الإمارات العربية المتحدة وعام الطاقة المستدامة

  • 24 يناير 2012

حققت دولة الإمارات العربية المتحدة تقدماً سريعاً في مجال الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة، وشهدت مكانة الدولة كلاعب مهم في هذا المجال دفعة قوية مع انتقال المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) إلى أبوظبي في عام 2009. وترسيخاً لهذا الدور المهم، افتتح الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يوم 14 يناير 2012، الدورة الخامسة للقمة العالمية لطاقة المستقبل (WFES) في أبوظبي. وتعد هذه القمة من أهم المحافل العالمية التي تُعنى بتطوير تطبيقات الطاقة النظيفة والمتجددة، وزيادة كفاءة الطاقة وتحسين البيئة.

وقد جمعت القمة التي انعقدت تحت شعار "تمكين الابتكار المستدام" صناع القرار الحكوميين والصناعيين الملتزمين بإيجاد حلول ناجعة للتحديات المتزايدة التي يواجهها العالم في مجال الطاقة المتجددة. كما أصبحت تمثل منتدى للمناقشات والتواصل بين الموردين والمصنعين والعملاء في كل من القطاعين العام والخاص. وقد مهدت القمة الطريق أمام بعض المبادرات الرائدة.

وفي ظهوره الثاني على التوالي في القمة العالمية لطاقة المستقبل، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مبادرة "السنة الدولية للطاقة المستدامة للجميع"، وحدد ثلاثة أهداف يتعيّن على المبادرة تحقيقها بحلول عام 2030، وهي ضمان توفير خدمات الطاقة النظيفة في كافة أنحاء العالم، ومضاعفة معدل تحسين كفاءة الطاقة، ومضاعفة حصة الطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة العالمي. ولتوضيح أهمية هذه المبادرة، قال الأمين العام: "إننا نرى في كافة أنحاء العالم اتجاهاً متصاعداً لاتخاذ إجراءات ملموسة تحد من نقص الطاقة، وتحفز النمو الاقتصادي المستدام، وتخفف من مخاطر تغيّر المناخ. إن تحقيق الطاقة المستدامة للجميع أمر ممكن وضروري في الوقت نفسه. وستساعدنا مبادرتي على إنجاز كافة هذه الأهداف، وبالتالي سنحقق جميعاً نصراً على ثلاثة أصعدة".

وقبل يوم واحد من إعلان هذه المبادرة، كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قد أطلق استراتيجية مهمة تحت شعار "اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة". وتسعى دولة الإمارات العربية المتحدة عبر هذه المبادرة إلى حجز موقعها القيادي بين دول العالم في هذا المجال من خلال مجموعة واسعة من التشريعات والبرامج والسياسات والمشروعات. كما أنها تهدف إلى أن تصبح مركزاً لتصدير المنتجات والتكنولوجيات الخضراء وإعادة تصديرها، وتبذل الدولة جهوداً كبيرة للحفاظ على بيئة مستدامة لدعم النمو الاقتصادي طويل المدى. وقبل ذلك بأسبوع كان المجلس الأعلى للطاقة في دبي (SCE) قد أطلق مشروع مجمع الطاقة الشمسية بقيمة تبلغ 12 مليار درهم، وهو أول مجمع من نوعه في المنطقة من حيث قدرته الإنتاجية على مستوى المرافق.

إن سرعة الإعلان عن هذه المبادرات اكتسبت أهمية كبيرة لعدة أسباب؛ فقد ساد بين قادة العالم شعور بالحاجة الملحة إلى اتخاذ خطوات ملموسة لبيئة أكثر خضرةً، وأبدت دول عدة، من بينها دولة الإمارات العربية المتحدة، استعدادها لوضع الوعود في إطار التنفيذ. وإمارة أبوظبي هي المثال الأجدر بالذكر هنا، فهي تمتلك 8% من الاحتياطيات العالمية من النفط الخام، كما أنها موطن واحدة من أكبر عشر شركات نفطية في العالم. ووفقا لإحدى التقديرات، فإن أبوظبي لديها احتياطيات كربون تكفي 100 سنة على مستويات الإنتاج الحالية. ومع ذلك فقد وازنت هذه الإمارة بين دورها العريق كلاعب أساسي في مسرح الطاقة العالمية ودورها كرائدة في مجال الطاقة الخضراء، وهي تسعى لتصبح مركزاً عالمياً لتطوير هذا النوع الجديد من الطاقة. وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على تفاني إمارة أبو ظبي في خدمة قضية البيئة الخضراء.

