الإسلام والغرب.. تصدع يتفاقم رغم محاولات الرأب!!

فتوح هيكل: الإسلام والغرب.. تصدع يتفاقم رغم محاولات الرأب!!

  • 19 مارس 2008

يلحظ المتابع للتطورات الراهنة على الساحة الدولية أن ثمة فجوة تتعمق، وتناقضاً يزداد اتساعاً بين الغرب والعالم الإسلامي، وذلك بفعل مواقف بعض المتطرفين ودعاة نظرية صدام الحضارات، الذين يصرون على الترويج لتصوراتهم المتطرفة، وبث بذور الخلاف والتوتر بين الجانبين من خلال الإساءة للمقدسات والرموز الدينية الإسلامية، ومحاولة النيل منها تحت مزاعم الدفاع عن حرية الرأي والتعبير.

فقبل أسابيع قليلة، قامت 17 صحيفة دنماركية بإعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم محمد (ص)، بعد كشف الأجهزة الأمنية الدنماركية عن مخطط مزعوم لقتل الشخص الذي قام برسم هذه الصور، والتي كانت قد أثارت استياء واسعاً في صفوف المسلمين في كافة أرجاء الأرض عندما قامت صحيفة "يولاندز بوستن" الدنماركية بنشرها لأول مرة في سبتمبر/أيلول 2005؛ حيث خرجت العديد من المظاهرات الجماهيرية الغاضبة التي جابت شوارع معظم دول العالم الإسلامي، وصاحب بعضها وقوع أعمال عنف، فضلاً عن بروز الدعوات المطالبة بمقاطعة البضائع الدنماركية في العالم الإسلامي. ورغم ردة الفعل الساخطة التي أثارها نشر تلك الرسوم أول مرة، إلا أن الصحف الدنماركية أصرت على إعادة نشرها مرة أخرى بدعوى الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، في تصرف أقل ما يوصف بأنه غير مسؤول، ويمثل تحدياً غير مبرر لمشاعر المسلمين عبر العالم، لتعيد بذلك حالة التأزم من جديد، وتقضي على جهود كبيرة كانت قد بذلت من جهات متعددة لإزالة تبعات الأزمة الأولى التي سببتها هذه الرسوم على العلاقة بين المسلمين والغرب.

وقبل أن يهدأ الجدل بشأن هذا التصرف غير المسؤول من جانب الصحف الدنماركية، أعلن النائب الهولندي المتطرف "جيرت فيلدرز"، زعيم حزب الحرية اليميني الذي يملك 9 مقاعد من أصل 150 مقعداً في البرلمان الهولندي، أنه يعتزم بث فيلم مسيء للإسلام، يظهر فيه القرآن الكريم على أنه نص "مريع وفاشيّ" يحرض على العنف ويأمر باضطهاد النساء ومثليي الجنس، مشبهاً إياه بكتاب "كفاحي" الذي وضعه أدولف هتلر، داعياً مسلمي هولندا إلى "التخلص من نصف القرآن إذا أرادوا أن يعيشوا في البلاد"!!.

وقد لاقى هذا التصرف المزمع من جانب النائب الهولندي المتطرف معارضة قوية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه؛ إذ حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) ياب دي هوب شيفر من "النتائج الخطيرة المحتملة" لعرض الفيلم على قوات التحالف في أفغانستان؛ حيث يخدم 1500 جندي هولندي ضمن القوات التي يقودها الحلف في منطقة الجنوب المضطربة، كما عبر وزراء العدل الأوربيون خلال اجتماعهم الأخير عن خوفهم من تجدد التوتر مع العالم الإسلامي إذا قام النائب الهولندي بعرض هذا الفيلم، الذي وصفه وزير العدل الهولندي بأنه "عمل يفتقر إلى المسؤولية"، فيما حاولت الحكومة الهولندية أن تنأى بنفسها عن تصرفات هذا النائب مؤكدة أنها لا تعبر عن موقف الحكومة التي تحترم حرية التعبير والعقيدة للمسلمين كما لأي شخص آخر، الأمر الذي دفع النائب إلى التراجع، مرغماً، عن فكرة نشر الفيلم، لاسيما بعد رفض وسائل الإعلام عرضه، وهو ما كاد ينذر بدفع العلاقة بين المسلمين والغرب في اتجاه مزيد من التوتر والصدام.

