الإمارات: الإنجاز الوطني في "دبي سات-1"

د. عبدالله العوضي: الإمارات: الإنجاز الوطني في "دبي سات-1"

  • 16 سبتمبر 2009

في تاريخ الدول والمجتمعات هناك أحداث تصنع وتبدل كل ما هو نمطي ومعتاد في حراكها، تتفق في ذلك الدول المتقدمة والنامية على السواء. ولا تعد دولة الإمارات العربية المتحدة استثناء من هذه القاعدة؛ فهي من أكثر دول المنطقة صناعة للأحداث والتطورات الفارقة في الفترة الأخيرة. فقبل أسابيع قليلة حققت أبوظبي إنجازها العالمي الفريد المتمثل في فوزها باستضافة مقر "الوكالة الدولية للطاقة المتجددة" (إيرينا) متفوقة على دول متقدمة دخلت في المنافسة لنيل هذا الشرف. وقبل أيام حققت دبي إنجازاً جديداً تمثل في إطلاق أول قمر للاستشعار عن بعد "دبي سات-1" إلى الفضاء الخارجي، والإعلان عن تجربة إطلاق قمر صناعي ثان "دبي سات-2" في العام 2012، لتؤكد الإمارة بذلك إصرارها على اللحاق بركب التقدم وولوج هذا المجال الحيوي.

ولا ينبغي أن تمر هذه الخطوة الإماراتية الرائدة مرور الكرام؛ فهذا الإنجاز الجديد الذي تحقق بغزو الفضاء الخارجي يعكس عزم الدولة على الحصول على التقنيات الفضائية المتطورة بهدف تلبية متطلبات البحث العلمي والتقني، إضافة إلى الحاجة الدائمة إلى المعلومات الفضائية وبيانات المراقبة الأرضية التي تخدم مسيرة التنمية الشاملة التي تتبناها الدولة. كما أنه ينطوي على دلالات عدة مهمة، أولها: أن الخيوط الفاصلة، والتي كانت تشكل حواجز بيننا وبين الدول المتقدمة، بدأت تذوب يوماً بعد يوم، ليس بالدعاية الوهمية والكلام المنمق، وإنما ببذل الجهد والعمل الدؤوب والاعتماد على الذات مع الاستعانة بخبرات من سبقونا في بعض المجالات لمواكبة تطورات العصر، كما هو ديدن كل الدول المتقدمة التي استعانت في نهضتها بخبرات الخارج حتى وصلت إلى مرحلة الذروة، مثال ذلك ما حدث في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وما حدث في الصين والهند وغيرهما في مرحلة لاحقة.

ثاني هذه الدلالات يتمثل في إصرار الإمارات على السعي إلى توطين التكنولوجيا الحديثة، وامتلاك أدوات التقدم والتنمية وإنتاجها بنفسها وبأيدي كوادرها الوطنية، وهو المعنى الذي أكده بوضوح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، حفظه الله، خلال استقباله فريق العمل الوطني الذي حقق إنجاز "إيرينا"، إذ أكد حرص الدولة على التحول من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، وهو الأمر نفسه الذي يعكسه مشروع "دبي سات-1". فالاستراتيجية التي يقوم عليها هذا المشروع الحضاري وغيره هي الوصول إلى مجالات امتلاك التقنية ذاتها، وليس الآلات أو الأدوات التي يمكن تجميعها أو تركيبها في أي دولة. فعنصر التحدي الذي نواجهه هنا هو في تملك زمام هذا الأمر بكل ما فيه من تعقيدات وصعوبات علوم العصر في مجال حيوي كمجال علوم الفضاء.

أما الدلالة الثالثة فتتعلق بكفاءة القوى العاملة المواطنة وقدرتها على الدخول والمنافسة في أكثر المجالات تقدماً. فقد تم إطلاق القمر الصناعي إلى مدار الفضاء الخارجي من قاعدة "بايكنور" في كازاخستان بإشراف مجموعة من المهندسين والعلماء الإماراتيين الذين شاركوا في بناء وإعداد 30% من هذا المشروع المهم، فيما يتوقع أن ترتفع نسبة الكوادر الوطنية العاملة في تجربة إطلاق قمر "دبي سات-2" إلى نحو 50%.

لقد كنا قبل عقود نسمع أو نقرأ خبراً عن قمر صناعي لدولة متقدمة أخذ مكانه في رحلة الدوران حول الأرض، ولكن جاء اليوم الذي نفتخر فيه بأن الإمارات قد حازت بجهود أبنائها تلك المكانة المرموقة. فالسباق نحو التقدم ليس حكراً على دولة دون أخرى، وليس ماراثوناً خاصاً بمجتمع دون غيره، وإلا فُقد عنصر المنافسة الحقيقية بين الأمم التي تبذل كل ما تستطيع للفوز في هذا السباق. إن من لديه الإرادة الواعية والقدرة الفعلية على الخوض في هذا المضمار ليس عليه إلا أن يعمل ويجتهد، ويسعى إلى تهيئة كل الوسائل اللوجستية اللازمة لتحقيق النجاح، وهو ما فعلته دولة الإمارات في كثير من المجالات التي قررت أن تدخل فيها غمار المنافسة.

