الإمارات بعد زايد: دولة واعدة على خطى المؤسس

الإمارات بعد زايد: دولة واعدة على خطى المؤسس

  • 3 نوفمبر 2004

ستكون المعالجات التي ستتناول الآثار المترتبة على غياب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل  نهيان محور اهتمام الدوائر السياسية والبحثية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية في الفترة المقبلة، استناداً إلى المكانة الفريدة التي يحتلها هذا الزعيم النادرفي ضمير وطنه وأمته والعالم أجمع.

لكن تلك المعالجات، كما بدا واضحاً في إرهاصاتها الأولى، ستقف طويلاً عند قدرة هذا القائد على بناء وترسيخ دولة مؤسسات، ذات رشد وحضور وكفاءة، تمكنها من تجاوز تأثيرات رحيله، باستلهام روحه ونضاله ومآثره، نحو تحقيق رؤاه، التي هي أعز وأنبل غايات قادة الدولة وأبناء شعبها.

فقد تمحورت التعليقات السياسية والإعلامية التي احتشدت بها وسائل الإعلام على مستوى العالم أجمع عقب إعلان نبأ الرحيل المفجع مساء الثلاثاء الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2004، حول محورين أساسيين؛ أولهما: تعبيري بلاغي؛ ذو علاقة بالأثر الإنساني-العاطفي المباشر، حيال شخصية فاضت ملكاتها الإنسانية ومثالية تصوراتها وأدائها ونهجها الأخلاقي حتى شغلت جزءاً مهماً من مشهد حضورها الطاغي. وثانيهما: عقلاني سياسي؛ ذو علاقة وثيقة بالتقدير العملي لرجل دولة من الطراز الأول؛ امتلك رؤية عزّت على الأحلام، فإذا بها، بعزمه وحكمته ودأبه، حقيقة ماثلة تفضح كل تخاذل أو تواكل، وتعزز كل تصميم وإيمان.

والواقع أن هذين المحورين هما مفتاحا شخصية هذا الزعيم التاريخي ذي المكانة الفريدة؛ إذ يمكن القول إنه، من خلالهما، دشن مدرسة في الممارسة السياسية؛ جمعت بين المثالية الأخلاقية والإدارة السياسية الحكيمة الرابحة في نهج واحد، بعدما افترقتا في معظم التجارب التي عرفها التاريخ والحاضر.

وقد مكّن هذا النهج الفقيد العظيم من تأسيس الدولة، بانياً وحدة متينة كرسها اليقين، في وقت كان التفتت والتجزؤ فيه سائدين. ثم قاد هذه الدولة في عالم يموج بالتحولات والصراعات، وفي منطقة مؤرقة بالفتن والأطماع وإغراءات الثروة ومخاطرها، وفي أجواء حروب ونزاعات؛ ليثبت الدعائم، ويتفادى المخاطر، ويحقق الرخاء والرفاهية لشعبه، ويفي باستحقاقات أمته بشكل يليق بكريم شجاع وفي، معززاً استقلالية بلاده مكرساً موقعها بين الأمم.

وفي غضون هذا، تمّكن الشيخ زايد من إرساء دعائم دولة مؤسسات قادرة على الوفاء باستحقاقات العصر؛ تصدرت قوائم الإنجاز في تقييمات الأمم، وتوافقت مع أجندة التقدم ووفت بمتطلباته، دون أي تفريط أو مساس بكل ما برهن على أصالة وجدوى في التراث والثوابت والروابط التاريخية.

لقد أعطت هذه الدولة، في الساعات الأولى التي تلت إعلان نبأ الرحيل المفجع، الدلائل اللازمة كلها على أنها قادرة على تجاوز محنة الغياب نحو تحقيق أهداف القائد المؤسس ورؤاه، رغم الألم العميق الذي يحتاج همة ووقتاً لتجاوزه.

لذا فقد ظهر في تحليلات القادة والسياسيين والأكاديميين والباحثين والإعلاميين، الذين انشغلوا بالحدث الجلل منذ وقوعه، وحرصوا على التعبير عن آرائهم والمشاركة بمحاولات صادقة لتسليط الضوء على جزء ولو يسير من مناقب الراحل العظيم وحكمته وآثاره في الدول والناس، ظهر في تحليلات هؤلاء اهتمام ظاهر بمستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة وأدائها المتوقع على الصعد كلها.

وقد خلص هؤلاء إلى عدد من المحاور التي تمتعت بثبات واتفاق ظاهرين؛ أولها: أن القائد خلّف جيلاً من أبنائه قادراً على تمثل سماته، واقتفاء خطواته، والتطوير والإبداع في مسارات تفضي إلى كل خير وتقدم ومنعة.

وثانيها: أن البنية المؤسسية لهذه الدولة من المتانة والسلاسة والكفاءة الوظيفية، التي تمكنها من احتواء التداعيات السلبية لأفدح حدث واجهته منذ قيامها، وهو مصابها، الذي تتقاسمه مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والأمتين العربية والإسلامية في هذا القائد العزيز.

وثالثها: أن تجربة زايد في الحكم تكرست بالاحترام والنجاح، وتعمقت بالمؤيدين والمناصرين، وتأطرت بالتنظيرات والتأصيلات، فصارت مثلاً واضحاً مبهراً، وعنواناً للدولة وجزءاً من قوامها، لا ينفصلان أبداً.

ورابعها: أن ثمة إصراراً واضحاً لدى قادة الدولة على استمرار نهج التقدم والأمن والسلام والتسامح والرخاء والعدل، وأن تكون تلك الدولة وفية لمبادئ مؤسسها وصانع مكانتها وحضورها المشرف في العالم.

Share