الإمارات… السرب الآمن

  • 9 مارس 2010

لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة يوماً موضعاً للطعن في مصداقية الأمن والاستقرار الذي تتمتع به في كافة شؤونها نتيجة السياسات الحكيمة التي تنتهجها في كافة المجالات، والاهتمام الذي توليه لقضايا الأمن والاستقرار في الداخل والخارج، باعتبارها الركيزة الأساسية للتنمية المستدامة وتحقيق التقدم والازدهار لأبناء المجتمع. وحادثة اغتيال القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح، التي وقعت في دبي في شهر يناير 2010، جاءت لتدعم هذه المصداقية، وتطرد أي هاجس بشأنها، وتثبت للجميع قوة النهج الأمني الذي تنتهجه الدولة ورصانته.

لقد أثبتت العيون الساهرة على أمن هذا الوطن واستقراره جدارتها وكفاءتها، واستحقت الثناء والإشادة بالجهود الرائعة التي قامت بها، والتي أكدت من خلالها أنه لا يمكن للموساد ولا لأي جهة أخرى أن تقف عقبة أمام الاستمرار في النهج الذي تسير عليه دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي  آثر الانفتاح على الآخر في كل الظروف الصعبة منها قبل الطبيعية. إن عملية الكشف السريع عن الجهة والعناصر التي تورطت في اغتيال المبحوح بعثت للعالم برسالة واضحة مؤداها أن أية جهة تسول لها نفسها استغلال سياسة الانفتاح التي تنتهجها الدولة ستجد عيوناً يقظة تفضح جرائمها، وأجهزة بارعة تلاحق المسؤولين عنها وتطاردهم، وتثبت للجميع أن أمن الإمارات وسيادتها خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه أو العبث به من أي جهة كانت.

إن ظلال الأمن المشاعة على كل قاطن على أرض هذه الدولة كانت، وستظل، الدافع الرئيس لجذب مئات الجنسيات للعمل أو السياحة أو الزيارة من كل الأصقاع. وتؤكد استطلاعات الرأي العام هذه الحقيقة الفاضحة لغير ذلك من الأقاويل والأباطيل؛ حيث أظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة "يوجوف" مؤخراً حول مستوى الأمان الذي يشعر به سكان دولة الإمارات العربية المتحدة أن نحو 97% من المشاركين في الاستطلاع أكدوا أنهم يشعرون بالأمان، وأشار هؤلاء أيضاً إلى أن تجربتهم الشخصية مع الجريمة في الدولة متدنية للغاية.

وتعطي نتائج هذا الاستطلاع مؤشراً مهماً على النجاح الذي حققته الدولة في مجال توفير الأمن والحماية والاستقرار لكافة القاطنين على أراضيها من مواطنين وأجانب، ذلك النجاح الذي جاء نتيجة جهد دؤوب وعمل متواصل جعل الإمارات واحة للأمن في منطقة تملأ ساحاتها التوترات السياسية والعرقية والطائفية، الكل فيها يبحث عن الأمن "المفقود" في أرضه. ولذا لم يكن غريباً أن تصنف مجلة "فورين بوليسي" في الدراسة التي أعدتها بالتعاون مع "صندوق التمويل من أجل السلام" الإمارات ضمن أكثر الدول أمناً واستقراراً في العالم في العام 2009؛ حيث جاءت في المرتبة الثانية عربياً والـ 39 عالمياً من أصل 177 دولة.

لقد تعاملت الأجهزة الأمنية في الدولة بكفاءة ومهنية عالية مع جريمة اغتيال المبحوح؛ حيث تجنب القائمون على الشأن الأمني الدخول في المهاترات والمزايدات السياسية التي أرادت بعض الأطراف جر الأقدام إليها، وتم التركيز على كشف خيوط الجريمة؛ حيث تم إعداد ملف كامل عنها، وتم توثيق هذا الملف بالصور والوثائق ومقاطع الفيديو التي التقطتها الكاميرات لفريق الاغتيال منذ لحظة دخوله دبي وحتى مغادرته لها بشكل لا يعطي أي مجال للجهات المتورطة في هذه الجريمة للإنكار أو ادعاء عدم توفر الأدلة، كما تم بعد ذلك اتخاذ الخطوات العملية لملاحقة المتورطين في هذه الجريمة قضائياً عبر الإنتربول الدولي.

وتعاملت الجهات السياسية والدبلوماسية في الدولة مع هذه الجريمة بذات الكفاءة والمهنية والحزم؛ حيث أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، في حديثه لقناة "الحرة" أن ما حدث يمثل عملاً إجرامياً وخرقاً لسيادة الإمارات وأمنها، وأن الدولة ستبذل أقصى ما لديها من جهد لجلب هؤلاء المجرمين أمام العدالة. كما استدعت وزارة الخارجية سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي استخدم هؤلاء المجرمون جوازات سفرها في الدخول إلى الإمارات وذلك لحثهم على التعاون في عمليات التحقيق الجارية في الجريمة. وكان لنشاط الخارجية الإماراتية في هذا الصدد دور مهم في توضيح أن هؤلاء المجرمين لم يسيئوا إلى دولة الإمارات فقط وإنما أيضاً إلى الدول التي استخدموا جوازات السفر الخاصة بها في تنفيذ جريمتهم، الأمر الذي انعكس بالسلب على العلاقات بين إسرائيل وهذه الدول.

لقد أُعجب الكثيرون بوصف إسرائيليين عملية كشف تورط الموساد في جريمة اغتيال المبحوح بأنها فضيحة لم تحصل على مدار تاريخ الموساد المليء بالجرائم، ووصفهم للأجهزة الأمنية المحترفة بالدولة بأنها هي "الموساد"، في إشارة إلى تفوقها على "الموساد"، وهذا الاعتراف، وإن كان لا يضيف جديداً لرصيد الأجهزة الأمنية في الدولة وتميزها، فإن تشبيهه لهذه الأجهزة في كفاءتها بـ"الموساد"، ليس مفخرة لنا؛ لأن أجهزتنا الأمنية "مكرمة" وتعمل بما يمليه عليها الواجب بعيداً عن الظلام والطرق الملتوية والأساليب الإجرامية التي يستخدمها الموساد، ونحن لسنا في حاجة إلى شهادات مشبوهة من أولئك الذين يرتكبون الجرائم ضد النساء والأطفال والأوطان على أساس أنها حق مكتسب بحكم القوة وليس وفق موازين العدالة والقوانين والشرعية الدولية التي تلتزم بها أجهزتنا الأمنية التي تعمل لمكافحة الجرائم وتحقيق الأمن والاستقرار وإثبات الحق للجميع بميزان العدل.

إن ما حدث من استغلال مشبوه وإجرامي لسياسة الانفتاح التي تنتهجها دولة الإمارات، والتي لم تكن يوماً طرفاً في أي شأن يتعلق بتصفية الحسابات العالقة بين بعض الدول أو الأشخاص لسبب أو لآخر، يفرض على الدولة، أن تراجع قوانينها وتشريعاتها الخاصة بأنظمة دخول وخروج القادمين إليها على كل المستويات، وأن تعمل على إرساء مبدأ المعاملة بالمثل مع الدول التي تم تزوير جوازات سفر مواطنيها من أجل إرضاء "الموساد" ولو على حساب المصالح البينية على أكثر من صعيد.

وقد يكون هناك من يعتقد أن اتخاذ إجراءات احترازية مع هذه الدول يمكن أن يؤثر على مستوى العلاقات معها، وهو افتراض خاطئ، فما نذهب إليه مطبق في ذات الدول، ولاسيما "بريطانيا". ففي التسعينيات من القرن الماضي سافر وفد رسمي من الدولة للمشاركة في أحد المؤتمرات في "لندن" وعند الوصول إلى موظف الجمارك لإنهاء المعاملات الروتينية لأعضاء الوفد، طلب من أحدهم التنحي جانباً، مما أثار انتباه بقية الأعضاء واستغرابهم، وبعد فترة قصيرة من الأسئلة الروتينية تبين أن هذا العضو قد سافر إلى "لندن" في ذات الأسبوع لأكثر من مرة؛ ولهذا كان السؤال عن معرفة السبب؟ فكان الجواب حاضراً في الدعوة الخاصة لحضور المؤتمر، وكان من حسن حظ هذا العضو أن نسخة من الدعوة الرسمية كانت في حقيبته اليدوية. ومن ثم فالأمر عادي، ومن حق أي دولة اتخاذ الإجراءات الخاصة بالحفاظ على أمنها الوطني. هذا الإجراء حصل دون أن تكون هناك شبهة أمنية على هذا الشخص الداخل إلى "لندن"، فما بالنا في حالة وقوع عمليات تزوير وقتل واغتيال من أفراد عدُّوا "طبيعيين" عند الدخول إلى أرض الإمارات لكنهم سرعان ما غادروها "سود" الوجوه في فعالهم الشنيعة؟!

إن نهج الانفتاح في الإمارات لا يعني الاستهانة بالمكتسبات الأمنية التي تحققت طوال عقود، فنحن اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى الحفاظ على هذه المكتسبات الأمنية باعتبارها أساس التقدم والرقي والاستقرار في المجتمع. والأجهزة الأمنية عليها اليوم أن تحتاط لتجنب حدوث ما هو أشد خطراً أو فظاعة فيما لو تركت الحبال على غاربها بدعوى أننا مجتمع منفتح وأن التشدد في اتخاذ الاجراءات قد يبعد عنا الأصدقاء، فهذا ظن بحاجة إلى إثبات. ولأن الجريمة أصبحت معولمة في هذا الزمن، وجب استخدام أدوات ذات "العولمة" للخروج من تأثيراتها السلبية.

ومع ذلك كله ستبقى الإمارات آمنة في سربها معافاة في مجتمعها، يأتيها قوتها يومياً بإذن ربها، وستظل تحظى بإعجاب دول العالم باعتبارها واحة للأمن والأمان ونموذج يحتذى في التنمية والتقدم، ولن يُخشى عليها ما دامت تبصر مواضع أقدامها، وتضع السياسات التي تعزز تقدمها وريادتها في المنطقة، والتي ربما تكون هي التي أثارت حفيظة حسادها ولاسيما إسرائيل، التي أوعزت لعملائها بارتكاب جريمة لا تمت إلى هذه الأرض بصلة، لذا لفظتها ورمتها في عيون العالم أجمع، ليشهد على جريمة عالمية خُطط لها أن تكون من تلك التي تُقيد ضد مجهول، لكن الأجهزة الأمنية في الإمارات فضحت القائمين بها والمحرضين عليها.

لقد جاءت كلمة وزير الداخلية، الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، بمناسبة انطلاق معرض ومؤتمر الأمن الدولي ودرء المخاطر "آيسنار 2010" معبرة بوضوح عما ننشده؛ حيث أكد "أن دولة الإمارات تعد واحدة من أكثر الدول أمناً على وجه الأرض"، مشدداً على أن هذه النعمة تتطلب منا جميعاً أفراداً ومؤسسات العمل بكل ما أوتينا من عزيمة للحفاظ عليها وضمان استمراريتها. وأوضح سموه "أن الرؤية التي يتم الاسترشاد بها من قبل قيادة الدولة تركز على متابعة الجهود لتطوير كافة أوجه الأداء الأمني للتعامل بحرفية عالية مع مستجدات الجريمة، التي أصبحت أكثر ذكاء وتطوراً وسرعة، وسد أي ثغرات يمكن أن تنفذ منها مثل هذه الجرائم إلى مجتمع الإمارات الآمن".

Share