الإصرار الإسرائيلي على المفاوضات المباشرة: الأهداف والنتائج المتوقعة

  • 9 أغسطس 2010

يتقن بنيامين نتنياهو لعبة المناورات والأحابيل، ويتميز عمن سبقه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية بأنه صاحب معادلة "إذا أعطوا، فسوف يأخذون"، وهي التي يتمثل أحد حدودها الحالية بالتركيز الهستيري على ضرورة قبول السلطة الفلسطينية بإجراء مفاوضات مباشرة مع حكومته… فلماذا هذا الإصرار الإسرائيلي على الدخول في المفاوضات المباشرة؟… وما النتائج المتوقعة منها؟.. وكيف تجري إدارة العملية السياسية من قبل نتنياهو وحكومته؟.

يتيح تحليل الأفكار الإسرائيلية المعلنة في الشأن الفلسطيني اكتشاف القناعة التامة لدى نتنياهو وحكومته بأن الظروف الراهنة للسلطة الفلسطينية توفّر فرصة مناسبة لتمرير الحل الإسرائيلي؛ لاعتبارات معروفة للجميع، أبرزها: توظيف القدرات الذاتية والتحالفية الإسرائيلية في الصراع غير المتكافئ مع الفلسطينيين، والضغوط الاحتلالية وعمليات تيئيس الفلسطينيين من القدرة على المواجهة، وحالة الانقسام الفلسطيني، وضعف السلطة الفلسطينية وتخلّيها عن المقاومة المسلحة… إلخ. يضاف إلى هذا أن السلطة الفلسطينية بتركيبتها الحالية، تصنّف لدى دول العالم بوصفها جهة مسؤولة وجدية ومتجاوبة مع جهود السلام؛ الأمر الذي يجعل الكرة في الملعب الإسرائيلي.

ومادام الواقع الفلسطيني وجبهة المواجهة على هذه الحال، فمن البديهي أن يعتمد نتنياهو استراتيجية استنزاف السلطة الفلسطينية، عبر التحصّن بمواقفه وتوجيه الاتهامات لها؛ لإقناع العالم بأن الفلسطينيين تسلقوا على شجرة عالية، ويطرحون كل أنواع الشروط المسبقة، وأن عليهم أن ينزلوا عن هذه الشجرة، محاولاً أن يستقطب إلى جانبه "الوسيط" الأمريكي؛ لاقتناص البصمة الفلسطينية التاريخية على الصفقة الإسرائيلية، في هذه الظروف النموذجية لاختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل.

والملاحظ أن الحسابات الإسرائيلية لا تتوقف عند هذا الافتراض، بل إنها تتهيأ لمرحلة ما بعد محمود عباس، بالتناغم مع التوجهات الأمريكية، حسبما يتضح من منحى التعامل الحالي مع حكومة سلام فياض؛ حيث تنتهج هذه الحكومة، بتفهم واضح من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، مسار بناء "نمط خاص وفريد للدولة الفلسطينية"، يعدّ بمنزلة "استقلال تحت مظلة الاحتلال"؛ ومن ثم من المرجح أن يكون سلام فياض المرشح كبديل إسرائيلي/أمريكي لملء الفراغ، على الرغم من العقبات التي ستضعها حركة فتح وسواها أمام العربة التي يقودها.

في هذه الحالة أو تلك، يُحْجم نتنياهو عن تقديم البضاعة التي ترضي المشتري الفلسطيني، ويعرض أمامه خيارات محدودة جداً، لا تصلح عملياً إلا أن تكون مدخلاً للحل الإسرائيلي؛ فالمفاوضات المباشرة التي يصرّ عليها نتنياهو ستجري وفق الشروط التي حددها هو، والتي تلقى قبولاً لدى ائتلافه الحكومي، وليس وفق المرجعيات والقرارات الدولية. فما الصيغ التي طرحها كأرضية لهذه المفاوضات؟. 

لقد كرر نتنياهو في مناسبات متعددة الحديث عن طبيعة التسوية المقبلة مع الفلسطينيين، بأنها يجب أن تضمن عدم تغلغل الصواريخ والقذائف والوسائل القتالية الأخرى أو العناصر "الإرهابية"، إلى أي مناطق يُطلب إلى إسرائيل إخلاؤها ضمن التسوية السلمية، وضرورة وجود تدابير أمنية ميدانية تقدم الحلول للمخاطر التي تحدق بإسرائيل، بما يضمن السيطرة على المجال الجوي والحدود والمعابر وشريط غور الأردن، وتحقيق "المصالحة الاقتصادية" التي تجعل ما يسمى "الازدهار الاقتصادي" عنصراً داعماً قوياً للسلام السياسي، وإمكانية قبول دولة فلسطينية منزوعة السلاح تقرّ بوجود دولة إسرائيل بصفتها دولة الشعب اليهودي، والحيلولة دون أن تصبح الدولة الفلسطينية المقبلة جسراً يسمح باستمرار النزاع، بل يترتب عليها الإقرار بوصول النزاع إلى نهايته.

ويمكن تقدير أن نتنياهو يضحك في قرارة نفسه من إحساس المتلقي بأن مبدأ "دولتين لشعبين" يعني دولة فلسطينية مستقلة، بالمواصفات المتعارف عليها عملياً وحقوقياً، بينما يبدي نتنياهو جدية حازمة من أجل حقن مفهوم الدولة الفلسطينية بعناصر تلفيقية، وفق عملية يمكن أن يحدث فيها تطوير السلطة الفلسطينية إلى مكانة "دولة في حدود مؤقتة"، تضم قطاع غزة والمنطقتين  A و B من الضفة الغربية (المدن والقرى)، وهو ما يمكن أن يمنح هذه الدولة مقعداً في الأمم المتحدة، ويعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن الفلسطينيين.

