الإسلام وساحات الإعلام الإلكتروني

  • 15 ديسمبر 2002

إذا كانت سلسلة التفجيرات والهجمات التي شهدتها العديد من الدول خلال الآونة الأخيرة قد نسبت إلى تنظيم "القاعدة" الذي تبنى فعليا بعض هذه الأعمال، فإن الكثير من القوى تسعى إلى توظيف هذه الممارسات في تكريس صورة سلبية للمسلمين والإسلام، ما يتطلب بالضرورة جهودا موازية من جانب النخبة المثقفة والقوى الفاعلة في العالم الإسلامي لمناهضة هذه التصورات قبل تحولها إلى حقيقة راسخة في الذهنيات الغريبة بما ينعكس سلبا على الكثير من القضايا السياسية والمصالح الاقتصادية للدول العربية والإسلامية، ما يستوجب بالتبعية تحصين الدين الإسلامي من الأخطار الناجمة عن معطيات شاردة من الداخل أو أخرى خفية ومقصودة من الخارج. وفي الإطار السابق ربما تبرز أهمية إلقاء الضوء على الفارق الهائل بين "الإسلام" و"الإرهاب" والهدف من ذلك هو الحيلولة دون ممارسة لعبة خلط الأوراق سواء من جانب التنظيمات الإرهابية من جهة ودعاة الحروب ومروجي مقولات الصراع الحضاري من جهة ثانية. والنظرة البسيطة إلى مواقع الإعلام الإلكتروني التي انتشرت في السنوات الأخيرة وباتت تحظى بمكانة ذات بال في مختلف أرجاء العالم، تكشف عن فجوة عميقة وواضحة بين أداء الجهات التي يمكن ان تمثل الإسلام وتعكس صورته المتسامحة، ومواقع إعلامية إلكترونية عرف عنها الارتباط -بشكل أو بآخر- بالتنظيمات الإرهابية.

ومن غير المستغرب أن تكون المواقع الإلكترونية الموالية لتنظيم "القاعدة" هي الأكثر شهرة، انطلاقا من حسابات ومتغيرات معقدة قد لا نكون بصدد مناقشتها، ولكن الغريب أن يتاح لهذه المواقع حق احتكار نشر الدعاية عن الإسلام والتحدث باسمه في الغرب في ظل تخلي المؤسسات الإسلامية الرسمية عن دورها المنطقي في هذا الإطار.

المشكلة بطبيعة الحال لا تقتصر على تقييم جدية المواقع الإعلامية الإسلامية وحقيقة هدفها، بقدر ما تتركز في غياب أو تغييب مؤسسات دينية بارزة في العالم الإسلامي عن لعب دور مؤثر في ميدان الإعلام الإلكتروني الموجه للغرب منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من هجمات شرسة ضد الإسلام والمسلمين، بعد تحول شبكات المعلومات إلى وسيلة اتصال حيوية وتزايد الاهتمام بمعرفة المزيد عن الإسلام. والأمر الأكثر خطورة هنا أن هناك تطورات مفصلية في الأداء الإعلامي على مواقع "الإنترنت"، إذ يردد البعض مصطلحات من قبيل "الجهاد الإلكتروني"، وهنا تصبح فرصة نشر الأفكار المضللة ذات أثر قوي ومؤثر في المدى البعيد، والأهم أن "منابر" "الإنترنت" يصعب السيطرة عليها، وبالتالي ينبغي على المؤسسات الدينية والنخبة المثقفة خوض هذه المواجهة الإلكترونية كي لا يظل التطرف هو الممثل الشرعي والبوابة الحتمية للتعرف إلى الدين الإسلامي. إذا كان هناك في الغرب من يطالب بضرورة منع الإرهاب من بناء "ستار حديدي" ينشر ثقافة التقوقع الحضاري ويعزل العالم الإسلامي عن محيطه الخارجي، فحري بالمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي أن تأخذ بزمام المبادرة في هذه المواجهات الفكرية لنشر صورة الإسلام لحقيقي ودرء أشباه الفقهاء، وأنصاف المتعلمين عن خوض حروب إعلامية باسم الإسلام والمسلمين.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات