الإمارات العربية المتحدة والصين: شراكة استراتيجية

  • 26 يناير 2012

عكست زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني، ون جياو باو، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً، وهي الأولى من نوعها لمسؤول صيني على هذا المستوى منذ تدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1984، المدى الذي وصلت إليه علاقات البلدين على المستويات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وما ينتظر هذه العلاقات من تطوير خلال الفترة المقبلة في ضوء نتائج هذه الزيارة والإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها البلدان على صعيد الاقتصاد العالمي.

 وقد جاءت هذه الزيارة تتويجاً للتطورات المتسارعة التي شهدتها العلاقات الثنائية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، فمن الناحية السياسية، عكست الزيارة حرص الجانبين على مواصلة الزيارات والاتصالات رفيعة المستوى بينهما لتعزيز التنسيق والتعاون في مختلف المجالات، ذلك الحرص الذي كانت قد أكدته الزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي، إلى الصين عام 2008، والزيارة التي قام بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ولي عهد أبوظبي إلى الصين في عام 2009، واللتين التقيا فيهما بالرئيس الصيني، هو جين تاو، وكبار المسؤولين الصينيين، وتم خلالهما التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات الثنائية، ولاسيما في مجالي النفط والتجارة.

اقتصادياً، شهدت العلاقات بين البلدين تطورات لافتة، حيث تعد دولة الإمارات العربية المتحدة ثاني أهم شريك تجاري بعد السعودية بالنسبة للصين في منطقة الشرق الأوسط، فهي تستحوذ بمفردها على نحو ثلث التبادل التجاري الصيني مع دول الخليج العربية البالغ نحو 100 مليار دولار، وأكثر من خمس التبادل التجاري الصيني مع الدول العربية ككل والبالغ نحو 150 مليار دولار، وهو ما يدل على مكانة الإمارات كشريك تجاري مهم بالنسبة للصين. وطبقاً للإحصاءات التي أعلنها السفير الصيني لدى الإمارات، قاو يو شنغ، نما حجم التجارة الثنائية بين البلدين بنسبة 35% سنوياً خلال السنوات العشر الماضية، وبلغ حجم هذه التجارة نحو 32 مليار دولار في الأشهر الـ11 الأولى من عام 2011، مسجلاً زيادة قدرها 38.6% عن عام 2010؛ حيث نمت الصادرات الصينية إلى الإمارات بمقدار 28% لتصل إلى 24.3 مليار دولار أمريكي، في حين ارتفعت الواردات الصينية من الإمارات بمقدار 88.9% لتسجل 7.6 مليار دولار. في المقابل، أصبحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات منذ عام 2007، بعد الهند، حيث استأثرت الصين بنحو 8.5% و8.6% و7.5% من إجمالي التجارة الخارجية الإماراتية أعوام 2007 و2008 و2009 على التوالي.

ويعتمد الاقتصاد الصيني على دولة الإمارات باعتبارها البوابة التجارية للمصدرين الصينيين في المنطقة، إذ إن نحو 70% من الصادرات الصينية إلى الإمارات يعاد تصديرها إلى دول مجلس التعاون الخليجي وأفريقيا وحتى أوروبا؛ ما يشير إلى الأهمية المتزايدة للإمارات العربية المتحدة كمركز تجاري في المنطقة. تستحوذ الإمارات على المرتبة الأولى عربياً من حيث قدرتها على جذب الاستثمارات الصينية، حيث تشير تقديرات دائرة التنمية الاقتصادية بأبوظبي إلى أن عدد الشركات الصينية العاملة في الدولة يبلغ نحو 3000 شركة، علاوة على ذلك هناك أكثر من 200 ألف صيني يقيمون ويعملون في دولة الإمارات.

وعلى الرغم من التطور الملموس الذي شهدته العلاقات الثنائية بين الصين والإمارات، فإن هناك عدة عوامل ستساهم في تطوير هذه العلاقات في المستقبل، وفي مقدمتها الرغبة المشتركة لكلا البلدين في تطوير هذه العلاقات والوصول بها إلى درجة أكبر من التعاون والشراكة، وهو ما عكسته تصريحات الجانبين خلال زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني للإمارات مؤخراً، فقد عبر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن أمله في أن تمثل زيارة ون جيا باو "خطوة متقدمة نحو مزيد من التعاون وترسيخ الشراكة الاقتصادية بين البلدين الصديقين"، فيما اعتبر الأخير "أن التعاون بين الإمارات والصين يشكل نموذجاً للتعاون الدولي في إطار من الشراكة الاقتصادية والتجارية". يعزز من ذلك الرؤية السليمة من جانب كل طرف لأهمية الطرف الآخر وما يتمتع به من مكانة وإمكانات، فالصين تمتلك مقوّمات كثيرة تشكل دافعاً لدولة الإمارات لتعزيز علاقاتها المشتركة معها؛ فهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكثرها نمواً وتطوراً (بلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 6.9 تريليون دولار في نهاية عام 2011 بمعدل نمو بلغ نحو 9.5%)، وثاني أكبر مستهلكي النفط في العالم، وأكبر قوة بشرية على الإطلاق، فضلاً عما تتمتع به من مكانة سياسية بوصفها إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. في المقابل تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة عوامل محفزة للجانب الصيني لتعزيز العلاقات معها، ومن تلك العوامل إمكانياتها الاقتصادية والتجارية، ودورها المتوازن في أسواق النفط العالمية، وكونها أحد المنتجين الرئيسيين للنفط في العالم، وانفتاحها على مختلف أسواق العالم، فضلاً عن دورها العالمي الرائد في مجال الطاقة المتجددة.

وقد وجدت هذه الرغبة المشتركة في تطوير العلاقات بين الجانبين ترجمة سريعة لها في الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني للإمارات، والتي كان من أبرزها الاتفاقية الذي تم توقيعها بين البنك المركزي الإماراتي ونظيره الصيني لمقايضة عملتي البلدين بنطاق 20 مليار درهم، والتي تضع آلية لتقليص مخاطر التبادل بين الدرهم الإماراتي واليوان الصيني، بغرض تسهيل دفعات التجارة والاستثمار بين البلدين. واتفاقية التعاون الاستراتيجي بين شركة أبوظبي الوطنية للبترول (أدنوك) وشركة بترول الصين الوطنية، إضافة إلى مذكرة التفاهم بشأن التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والتي نصت من ضمن بنودها على تعزيز الاستثمار المشترك في مجالات حلول التكنولوجيا المستدامة ومشروعات الطاقة المتجددة على نطاق المرافق الخدمية، فضلاً عن تبادل الخبرات في مجال السياسات والشؤون التنظيمية، وإجراء البحوث المشتركة في مجال مشروعات الطاقة المتجددة. وتكتسب مذكرة التفاهم الأخيرة هذه أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة البلدين ودورهما في مجال الطاقة المتجددة، فالإمارات التي تستضيف مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، تضع الاستثمار في تطوير هذا القطاع في قمة أولوياتها، وكان لها دور متميز في تطوير تكنولوجيا الطاقة النظيفة ونشرها خلال السنوات الأخيرة من خلال مبادرة مصدر. أما الصين فتعد من القوى الأكثر سعياً لتطوير هذا القطاع، حيث تعتزم إنفاق أكثر من 470 مليار دولار على استثمارات الطاقة النظيفة في السنوات الخمس المقبلة. وبالتالي فإن تعزيز التعاون بين البلدين في هذا المجال سيفتح آفاقاً أكبر لتطوير التعاون الشامل بينهما في المستقبل.

لكن التطور الأهم هنا تمثل في البيان المشترك الذي أصدره البلدان حول إقامة علاقة شراكة استراتيجية بينهما، والذي سيمثل وثيقة استرشادية للعلاقات الثنائية في المستقبل، وبموجب هذا البيان قرر البلدان إقامة علاقة شراكة استراتيجية من أجل تعزيز العلاقات الإماراتية- الصينية، وتدعيم التعاون الودي في مختلف المجالات، كما توافق البلدان طبقاً لهذا البيان على أمور مهمة، من بينها: الاتفاق على زيادة الزيارات المتبادلة عالية المستوى، وتوثيق المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية البلدين بشكل أكبر، ودعم الصين للسياسات التي تتخذها دولة الإمارات فيما يتعلق بالسيادة الوطنية وسلامة الأراضي في مقابل دعم الإمارات سياسة صين واحدة، والسعي إلى التنمية الشاملة للتجارة الثنائية والتعاون الاقتصادي من خلال الاستخدام الكامل لمزايا التكامل بين الاقتصادين، وإقامة علاقة طويلة الأجل وشاملة في قطاع الطاقة، وتوسيع التعاون في المجالات المالية، بما فيها الصناعة المصرفية والأوراق المالية، وتعزيز التعاون في مجالات إنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب والقضاء على الجريمة، وتعزيز التنسيق والتعاون بين البلدين داخل المنظمات الدولية لحماية مصالح كلا البلدين.

إن الأمر الذي لا شك فيه هو أن هذه الزيارة المهمة لرئيس مجلس الدولة الصيني لدولة الإمارات وما أفرزته من نتائج، ولاسيما الاتفاق على الانتقال بالعلاقات الإماراتية-الصينية من التعاون إلى إقامة شراكة استراتيجية، من شأنه أن يدفع العلاقات بين الجانبين إلى آفاق أرحب في المستقبل بما يخدم مصالح البلدين الصديقين. كما أن من شأن ذلك أن يقدم شهادة اعتراف جديدة بنجاح النهج الذي تسير عليه القيادة الإماراتية الرشيدة في بناء علاقات ودية ومتوزانة وبناءة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، ولاسيما الفاعلة منها، بما يخدم في النهاية المصالح العليا لدولة الإمارات العربية المتحدة، ويعزز مكانتها على الساحتين الإقليمية والدولية.

Share