وبخصوص العناصر الأخرى للحل، فمن الواضح أن إسرائيل لن تتنازل عن موقفها بحل مشكلة اللاجئين خارج المجال الإسرائيلي، وبما لا يهدد الأمن الإسرائيلي، والتمسك بمبدأ "القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل"، وبالخريطة الاستيطانية والمائية القائمة، إلى حد كبير.

هذه هي صيغة "الحل النهائي" التي قد يضطر نتنياهو وحكومته إلى قبولها، والتي سيقدمها كتحول تاريخي يكرّس يهودية الدولة الإسرائيلية باعتراف فلسطيني، وإنزال الفلسطينيين عن ظهر إسرائيل، وإزالة كلمة "محتل" من الخطاب الدولي الخاص بعلاقتها بالفلسطينيين، وخاصة أن غياب الحل من شأنه أن يمس الاستقرار الأمني الإسرائيلي الذي يتصدر جدول الأعمال الإسرائيلي، وأن يسجل لحزب الليكود في الحملة الانتخابية القادمة "صفر إنجازات" في الموضوع السياسي.

وإلى أن يأتي الزمن الذي يتحقق فيه هذا الحل القسري، وهو المعتبر إسرائيلياً أهون الشرور، يتمنى نتنياهو أن يبقى قطار فرض الأمر الواقع، ديمغرافياً واستيطانياً وسياسياً، على سكته الحالية، بل أن تحدث تطورات مفاجئة كفيلة بأن تعطي سياسته زخماً إضافياً، على غرار تداعيات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر في عهد شارون- بوش.

على هذه الأرضية، بشطريها المادي والمتصوّر، يراوغ نتنياهو، ويحاول تحويل المفاوضات المباشرة إلى هدف مركزي، ويجعل منها وصفة سحرية جذابة يقدمها للحلفاء والخصوم على أنها الطريق الوحيد للتفاهم مع الفلسطينيين بذلك، وبهذا يريد أن يحدد تماماً آلية العمل التي يجب على الفلسطينيين اعتمادها. وبعد قبول الطرف الفلسطيني، أو رضوخه عملياً، يبدأ طور جديد من المراوغة والمماطلة والتعنت في التعامل الإسرائيلي مع المطالب الفلسطينية.

وفي هذه الأثناء تظل جرافات الاحتلال ومضخات الباطون وعربات القمع وعربدات المستوطنين وأسلحة الجنود ووحدات المعابر تؤدي مهمتها، بأعلى قدر من الفعالية. وتستمر إسرائيل بالتصرف وكأنها "رب البيت"، وتستمرئ حالة التحكم في معابر الضفة والقطاع، وهي الحالة التي يتعين فيها على رئيس السلطة محمود عباس نفسه، بكل "ثقله" الدولي، أن يحصل على تصريح من ضباط "التنسيق والارتباط"، في كل مرة يتوجه فيها إلى عمّان.

ماذا بقي للسلطة الفلسطينية إذن؟… من المثير للاهتمام أن ما تطرحه هذه السلطة يُعدّ في الفهم الإسرائيلي "غير ذي صلة بالواقع"، فقد تحدثت السلطة عن ثلاثة شروط للانتقال إلى المفاوضات المباشرة؛ أولها، استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها (أولمرت- عباس، ليفني- قريع)، وثانيها، الاعتراف بالمبدأ الإقليمي لقيام الدولة الفلسطينية على أرض مطابقة للمساحة المحتلة عام 1967 مع تبادل الأراضي، وثالثها، استمرار تجميد الاستيطان في الضفة… هذه الشروط تعني في جوهرها، في حال تلبيتها، تفكيك حكومة نتنياهو الائتلافية الحالية، فضلاً عن إشعال الضوء الأحمر في الليكود.

ونظراً إلى عدم قدرة الحكومة الإسرائيلية الحالية على الاستمرار في رفض هذه الشروط، فمن غير المستبعد بالمقابل أن تقدم "بدائل ترضية"، منها: نقل المزيد من الأراضي في الضفة إلى المسؤولية المدنية الفلسطينية، وتقديم تسهيلات على المعابر ومحاور الحركة، بل ربما تجميد بعض عمليات الاستيطان خارج الكتل الكبرى التي ستضم إلى إسرائيل في أي تسوية مقبلة، مهما كانت بنيتها، والبحث عن "حوافز" أخرى لاستقدام السلطة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات المباشرة، قد يستشف منها تلبية جزء من مطالب السلطة بصورة ضبابية، بذريعة إمكانية حمل كل ما تريده إلى جلسات المفاوضات المباشرة. 

وبصرف النظر عن حظوظ تحقق هذا الاحتمال، من المهم الإشارة إلى أن حكومة نتنياهو ترى نفسها وقد نجحت في الخروج من دائرة الإدانة الدولية، على حين تتكاثف الضغوط الخارجية على السلطة الفلسطينية للموافقة على المفاوضات المباشرة.

وفي هذه الأجواء، تتبلور فكرة فلسطينية بعقد لقاء ثلاثي فلسطيني- إسرائيلي- أمريكي على مستوى الخبراء… ولنتذكر تسريب خبر اجتماع حاييم رامون (نائب من كديما) مع صائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات الفلسطيني، في فندق الأمريكان كولوني بالقدس الغربية، ظهر الثامن من تموز/ يوليو الماضي، وقول رامون: إنه لا فائدة من المفاوضات، مباشرةً كانت أو غير مباشرة؛ لأن نتنياهو لن يعطي الفلسطينيين شيئاً، وعندئذٍ تكون الحقيقة الراسخة قد عادت إلى الظهور أمام الجميع؛ بأن إسرائيل تعبث بترتيبات الحاضر، وتقامر بصورة المستقبل.

Share