إن الحراك الشامل الذي تشهده الدولة في كل المجالات أصبح له صبغة عالمية، ولم تعد هذه القفزات المدروسة بعيدة عن تحقيق أي إنجاز عالمي في أي مجال، والفضل في ذلك يعود إلى مصداقية الاستراتيجيات المتبعة وكفاءتها، والتي أثبتت جدارتها في الواقع العملي، وأكدت أنه يمكن البناء عليها في المشاريع المستقبلية دون خوف من الإخفاق. ومن ثم فالمطلوب هو الاستمرار في تبني روح التحدي والمغامرة المحسوبة والمنافسة، حتى وإن كان هناك من ادعى وزعم بأننا لا يمكن لنا الفوز في هذا السباق العالمي الذي بدأه الغرب على كافة المستويات. وهو أمر فيه نظر؛ لأن الحصول على الوسائل الحديثة للتطور والتقدم أصبح متاحاً للجميع باستثناء من عجزت إرادته عن بلوغ قدراته، فهذا شأن ذاتي لا دخل للمال المتوفر به، بل للرجال الذين يقودون عملية التنمية الشاملة أو المستدامة في شتى فروعها وقطاعاتها الحيوية. وبالتالي فالمهم هو أن نبدأ بشكل صحيح، ثم نترك مجريات الأمور تتابع نتائجها عبر الزمن الذي نختاره بأيدينا دون أن يُفرض علينا اضطراراً.

لقد واجهنا بعضاً من الذين ابتسموا ابتسامات صفراء لأول تجربة إطلاق القمر الصناعي "دبي سات-1"، وزعموا بأن الأمر لن يضيف جديداً بمبرر أن السماء مليئة بالآلاف من هذه الأقمار، فماذا يعني إضافة قمر آخر إليه؟! ومثل هذه الابتسامات المنكرة لشروط الواقع العملي لا ينبغي أن تنال من عزيمتنا، بل يجب دحرها بمزيد من الإنجازات التي تتحدث عن نفسها دون حاجة إلى الإعلان عنها عبر الوسائط الإعلامية المتعددة. وقد كان هذا ما دأب عليه مؤسسا صرح الاتحاد، المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، اللذان كانا يضعان بيديهما قواعد البنى الأساسية في الدولة، من دون عقد المؤتمرات الصحفية؛ لأن الهدف كان تحقيق الإنجاز فحسب. وكل ما أنجز حتى اليوم في الدولة هو ثمرات يانعة من تلك الغراس العظيمة التي بنيت بسواعد الرعيل الأول، قبل أن تنمو وتزدهر بعمل مكثف واجتهاد ممن جاؤوا بعدهم من القادة الذين حملوا المسؤولية في هذا الزمن سريع التغير.

هناك شريحة في المجتمع همها الفرجة والمشاهدة والاستهتار بالجهود الجبارة التي تبذل من أجل رفعة شأن الوطن في شتى المجالات، وهؤلاء، عندما جاءت الأزمة المالية العالمية، تنفسوا الصعداء وزعموا أن الوقت قد حان للتراجع عن تلك الأفكار والمشاريع، غير أن الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية واصلت مسيرة التنمية على المنوال نفسه، ووفق ما هو مخطط له، وكان هذا هو الرد العملي على شريحة المتفرجين هذه. صحيح أن الأزمة مازالت حاضرة في كل دول العالم بنسب متفاوتة ولكنها لم تفت من عضد المشاريع التي تعد المنافسة فيها جزءاً من كيان الأوطان. ومن ذلك مشروع "دبي سات-1" الذي أنجزته حكومة دبي ومشروع "دبي سات-2" الذي تسعى بخطى ثابتة ومدروسة نحو إنجازه، ومشروع "مترو دبي" الذي تم افتتاحه في 9 سبتمبر 2009، ومشروع "مدينة مصدر" الذي تنفذه أبوظبي ومشروع "جزيرة السعديات"، وغيرها من المشروعات الوطنية الضخمة، التي يجري العمل في تنفيذها على قدم وساق بالرغم من تداعيات الأزمة المالية العالمية. ما نود إيصاله هنا إلى كل من يحاول الطعن في إنجازات هذا الوطن هو أن سعيهم سيفشل وسيرتدون على أعقابهم خائبين؛ لأن هذا الوطن مازال، وسيظل، يواصل طريقه نحو الرقي والتقدم بصورة يشهد لها أهل الاختصاص، وبمباركة عملية من القيادات التي تحمل ذات الهموم مع أصحاب الشأن في كافة المجالات، ولاسيما بعد أن أثبت العنصر الوطني جدارته في الصعود إلى الفضاء مع الصاعدين تاركين أمر المتقاعسين خلف ظهورهم.

Share