبلية للدولة في غضون السنوات المنظورة.

وتمثل هذه الخطوة نقطة في غاية الأهمية، خاصة وأننا كنا نُواجه في الغرب، وبالأخص في الأروقة الأكاديمية والعلمية بسؤال كثير التكرار وهو؛ أين الديمقراطية في الإمارات؟ فقد كانت المشكلة عند هؤلاء تتمثل في غياب الهيكل الموجود في الغرب، مع أن مضمون هذه الديمقراطية كان راسخاً في نهج الشورى الذي توج مسيرة الدولة منذ نشأتها، وهو أمر لا يتطابق بالضرورة مع هيكل المؤسسة الديمقراطية الغربية، الأمر الذي كان يحدث سوء فهم لدى الآخر عندما نقول له بأننا نتعامل مع حكامنا وقادتنا في جميع شؤوننا وفق نظرية الأبواب المفتوحة بين الشعب والحكومة؛ لأن هذا ما نشأنا عليه، فلم يكن الهيكل لدينا مهماً بقدر نفاذ المضمون أو المحتوى الديمقراطي في التعامل مع هموم وشجون المجتمع.

لقد أحدثت خطوة الانتخاب النصفي لأعضاء البرلمان في هذا الوقت ردود فعل إيجابية للغاية، خاصة في الأوساط التي تتعامل مع العملية الديمقراطية على اعتبار أنها نسخ كربونية يمكن استخدامها في كل زمان وأي مكان، وهذا يجانب الصواب في إطلاقه؛ لأن الصحيح أن نتعامل مع الشأن الديمقراطي العام على أساس من النسبية التي تراعي الاختلافات الثقافية بين المجتمعات وليس تأطيرها في قالب واحد. ولا ينفي ذلك بطبيعة الحال حقيقة أن الدولة تضع في تصورها المستقبلي تطوير العملية الديمقراطية في المجتمع بما يتناسب مع مصالحها ويحقق أهدافها من خلال هذا النهج الذي لم تتخل عنه لحظة منذ قيام الدولة بكامل واجباتها تجاه أفراد الشعب.

في هذا السياق حدث تطور نوعي في النسق السياسي لبنية المجتمع عندما شاركت المرأة، وهي التي تمثل كل المجتمع بالمعنى الواقعي وليس نصفه فقط، تصويتاً وترشيحاً في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، بحيث غدت منافسة للرجل على كرسي البرلمان، ومشاركة حقيقية في أداء الدور الريادي الذي يقوم به. وبشكل عام، أصبح إعلاء شأن المرأة الإماراتية في شتى مجالات الحياة، جزءاً لصيقاً من الأجندة المستقبلية للدولة في قابل الأعوام، ولا نريد هنا أن ندخل في سباق الأرقام لأنها قابلة للنسبة والتناسب بين المجتمعات أثناء إجراء المقارنات غير المتوازنة، فالأهم هو أن المرأة الإماراتية أصبح لها دور مهم في صناعة هذا المستقبل، من خلال المشاركة في صناعة واتخاذ القرارات التي ترسم ملامحه، ولم تعد المشكلة اليوم تتعلق بالنوع الاجتماعي أو الجنس (الجندر)، وإنما أصبحت ترتبط بالكفاءة وإتاحة الفرصة للجميع؛ فقد تكون هناك وزيرة واحدة بين عشرات الوزراء من الرجال، ولكنها تستطيع أن تثبت قدرتها وأن تبزهم جميعاً إذا أحسنت استخدام طاقاتها وإمكانياتها.

المرأة الإماراتية أصبحت اليوم مأذونة شرعية ونائبة في البرلمان وسفيرة ووزيرة، وقبل ذلك كانت حارسة للأمن والعين الساهرة على خدمة وطنها وقائدة للطائرة ومهندسة للإعمار، فضلاً عن كونها معلمة وطبيبة ومحاسبة وقانونية…إلخ، وبالتالي فقد أصبحت تشارك وبقوة في قيادة في سفينة المستقبل بلا تردد، بل إن المجتمع الذي كان يرفض قيام المرأة بهذا الدور في السابق، انقلب إلى يد معينة لها لخوض غمار تحديات المستقبل مع إخوانها من الرجال في مختلف المواقع. وأصبح الرجل، الذي كان يتهم بأنه هو معوق هذا الحراك المجتمعي الخاص بالمرأة، هو المساهم في تشريع القوانين لصالحها وفق متطلبات التنمية المستدامة، التي لا يمكن الوصول إلى بر النجاح فيها إلا بقيام المجتمع على قدمين وساقين دون أن تلتف إحداهما بالأخرى.

إن دولة المستقبل في الإمارات ماضية لقطف ثمار ما تغرسه في جينات أبنائها من أجل غد أفضل، ليس فقط للمواطنين، وإنما لكل المقيمين على هذه الأرض الطيبة، ولكل مساهم في نهضة مستقبل هذا البلد، الذي سيعم خيره بلا شك على جميع القاطنين فيه. صحيح أن ما تم انجازه خلال العقود الماضية يصعب حصره، ولم نذكر منه إلا القليل، ولكننا نترك الباقي لكل باحث عن الحقيقة في هذه الدولة، التي أبت إلا أن تكون دولة المستقبل، وما نراه اليوم من نماء متواصل وعمار يشار إليه بالبنان إنما هو إمارات المستقبل.

Share