وبدورها، لاقت هذه التصرفات، التي تكشف بوضوح عن رغبة القائمين بها وإصرارهم على تخريب العلاقة بين الإسلام والغرب ودفع الطرفين إلى الصدام، ردود فعل غاضبة في أوساط المسلمين، باعتبارها تمثل مساساً بمعتقداتهم وإهانة لرموزهم الدينية، حيث خرجت المظاهرات الغاضبة في العديد من الدول الإسلامية، لاسيما في أفغانستان التي أحرق المتظاهرون فيها علمي الدنمارك وهولندا، وطالبوا بسحب قوات البلدين من قوات حلف شمال الأطلنطي الموجودة في بلادهم، وكذلك اليمن والسودان، التي أعلنت حكومتها بشكل رسمي مقاطعتها للمنتجات الدنماركية، كما انتقدت باقي الدول العربية إقدام الصحف الدنماركية على إعادة نشر الرسوم المسيئة، باعتبارها تمثل استفزازاً لمشاعر المسلمين ومساساً بعقيدتهم، فيما نددت مصر والسعودية بمشروع الفيلم الذي كان النائب الهولندي المتطرف يعتزم بثه، ووصفته القاهرة بأنه "وسيلة رخيصة لكسب أصوات الناخبين من خلال التهجم على مقدسات وأديان أخرى"، معتبرة أن مثل هذه الأعمال تغذي روح العداء ضد المسلمين وتشجع على المزيد من التطرف.

إن الاستناد إلى المبدأ الخاص بحرية الرأي والتعبير لتبرير القيام بمثل هذه الأعمال الاستفزازية لمشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم لا يمكن القبول به، فحرية التعبير "لا يمكن أن تكون مطلقة" بحسب تعبير وزير العدل في لوكسمبورج، ولا تعني السماح بإهانة مقدسات الآخرين والمساس بها، لأنها في هذه الحالة ستقود إلى الفوضى والعنف. كما يعكس هذا السلوك ازدواجية مفضوحة في الموقف الغربي؛ فإذا كانت حرية التعبير مقدسة كما يتم الزعم، فلماذا يتعرض أي شخص في أوروبا والغرب للملاحقة والعقاب إذا حاول مجرد التشكيك في جريمة الهولوكوست؟ ولماذا انتفض العالم الغربي بالكامل عندما قامت إيران بتنظيم مسابقة لأفضل رسوم عن "المحرقة" وانتقد هذا التصرف باعتباره غير مسؤول، ألا يدخل هذا السلوك في نطاق حرية التعبير؟!

مثل هذه التصرفات غير المسؤولة التي تستهدف إشعال الصراع والتوتر بين الإسلام والغرب، لا يمكن فصلها عن اتجاه فكري أخذ بالانتشار في الغرب عقب انتهاء الحرب الباردة، يصور الإسلام باعتباره العدو الجديد للحضارة الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث بدأت العديد من الكتابات تتحدث عن "الخطر الأخضر" أو الخطر الإسلامي، الذي حل محل "الخطر الأحمر" السوفيتي، وتجسدت هذه الأطروحات الفكرية بأفضل تجلياتها في كتاب "صدام الحضارات" للمفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون، والذي تحدث بوضوح عن صراع حتمي بين الغرب والإسلام. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتعمق من هذا الاتجاه وتضفي شرعية على أطروحاته، وهو الأمر الذي استغله دعاة الصدام في العالم لترويج تصوراتهم المتطرفة وبث سمومهم التي تستهدف إشعال الحرائق بين الثقافات والأديان والشعوب.

