الإرهاب … "كابوس" يتطلب تعاونا دوليا جادا

  • 18 مايو 2003

تؤكد الشواهد أن الإرهاب المعولم أصبح أقرب إلى الظاهرة الأمنية الكونية منه إلى بقعة جغرافية معينة، فالأمر لم يعد مجرد جريمة منظمة بل بات نوعا من الحروب الجديدة أو غير المتكافئة التي تستهدف عصب الدول وأمنها واستقرارها، وهي أيضا حروب يصعب فيها تطبيق مفهوم الردع بمقوّماته العسكرية والأمنية في ضوء طبيعة العدو الضبابية "الزئبقية" التي هي أقرب إلى الأشباح، والتي تستفيد من وسائل التقدم التكنولوجي كافة في التخفي والهرب. ولكن ما ينبغي تأكيده أن الإرهاب يشكّل ظاهرة قديمة قدم البشرية، صحيح أن السنوات الأخيرة قد شهدت استفحالا غير مسبوق لخطر هذه الظاهرة على الأمن والاستقرار الدوليين، إلا أن الثابت أن الإرهاب لا يرتبط بدين أو دولة أو لون أو جنس معين، فالإرهاب كان اللغة المتداولة لمتطرفي اليمين واليسار على مدار القرن الماضي، كما شهد العالم أنواعا مختلفة من الإرهاب منها ما هو "مؤدلج" ومنها ما هو مدفوع الأجر بعد أن أصبح للإرهاب عصاباته وتنظيماته المتخصصة شرقا وغربا، وإذا كانت تنظيمات الإرهاب باتت تتسم بقدر عال من الترابط والتنظيم بحيث يمكن أن تشبه "الدولة الافتراضية" القائمة من دون حدود جغرافية، ودون مقومات الدولة المتعارف عليها في الأدبيات السياسية، فإن الأمر يستوجب تكاتف الدول كافة في مواجهة هذه الظاهرة عابرة القارات، فشبكة العلاقات غير المشروعة التي تربط هذه التنظيمات الفوضوية تحتاج إلى جهود وإمكانات هائلة لاحتواء خطرها.

ولعل أخطر ما في الإرهاب هو ما يعرف اصطلاحا بـ "العملاء النائمين" سواء في تنظيم "القاعدة" أو بقية التنظيمات المتطرفة المنتشرة في شتى بقاع العالم، فالهياكل التنظيمية العنقودية للجماعات المتطرفة ربما تعرقل أداء الأجهزة الأمنية فهي تنظيمات أقل مهنية وأكثر بساطة بحيث يسهل تركيبها وتفكيكها دون العثور على أثر مادي ملموس لها. والمؤكد أن أحد أبرز أدوات مكافحة الإرهاب يكمن في القضاء على ما يعرف أمنيا بـ " المناطق الرمادية" التي تشهد غيابا -أو تغييباً- لسيادة الدولة بمفهومها السياسي، بما يسهم في تكوين بيئة مثالية لتكاثر التنظيمات المتطرفة فكريا وتنظيميا وعملياتيا، وبالتالي فإن السيطرة على الأوضاع في شتى مناطق الصراعات تعد إحدى مفاتيح القضاء على ظاهرة الإرهاب وتجفيف منابعها، ولا شك في أن خروج عناصر الإرهاب من حالة "البيات الشتوي" لتنفذ عمليات دنيئة استهدفت أمن المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية يعني أن الإرهاب بات يمثّل التهديد الأكثر خطورة على الأمن والاستقرار الدوليين، وأن "إخطبوط" الإرهاب لم يزل يمتلك المقدرة على التحرك.

إن التحذيرات التي تعم مناطق عدة من العالم من احتمال وقوع هجمات إرهابية، والتي تفتقر في معظمها إلى ردود شافية بشأن متى وأين وكيف ستكون الضربة المقبلة للإرهاب، تجعل الجميع يتخبط في القلق بما لذلك من آثار اقتصادية وأمنية، ما يعني بدوره أن المجتمع الدولي بات في مواجهة اختبار صعب للتعاون والتكاتف في خوض حرب طويلة الأمد ضد ظاهرة يتفق الجميع على بشاعتها وإدانتها، فمسؤولية مكافحة الإرهاب هي مسؤولية جماعية دولية.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات