الإرهاب اليائس في العراق

  • 10 ديسمبر 2009

جاءت التفجيرات الإرهابيّة الأخيرة التي شهدتها العاصمة العراقيّة بغداد، أول من أمس، وأسفرت عن مقتل نحو 112 شخصاً، وإصابة أكثر من 450 آخرين، لتعبّر عن محاولة يائسة من قوى العنف والإرهاب لإيقاف حركة التقدّم إلى الأمام في العملية السياسية العراقية. فقد كان من اللافت للنظر أن هذه التفجيرات الدامية جاءت بعد يومين فقط من موافقة البرلمان العراقيّ على قانون الانتخابات بعد جدل استمرّ فترة طويلة، ومن ثم تم تحديد موعد هذه الانتخابات في السابع من شهر مارس المقبل، وفي ذلك إشارة إلى أن هناك من يسوءه أيّ تطور إيجابي في العراق، وبالتالي يسعى إلى إجهاضه عبر إشاعة أجواء العنف وعدم الاستقرار، وهي الأجواء التي ترى بعض القوى أنها تحقّق أهدافها، وتخدم مصالحها التي تتعارض مع أهداف الشعب العراقي ومصالحه.

إن تطوّرات الأحداث والتفاعلات على الساحة العراقية خلال الشهور الماضية تشير إلى أن البلاد تعيش حالة من الصراع بين اتجاهين، الأول هو الاتجاه الذي يريد الدفع بالعراق إلى الخروج من عنق الزجاجة، ويعمل على معالجة أيّ خلافات أو تباينات في وجهات النظر، مهما كانت شدّتها، من خلال الحوار وعبر الأطر الدستوريّة والمؤسسيّة المتاحة. فيما يعمل الاتجاه الثاني على إعادة الأمور إلى الوراء، ومنع أيّ خطوة من شأنها أن تعمّق من قيم التعايش والمواطنة والحوار، وتطوي صفحة الدم والخراب التي يعيشها العراق منذ عام 2003. وعلى الرّغم من حجم الدمار والدّم الذي أحدثه الإرهابيون ويحدثونه، ويدفع ثمنه العراقيون من حياتهم وأمنهم وتنميتهم ومستقبل أبنائهم، فإن قوى الإرهاب والتطرّف لم تفلح في تحقيق أهدافها، أو فرض أجندتها على العراق وأبنائه. ومن ثمّ تمضي الأمور، برغم بعض الخلافات والمشاحنات، إلى الأمام. وهناك حرص على إجراء الاستحقاقات السياسيّة المختلفة في موعدها، كما أن هناك تغيّرات إيجابية كثيرة على طريق التخلّص من هيمنة النزعات الطائفيّة والمذهبيّة، ولعلّ نتائج انتخابات المحافظات السابقة تؤكّد ذلك بوضوح، كما تؤكّده طبيعة التحالفات السياسية القائمة الآن على الساحة العراقية. ولذلك تبدو جماعات الإرهاب حريصة على القيام بعمليات ضخمة توقع أكبر عدد ممكن من القتلى في محاولات يائسة من أجل إيقاف التقدّم نحو الخروج من عنق الزجاجة، حيث إنه من الواضح أن العمليّة الأخيرة تهدف إلى تعطيل العملية الانتخابيّة، وتوجيه رسالة دمويّة إلى الشعب العراقي، مفادها أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع ينطوي على مخاطرة كبيرة. ومن الواضح أيضاً أن قوى الإرهاب لن تكفّ عن محاولاتها إجهاض انتخابات مارس المقبل بالطرق الممكنة كلّها، خلال الفترة المقبلة، ما يضع على كاهل أجهزة الأمن العراقيّة مسؤولية كبيرة في مواجهة هذه القوى وكشف مخططاتها.

إن أبلغ ردّ على العمليات الإرهابية في العراق هو مزيد من التمسك من قبل القوى السياسية العراقية كلّها بالحوار والتعايش، والتمسك بإجراء الانتخابات في موعدها، ومزيد من الإصرار من قبل العراقيين على عدم الارتهان لأجندة الإرهابيّين.

Share