لا يعني ذلك أن الصدام بين الإسلام والغرب أمر حتمي، فالرغبة في الحوار والتعايش لازالت هي الحاكمة للعلاقة بينهما، وهذا ما تكشفه استطلاعات الرأي العام الجادة؛ فعلى سبيل المثال أكدت دراسة، أعدها "معهد جالوب" الأمريكي على مدى ست سنوات وشملت أكثر من 50 ألف مستجوب في 35 بلداً إسلامياً، أن المسلمين لا يكرهون الغرب بسبب ديمقراطيته وتقدمه وحرياته كما يتم الزعم، ولكنهم يرفضون فقط سياسته المزدوجة التي تقوم على الكيل بمكيالين وتقف في وجه المسلمين وتحول دون رسمهم لمستقبلهم باستقلالية وحرية، كما أظهرت الدراسة التي ستنشر خلال شهر مارس/آذار الحالي (2008) أن أكثر من 90% من المسلمين معتدلون، وأن الذين يتبنون توجهات راديكالية متشددة لا تزيد نسبتهم عن 7% فقط، وخلصت إلى القول بأن الصراع بين المسلمين والغرب ليس حتمياً، وأنه مرتبط بالسياسة أكثر منه بالدين. كما أظهر استطلاع آخر أجرته "مؤسسة جلوبسكان" لصالح هيئة الإذاعة البريطانية شمل 28 ألف شخص في 27 دولة إسلامية وغربية اقتناع أغلبية المشاركين فيه بوجود أرضية تفاهم مشتركة بين الغرب والعالم الإسلامي رغم التوترات السائدة على المستوى العالمي.

غير أن دعاة صدام الحضارات قد يجدون أيضاً في نتائج استطلاع الرأي العام ما يريحهم ويسعدهم، فقد كشف الاستطلاع الذي أجراه "معهد جالوب" لصالح المنتدى الاقتصادي العالمي، ونُشر في يناير/كانون الثاني الماضي (2008) أن معظم المواطنين في الدول الإسلامية والغرب يعتقدون بأن الانقسامات بين الطرفين تتفاقم وتزداد سوءاً. وقد علق رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي "كلاوس شواب" على نتائج هذا الاستطلاع الذي شمل 21 ألف شخص من 21 دولة، قائلاً: إنه يشير إلى أن "المستوى المتدني للتفاؤل بشأن الحوار بين الطرفين قد وصل إلى حد ينذر بالخطر".

وبصرف النظر عن رؤية الغرب والمسلمين لطبيعة العلاقة القائمة بينهما والمنحى الذي يمكن أن تسلكه مستقبلاً، فإن ما ينبغي تأكيده هنا هو أن السماح للمتطرفين ودعاة صراع الحضارات بالاستمرار في استفزازهم لمشاعر المسلمين من خلال تعمد الإساءة لمقدساتهم ورموزهم الدينية وعدم اتخاذ إجراءات حازمة في مواجهتهم، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في العالم؛ لأن ذلك من شأنه أن يولد قناعة لدى المسلمين بأنهم مستهدفون في دينهم وعقيدتهم، وهو ما يسهل بدوره من مهمة الإرهابيين وأصحاب الفكر المتشدد في تجنيد مزيد من الشباب في صفوفهم، وبالتالي زيادة موجة التطرف والإرهاب التي لن يسلم منها أحد، كما أن ذلك من شأنه أن يغذي الصراعات ذات الطابع الديني في العالم، ومن المعروف لدى الجميع أن هذا النوع من الصراعات هو أخطر أنواع الصراع التي يمكن أن يشهدها العالم؛ لأنها ترتبط بالعقائد الراسخة لدى أصحابها، ولا يمكن تسويتها بسهولة.

إن على العقلاء في هذا العالم أن يعملوا بقوة من أجل التصدي لكافة هذه التصرفات الاستفزازية غير المسؤولة، وإخراج أديان ومقدسات الشعوب من دائرة العبث والاستهزاء تحت أي مبرر، ويتعين على الأمم المتحدة أن تتحرك بجدية من أجل تجريم أي صورة من صور الإساءة لهذه الأديان والمقدسات، كما يتعين على المسلمين ألا ينجروا خلف مثيري الفتن ودعاة الصراع ويعملوا على إفشال مخططاتهم في إشعال الحرائق والصراعات بين الثقافات والأديان، وذلك من خلال تجنب ردات الفعل العنيفة، والتحرك بشكل سلمي وحضاري لتأكيد الطابع التسامحي لديننا الإسلامي الحنيف.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات