الإفلاس وتقليص النفقات أكثر المهددات التي تواجه الشركات جرّاء كورونا

  • 28 مايو 2020

لا يخفى على المتابعين التداعيات التي خلفها ولا يزال يخلفها انتشار وباء كورونا عالمياً على اقتصادات الدول، وخاصة القطاعات التي تعطلت بفعل إجراءات الاحتواء وسياسات الإغلاق، لأثرها في تعطل الأعمال وتقليص قدرة المؤسسات على دفع مستحقاتها المطلوبة، سواء كانت للموظفين أو للمؤسسات الدائنة، أو لتمويل عمليات الإنتاج والتوريد والاستيراد.

يعدّ الإفلاس الشبح الذي يحوم حالياً في فضاءات الأعمال العالمية، حيث باتت كبريات الشركات في العالم أمام تحديات جمّة تهددها بالعجز عن دفع المستحقات المطلوبة منها، ولاسيما في ظل تعطل حركة الإنتاج وتصريف السلع؛ فقد أحدث فيروس كورونا المستجد شللاً شبه كامل في أغلب القطاعات الاقتصادية الأمريكية، وتسبب بتسريح عشرات الملايين من العمال في غضون أسابيع قليلة، إضافة لإجبار بعضها على إغلاق أبوابها إلى الأبد، ووضع الشركات في ضائقة مالية تعد الأسوأ منذ عقود.
ففي الأسبوع الأول من مايو الجاري، تقدمت شركة «جي كرو غروب»، الشركة الأمريكية الأكبر في تجارة الملابس الجاهزة، بطلب الإفلاس في محكمة الإفلاس الأمريكية، جرّاء الخسائر المتتالية التي منيت بها، وذلك بعد توصلها إلى صفقة مع مجموعة من المقرضين وحملة السندات لمبادلة ديون بحوالي 2 مليار دولار، مقابل حصة 82% من أسهمها، لتصبح بذلك أول سلسلة كبيرة للبيع بالتجزئة في الولايات المتحدة تطلب الحماية من الدائنين بعد أن اضطرت لإغلاق متاجرها الـ 500، استجابة لسياسات احتواء كورونا.
وعلى صعيد متصل، أعلنت شركة «جنرال إلكتريك» الأمريكية بداية الشهر الجاري تسريح 25% من موظفيها، بعدد يصل إلى نحو 13 ألف عامل في مجال محركاتها النفاثة، انطلاقاً من سياساتها الرامية إلى خفض التكاليف التي تم التخطيط لها قبل انتشار الجائحة، التي أثرت بشكل كبير على قطاع الطيران العالمي، حيث تختص الشركة بصناعة محركات الطائرات وتوردها لشركتي بوينغ وإيرباص.
وشهدت العلامات التجارية الكبرى في قطاعات وأنشطة الغذاء والأزياء والترفيه والتكنولوجيا، منذ انتشار الوباء، تعطيلاً في بعض أعمالها، حيث أعلنت مجموعة تأجير السيارات الأمريكية «هيرتز» التي تأسست قبل أكثر من 100 عام، مؤخراً، وضع نفسها تحت نظام الإفلاس الأمريكي نتيجة التراجع الحاد على السفر، الذي تسبب بتراجع هائل في عائدات الشركة والحجوزات المستقبلية، بعد انتشار الوباء، موضحة أن هذا القرار سيشمل عملياتها في الولايات المتحدة وكندا، بينما سيستمر عملها في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا. فبحسب صحيفة (وول ستريت جورنال)، بلغت ديون الشركة 19 مليار دولار ونحو 700 ألف سيارة لم يتم استخدامها بسبب أزمة كورونا.
إن مخاطر إعلان الشركات إفلاسها تطال العديد من الجوانب؛ فهي تؤثر في مقدرتها على سداد الديون المستحقة عليها للمؤسسات المقرضة، كما تؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة الوطنية للدول، جرّاء فقدان الموظفين وظائفهم؛ ففي إبريل الماضي، حذر راؤول بال، الرئيس التنفيذي الحالي لمجموعة الأبحاث «جلوبال ماركو إنفستر» ومؤسس منصة وسائل الإعلام التجارية والمالية «ريـال فجن»، ومدير صندوق «غولدمان ساكس» السابق، من أن أزمة كورونا ستتسبب في حدوث أسوأ موجة إفلاس في التاريخ، وسيتمخض عنها تغييرات اجتماعية هائلة، أكبرها تنامي معدلات البطالة في الولايات المتحدة الذي قد يرتفع إلى أكثر من 32% حتى يوليو المقبل، وخاصة في قطاعات الترفيه والسفر والسياحة والمطاعم والمقاهي والبيع بالتجزئة والبناء وغيرها.
إن قطاعات السياحة والسفر والضيافة والطيران وتصنيع السيارات أكثر القطاعات التي تحاول الحكومات وأصحاب الأعمال الآن تجنب إفلاسها، جرّاء الحالة التي تسودها من الاضطراب وعدم اليقين بفعل تراجع أعداد السياح والمسافرين نحو معدلات كبيرة، الأمر الذي يضع الحكومات أمام مسؤولية ضخ مزيد من الأموال لضمان بقاء هذه المؤسسات. فقطاع صناعة السيارات في أوروبا، انخفضت مبيعاته بنحو 55%. كما توقفت مصانع السيارات عن العمل، ففي أوروبا توظف هذه المصانع أكثر من 14 مليون شخص.
وفي العاشر من مايو الجاري، أعلنت شركة الطيران الكولومبية «أفيانكا»، ثاني أقدم شركة طيران في العالم، إفلاسها جراء تداعيات وباء كورونا على قطاع الطيران، بعد أن رفضت حكومة كولومبيا تقديم مساعدات مالية للشركة، التي لم تقم برحلات منتظمة منذ أواخر مارس الماضي، حالها كحال معظم شركات الطيران العالمية، لتضطر «أفيانكا» إلى تسريح معظم موظفيها البالغ عددهم 20 ألفاً من دون أجر، نتيجة الديون التي تعانيها والتي وصلت إلى نحو 7.3 مليار دولار في عام 2019.
الفن والإعلام ودور السينما كذلك لم يكونوا بمنأى عن تداعيات كورونا المستجد، فقد أعلنت شبكة «أي إم سي» التلفزيونية، وصاحبة أكبر سلسلة دور عرض سينمائي في العالم، في إبريل الماضي، إغلاق جميع دور عرضها التي يتجاوز عددها 600 سينما لمدة تتراوح بين 6 و12 أسبوعاً. كما قامت، في محاولة منها لتقليص النفقات، بتسريح أكثر من 600 موظف في مارس الماضي. وبحسب محللين في صحيفة «وول ستريت جورنال»، بات من المرجح إقدام الشبكة «أي إم سي» التلفزيونية على إشهار إفلاسها أو على الأقل إغلاق العديد من صالات العرض والمسارح الخاصة بها، وخاصة أن «أي إم سي» كانت تعاني قبل تفشي الفيروس أزمات مالية، حيث بلغت خسارة الشركة في عام 2019 نحو 149 مليون دولار، وأنهت العام الماضي بمديونية قدرت بما يقارب الـ 5 مليارات دولار، بحسب موقع «ياهو إنترتينمنت».
إن افتقار المؤسسات للسيولة المادية أصبح من أكثر التداعيات التي تهددها بإعلان الإفلاس، لكن الصدمة الأكبر عندما يحوم شبح الإفلاس حول الدول التي تقف عاجزة عن سداد ديونها للمؤسسات الدائنة؛ فبحسب خبراء، تواجه 6 دول ذات الاقتصادات الناشئة احتمالات التخلف عن سداد ديونها خلال عام 2020، وذلك بعد أن أعربت هذه الدول، وهي: لبنان وجزر المالديف وزامبيا والإكوادور ورواندا والأرجنتين، عن عدم قدرتها على خدمة ديونها وطلبت مساعدات إضافية من صندوق النقد الدولي، ولاسيما أنها تعاني في الأصل ارتفاع ديونها خلال السنوات الماضية، وانخفاض تصنيفاتها السيادية. ووفقاً لبيانات معهد التمويل الدولي، فقد ارتفعت ديون الاقتصادات الناشئة من تريليون دولار في عام 2005 إلى 3.2 تريليون دولار حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، بما يعادل 114% من إجمالي الناتج المحلي للاقتصادات الصغيرة والمتوسطة في العالم.
لقد كان وباء كورونا أشد ضراوة وأكثر شراسة مما خلّفته الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، وقد وضع العالم أمام خيارين: الأول إعادة تحريك الاقتصاد بصرف النظر عن الأضرار الصحية. والثاني مواصلة العمل على تقييد الحركة الاقتصادية، إلى أن يظهر لقاح أو علاج للوباء، لكن ما بات محسوماً الآن تحرك الدول نحو فتح اقتصادها تدريجياً، في محاولة لاستعادة دوران عجلة الاقتصاد وتعزيز عمليات البيع والشراء والإنتاج، من دون إغفال ضرورة الالتزام بالمعايير الوقائية والاحترازية، حتى يلتقط الاقتصاد أنفاسه وتتمكن القطاعات من استعادة فاعليتها من جديد.

Share