وفي القمة العالمية الأخيرة لطاقة المستقبل، أعرب الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن حرص بلاده على إحداث تغيير على هذا الصعيد؛ حيث أكد أن "دولة الإمارات العربية المتحدة ملتزمة بتحمل مسؤولياتها كمزود عالمي رئيسي للطاقة، وأنها تعكف على ترسيخ هذه المكانة من خلال خلق مزيج متنوع من المصادر يشمل تطوير القدرات في مجال الطاقة المتجددة". وأضاف سموه أنه "في ظل التحديات التي تواجه العالم اليوم، من واجبنا العمل على ضمان أمن الطاقة، وبذل كافة الجهود لتطوير التكنولوجيا النظيفة؛ إذ يقع على عاتقنا مسؤولية الاستفادة من الموارد الطبيعية العديدة المتجددة على نحو يسهم في تحقيق التنمية المستدامة".

ويشهد النقاش حول استخدام الطاقة المتجددة تحولاً مهماً؛ إذ لم يعد يقتصر حول انبعاثات الكربون والوقود الأحفوري وحسب، بل أصبح يشمل سبل رفع كفاءة استخدام الطاقة للمساعدة في تخفيف الطلب الناجم عن النمو السكاني وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. ويرى محللون أن كمية الطاقة النووية والطاقة المتجددة المستخدمة في المنطقة بحلول عام 2030 ستعتمد على مدى توفر إمدادات الغاز الطبيعي بتكاليف مجدية، كما ستعتمد على سياسات الطاقة وأهدافها التي تقرها الدول منفردة. كما أن درجة تخفيض الدعم على الطاقة الأحفورية أو إلغائه ستؤثر أيضاً في درجة انتشار الطاقة البديلة واستخدامها.

إن مسألة استخدام مزيج الطاقة لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة باتت تحظى باهتمام كبير بالنسبة للموردين والمستهلكين على حد سواء. ولهذا السبب، كان تمثيل بلدان مثل الصين في القمة العالمية لطاقة المستقبل أمراً غاية في الأهمية. ففي خطابه الرئيسي الذي ألقاه خلال القمة، حدد رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو خطة من أربع مراحل لمعالجة تحديات الطاقة التي يواجهها العالم في المستقبل، مشدداً على ترشيد استخدام الطاقة والكفاءة في استخدامها. وحتى قبل حضوره إلى القمة، كان رئيس مجلس الدولة ون جيا باو قد تعهد بأن الصين سوف تخفض من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في اقتصادها بنسبة 17% (لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي) بحلول عام 2015. وبموجب خطتها الخمسية الثانية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ستقوم الصين بحلول عام 2015 بإنتاج 11.4% من الطاقة عبر الوقود غير الأحفوري لترتفع هذه النسبة إلى 15 % خلال عام 2020 مقارنة مع نسبة 8.3 % خلال عام 2010.

ولتحقيق هذه الأهداف الطموحة، أطلقت الصين مجموعة من الحوافز التنظيمية والمالية، بما في ذلك آلية تسعير إنتاج الطاقة المتجددة (feed-in tariffs)، وتقديم الدعم والقروض، وتوفير 200 مليار دولار كتمويل تحفيزي للاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وخفض انبعاثات الكربون، وتخصيص احتياطيات للحفاظ على استقرار أسعار الطاقة. وعلاوة على ذلك، تعتزم الصين إنفاق 473.1 مليار دولار على استثمارات الطاقة النظيفة في السنوات الخمس المقبلة، وسوف تقوم بإضافة قدرة إنتاجية تبلغ 370 جيجاوات من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2020. والأهم من ذلك، تقول الصين إنها ستبني – على غرار مدينة مصدر المستدامة في أبوظبي والخالية من الكربون والنفايات- مدناً خضراء بتقنيات متطورة لاختبار التكنولوجيات الناشئة للطاقة النظيفة والمتجددة.

وبغض النظر عن طموحات الصين، شهد معدل إنتاج الطاقة المتجددة تقدماً مطرداً في الآونة الأخيرة. فخلال عام 2010، زودت الطاقة المتجددة ما يقدر بنحو 16% من إجمالي الاستهلاك العالمي للطاقة، وهو ما يمثل حوالي نصف الطاقة الكهربائية الجديدة المضافة عالمياً والتي تبلغ 194 جيجاوات. ووفقا لأحد التقديرات، نمت قدرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على توليد الكهرباء بنسبة 73% و 24.6% على التوالي في عام 2010، بزيادة قياسية بلغت 39.4% لتصل قدرتها الإجمالية المثبتة إلى نحو 193 جيجاوات.

وشجع ارتفاع القدرة الإنتاجية أيضاً على الاستثمار في هذا القطاع. ويشير تقرير صادر عن شبكة سياسات الطاقة المتجددة إلى أن إجمالي الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة بلغ 211 مليار دولار في عام 2010 مقارنة مع 160 مليار دولار في عام 2009، حيث استمرت الزيادة المطردة سنوياً منذ بدء المتابعة في عام 2004. ووفقاً لتقديرات أخرى، ارتفعت الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة بمعدل خمسة أضعاف منذ عام 2009 على الرغم من أن الاستثمارات المستقبلية في هذا القطاع واجهت العديد من التحديات بدءاً من وضع السياسات إلى الأطر التنظيمية وقوى السوق.

ويقول كبير الاقتصاديين لدى وكالة الطاقة الدولية (IEA) الدكتور فاتح بيرول إن الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة سيبلغ ثلاثة أضعافه بين عامي 2008 و2035 مدفوعاً بشكل رئيسي بالطلب على توليد الطاقة. لكن التحديات لا تزال قائمة رغم ذلك. ويشير الدكتور بيرول إلى أن "الدعم الحكومي لوقود الطاقة يؤدي إلى عدم الكفاءة في استخدام الطاقة وهدرها من خلال الاستهلاك المفرط، إضافة إلى الوفرة الحالية من الغاز، وهذا كله يشكل تهديداً حقيقياً لمستقبل الاستثمار في الطاقة المتجددة". وبحسب الدكتور بيرول، فإن الدعم الحكومي يعد أحد أهم العوامل الرئيسية لتحقيق النمو في مجال الطاقة المتجددة، ويحتاج هذا القطاع إلى 6 تريليونات دولار من الاستثمارات من الصين والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حتى عام 2035.

إن النهج متعدد الجوانب الذي تتبعه دولة الإمارات العربية المتحدة بخصوص الطاقة المتجددة نجح في تسليط الضوء على دور الطاقة النظيفة، وأدى إلى اتخاذ مبادرات غاية في الأهمية لتطوير هذا المجال، كما أدى إلى رفع مستوى الاستثمارات المتدفقة له. ويهدف هذا النهج الذي تخطته الدولة إلى الحفاظ على دورها الرائد في سوق الطاقة العالمي وتحقيق التنمية المستدامة، وذلك من خلال ربط اقتصاد اليوم القائم على الوقود الأحفوري بطاقة اقتصاد المستقبل. وقد قدمت القمة العالمية لطاقة المستقبل في دورتها هذا العام لمحة عن هذا النهج، فقد شارك في هذا الحدث 25 مشروعاً رئيسياً للطاقة المتجددة بقيمة إجمالية تبلغ 4 مليارات دولار، وجرت العديد من مناقشات بشأن الحاجة المتزايدة لعمليات نقل التكنولوجيا، كما تم توجيه دعوات للقيام بمزيد من المبادرات للمساعدة في زيادة الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة. ومن هذا المنطلق أصبحت القمة العالمية لطاقة المستقبل منبراً لرواد الصناعة من أجل مناقشة التحديات وعرض التوقعات وتقديم الحلول لعام 2012 وما بعده.

Share