الإعلام مرآة حراك المجتمع

د. عبدالله العوضي: الإعلام مرآة حراك المجتمع

  • 23 فبراير 2009

تطالب شريحة الإعلاميين في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات بضرورة مراجعة قانون المطبوعات والنشر القائم حالياً وإعادة النظر فيه، والذي تجاوزه واقع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية منذ أمد بعيد.

وتستند هذه المطالب في الوسط الإعلامي، إلى ما طرحه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الإعلام سابقاً، في إحدى حلقات مقص الرقيب، والتي شرح فيها وجهة نظره بكل صراحة وشفافية مؤكداً عدم رضاه عن هذا القانون، وعلى الرغم من أن سموه كان هو المسؤول الأول حينئذ عن تنفيذ القانون ورعايته، فإنه أدرك مبكراً أن تغييرات جوهرية لابد من أن تطال الكثير من مواده التي لم تعد تتناسب وسرعة التغييرات من حولنا.

وإذا نظرنا إلى السجال الدائر هذه الأيام على صفحات الرأي حول مشروع "قانون الأنشطة الإعلامية" الذي أقره المجلس الوطني الاتحادي منذ فترة وجيزة، بدون أي تحفظ على أي مادة من مواده، وبدون أن يُستشار الإعلاميون المعنيون حول بنود هذا القانون المراد تنفيذه بعد مروره على القنوات الرسمية المعروفة، فإننا يمكن أن نلحظ بوضوح وجود درجة من درجات عدم الرضا حول ما يتضمنه هذا القانون الجديد؛ فهناك من رأى فيه تطوراً في الاتجاه السلبي.

وإذا تصورنا أن القانون الجديد هو المرآة التي تعكس واقع العمل الإعلامي في كافة مجالاته، فإن الصدمة التي لامست العاملين في الميدان الإعلامي والصحفي، أوضحت أن تلك المرآة مهشمة، أو في أبسط الحالات مقعرة أو محدبة، بمعنى أن الصورة الإعلامية لمجتمع الإمارات لا يعكسها مشروع القانون الجديد الذي ركز على "الأنشطة"، ولم يركز على جوهر قانون الصحافة والمطبوعات والنشر. وإذا ما أردنا الدخول في تفاصيل المواد التي تضع الإعلاميين بشتى فئاتهم تحت طائلة بنود هذا القانون أثناء ممارسة أعمالهم، فسنجد أن بعض هذه البنود تقتل العمل الإعلامي المبدع في مهده؛ وهذا لا يتفق وطبيعة "الإعلام"؛ لأنه كتلة من الإبداع اليومي المتجدد سواء في الأخبار أو الآراء والرسوم الكاريكاتورية التي يجري عليها ما يجري على باقي وسائل التعبير عن الرأي.

وهكذا سيجد الإعلاميين في دولة الإمارات أنفسهم أمام خيارين: إما أن يتراجعوا إلى الوراء من خلال الالتزام بكل ما يحويه مشروع القانون الجديد من أحمال وأثقال في حال تم الاعتماد النهائي لهذا المشروع دون تغيير، وهو الأمر الذي سيجعل بعضهم يترحم على أيام القانون الأول الصادر في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وإما أن يقعوا تحت طائلة هذا القانون إذا أرادوا أن يبدعوا في مهنتهم.

إذا كان هدف القائمين على هذا المشروع الجديد هو الحد من "فلتان" الرأي غير المطلوب سريانه في المجتمع؛ فإن تاريخ أروقة المحاكم والقضاء بالدولة وقانون النشر والمطبوعات الحالي والذي سيصبح في عداد التراث القديم، كل ذلك يشهد أن حدوث هذا "الفلتان" كان دائماً في حكم الاستثناء، الذي لا يمكن لأي قانون أن يبني عليه مواده وبنوده. ومن ناحية أخرى، ليس هناك قانون في العالم لا يحتمل أو يتحمل الاستثناءات التي تظهر في ثنايا اللوائح التنفيذية الخاصة به، أو حتى من خلال صدور الأحكام المستحدثة لكل واقعة على حدة.

ومعلوم في مجتمع الإمارات لكل من رافق المسيرة الإعلامية الحية للدولة، أن قادتنا في كل المناسبات يشددون على مبدأ "الحرية المسؤولة"، ونحن لا نقبل إلا بالطاعة التامة لهذا النهج الرشيد. ليس هناك مجتمع متحرك يؤمن أفراده فضلاً عن مؤسساته بالحرية المطلقة، فهناك دائماً ضوابط تحكم هذه الحرية حتى لا تؤدي إلى الفوضى، وبالتالي فإن أي إطلاق في هذا الكون الواسع فيه ما يقيده؛ لأن ذلك جزء من سنة الحياة الطبيعية، لكن ذلك لا يعني تقييد هذه الحرية بشكل غير مبرر، أو تجميد حركة التطور الطبيعي للإعلام. فإذا كان مشروع "قانون الأنشطة الإعلامية" يريد أن يجمد حركة الإعلام إلى الأمام من خلال بنوده المقيدة لحرية الحركة، فإن ذلك يعد نوعاً من الاستسهال والتقييد للإنجازات التي تحققت في ظل القانون الإعلامي السابق رغم ما كان به من سلبيات؛ لأن الخطوط الحمراء لم يتم تجاوزها إلا خطأ أو سهواً من غير قصد أو سوء نية، وحتى وإن كانت الكلمات أو الألفاظ تشير إلى غير ذلك، فقد كانت هناك دائماً حلولٌ قانونية ومخارج قضائية لا نريد من القانون الجديد سدها أمام حركة التنمية الشاملة والمستدامة للدولة.

نود من أهل الشأن أو أهل الحل والعقد الإعلامي في الدولة الرجوع إلى أهل المهنة الذين تُكوى أيديهم في المطبخ الإعلامي من أجل الوصول إلى حل وسط، يجسد فكرة "الحرية المسؤولة" للإعلام، ولا يعوق الحركة الانسيابية للتغييرات التي تواكب العالم من حولنا.

وثمة نقطة مهمة في هذا الصدد تتعلق بأهمية الأخذ والرد عند صدور أي قانون جديد في المجتمع يخص الشأن العام، بحيث يمكننا الوقوف على جوانب القوة والضعف في هذا القانون ومعرفة أبعاده المختلفة وتغييره إذا لزم الأمر، فمن خلال الحوار المجتمعي البناء يمكن الوصول إلى أفضل السياسات، وهذا الأمر يبدو أكثر أهمية بالنسبة لقانون الإعلام، لأن الإعلام يؤثر بشكل بناء وفاعل في حركة التنمية الشاملة، وتقييد هذا الدور يمكن أن ينعكس سلباً على عملية التنمية، ويمكن أن يثير المحافل الدولية، التي تراقب وتشاهد، وإن عن بعد، واقعنا الذي هو محط كثير من الإعجاب والثناء، وهو ما نريد أن ينال الإعلام وقانونه نصيباً منه.

إننا نريد من أي قانون جديد للإعلام يصدر في الفترة المقبلة، أن يكون إضافة نوعية إلى البعد المؤسسي في المجتمع الذي يمور بالحراك في شتى المجالات، من المهم أن يراعي القانون المزمع إصداره شمولية هذا الحراك الذي لا يغفل عنه أي مراقب للتطورات أو التغيرات السريعة التي تمر بها الدولة في كافة مناحي الحياة.

وبناء على تلك المعطيات الواقعية التي أفرزها المجتمع الديناميكي في الإمارات، فإننا نحبذ مراعاة النقاط المهمة قبل الشروع في عملية التصديق النهائي على "قانون الأنشطة الإعلامية" بالدولة، وهي على النحو التالي:

 – ضرورة أن يراعي القانون الجديد كل مستجدات العولمة في الإطار الإعلامي العام وفقاً لما عليه الحال في الدول المتقدمة؛ لأننا لا نريد أن نتخلف عنها في أي مجال.

 – من المهم ألا يتم إغفال مشروع المقترح الذي قامت بإعداده "جمعية الصحفيين" بالدولة بناء على طلب من الحكومة قبل أربعة أعوام تقريباً، والتي شكلت على ضوء ذلك لجنة ممثلة من كافة التخصصات في الوسط الإعلامي، قامت بدورها بدراسة كل ما هو متاح من قوانين إعلامية في دول العالم، وكان خلاصتها ما تم التوصل إليه في المقترح المهم الذي نأمل يتم الأخذ به.

 – من صالح مجتمع الإمارات أن يتم إصدار قانون جديد للصحافة بعيداً عن مجال "الأنشطة الإعلامية"؛ لأن كلمة الأنشطة هنا لا تعبر عن العمل الصحفي المهني الذي يمارسه أصحاب المهنة في الدولة.

 – إن صدور أي قانون متكامل ولا نقول "كامل" يراعي كافة أطراف العملية الإعلامية بما يتناسب مع خصوصية مجتمع الإمارات سيكون أفضل بكل تأكيد من إصدار قانون تكتنفه بعض جوانب النقص التي ستحتاج في مرحلة ما إلى عملية مراجعة ضرورية لمواجهة المستجدات في هذا المجال، وإلا وقعنا في عملية ترقيعية نحن في غنى عنها منذ البداية.

 – إن أي قانون يتم إقراره في صورته النهائية، من الواجب الالتزام به حتى وإن شابه بعض القصور، وهذا أمر بديهي، إلا  أننا اليوم أمام قضية يمكن لنا تدارك الكثير من جوانب النقص فيها، فاختصاراً للزمن وحفاظاً على الجهود التي بذلت في السابق، فإن الوصول إلى الأفضل فيما يخص قانون الإعلام الجديد ما زال ممكناً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات